عوّد نفسك على التوقف المفاجئ في العمل

6 دقائق
التأقلم مع التوقف المفاجئ في العمل

يجب أن يتعلم المسؤولون التنفيذيون الكثير من الفهد، أكثر الحيوانات البرية مرونة على وجه الأرض. وعلى الرغم من أن أسلافه كانوا يركضون بسرعة 20 ميلاً في الساعة فقط، فالفهد اليوم قادر على رفع سرعته من الصفر وحتى 60 ميلاً في غضون 3 ثوان، أي أسرع من سيارة كورفيت ذات المحرك التوربيني المزدوج أو سيارة فيراري إينزو. لكن ليست السرعة وحدها ما يجعل الفهد صياداً مذهلاً، فنماذج الكمبيوتر تبين أن مؤشر عملية الصيد الناجحة لا يتمثل في سرعة الفهد القصوى، بل في مدى سرعته في التوقف المفاجئ والانعطاف.

وهذا ينطبق على تصيد المسؤول التنفيذي للابتكارات. سواء كانت المؤسسة تطور منتجات أو عمليات جديدة أو تجدد الطرق القديمة المتبعة في إجراء العمليات التجارية، لن يكفي أن تسعى إلى تطبيق الأفكار الجديدة بسرعة. وإذا لم تطور قدرات جديدة لخفض سرعتها بمهارة والتأقلم مع التغيرات والانعطافات غير المتوقعة، فعلى الأرجح أنها ستعود بخفي حُنين. هذه إحدى أبرز شكاوى المسؤولين التنفيذيين الذين يواجهون صعوبات في زيادة قدرة مؤسساتهم على التأقلم، إذ يقولون: “نحن لا نجيد التوقف عن العمل إطلاقاً، حتى عندما يبدو جلياً أنه مجرد مضيعة للوقت والمال”. وهذا ينطبق على خطوط الأعمال والعمليات الجارية التي تصل إلى موسم إعداد أهداف الموازنة والمبيعات بشق الأنفس عاماً تلو الآخر، تماماً كما ينطبق على أي فكرة جديدة بدت لامعة يوماً ولكنها فشلت ببساطة.

لكن تكلفة هذا الأمر أكبر مما يمكن أن يتخيله المدراء. يقدر غاري هامل وميشيل زانيني أن تكلفة هدر الموارد الذي تتسبب به البيروقراطية قد وصلت إلى 10 ترليونات من الدولارات، وهي مستمرة بالازدياد. إذ يبوء ما بين 70% و90% من الابتكارات بالفشل، وتضعف العمليات الصحية يوماً بعد يوم مع اضطرارها لدعم المشاريع المتعثرة التي تستمر نتيجة للشلل السياسي بدلاً من تحقيق ثمارها المحتملة. عندما يتم تحديد قوة الشركة بكمية الموارد التي تسيطر عليها، كما هو الحال غالباً في عالم الأعمال، يصبح الاعتراف بالفشل والاستسلام نادرين.

وبما أن إيقاف العمل صعب جداً، يزيد المسؤولون التنفيذيون من صعوبة البدء به أيضاً، ما يؤدي إلى تثبيط الابتكار. إذ يرفعون الحد الأدنى لعائدات الاستثمارات ويطالبون بتحليلات تضم تفاصيل أدق ويتشددون في التدقيق أكثر. للأسف، هذه التصرفات لا تحسّن القرارات بقدر ما تضر سرعة الطرح في السوق وتحديد المكانة التنافسية، فتزداد المشاريع الفاشلة. وفي نهاية المطاف، تتنامى مجموعة المشاريع الفاشلة إلى حد كبير ويصبح من الصعب تجاهلها، فيسرح المدراء نسبة كبيرة من موظفيهم ويصيبون المؤسسة بصدمة، ويطلقون حلقة التكرار المهلكة من جديد.

3 مهارات للتوقف المفاجئ في عمليات الشركات:

يمكن للشركات التطور وتحسين مرونتها والبدء بإيقاف العمليات بسرعة أكبر عن طريق التركيز على ثلاثة أمور محددة:

1. اتخاذ مزيد من القرارات التي يمكن التراجع عنها

عندما أجرينا بحثاً لأجل كتابنا: “تطبيق منهجية أجايل بطريقة صحيحة: التحول دون فوضى” (Doing Agile Right: Transformation Without Chaos)، علمنا من المسؤول التنفيذي الأسبق في شركة “أمازون”، جيسون غولدبيرغر أنه من أجل تسريع الابتكار، يشجع مؤسس الشركة جيف بيزوس المسؤولين التنفيذيين بعزم على جعل التراجع عن قراراتهم ممكناً، ما يضمن ألا تضطر الشركة للتعايش مع العواقب السلبية للقرارات السيئة مدة طويلة. وهذا يؤدي إلى تفادي المخاطرة وتسريع الاختبار.

يوضح غولدبيرغر قائلاً: “إذا طلبت من الموظفين أن يبتكروا من دون ارتكاب الأخطاء، فستقتل الابتكار. لكن إذا طلبت منهم أن يبتكروا من دون القلق بشأن ارتكاب الأخطاء التي يمكن التراجع عنها بسرعة، فستمنحهم حرية الاختبار والتعلم بطرق أكثر مرونة”.

لكن للأسف، ليس هناك كثير من الشركات التي تعمل بهذه الطريقة. فعدد كبير جداً من اقتراحات الاستثمارات تخطط لتوسع سابق لأوانه ولا رجعة عنه، وتدعو لاستثمارات أولية كبيرة، وتتنبأ بعائدات وأرباح مؤجلة لها منحنى يأخذ شكل عصا الهوكي. وعندما لا تتحقق هذه العائدات والأرباح، يشعر المسؤولون التنفيذيون أن التوقف قد فات أوانه، وأن ثمار الاستثمارات باتت وشيكة، ويقولون لأنفسهم: “لم التوقف؟ من الجنون أن نتوقف الآن”. وهكذا، يستمر هدر المال فيما لا طائل منه.

تتمثل إحدى الطرق للإقلاع عن هذه العادة في إدارة الأعمال بأسلوب المستثمر المحنك. يجب أن تعي حقيقة خطط العمل التجاري، فما هي إلا تجارب. لذا، فكك التجارب الكبيرة التي تحمل مجازفة كبيرة إلى سلسلة من اختبارات أصغر وأكثر ذكاء؛ ووضح الفرضيات وحدد أفضل الطرق لاختبارها والمقاييس التي ستدل على ضرورة المتابعة أو التعديل أو التوقف؛ وتجنب التوسع السابق لأوانه، كتوظيف عدد أكبر مما يلزم من الموظفين وبناء قدرة أكبر مما يجب والقيام بأعمال تسويق أكثر مما ينبغي قبل أن يتم التحقق من الافتراضات الرئيسية؛ واحرص على مطابقة التكاليف مع الإيرادات؛ وابدأ بتقييد الاختبارات بنماذج مصغرة عن الحلول النهائية تكون يسيرة التكاليف وقابلة للتكييف، وذلك من خلال وضع حدود للمواقع الجغرافية أو شرائح العملاء أو خطوط الإنتاج. (يمكنك قراءة المزيد حول طريقة الاختبار بكفاءة في هذه المقالة من هارفارد بزنس ريفيو، تأليف ستيفان تومكي وجيم مانزي).

خذ مثلاً شركة “دورداش” للتوصيل من المنتج إلى المستهلك مباشرة. صحيح أنها شهدت ارتفاعاً كبيراً في الطلب مؤخراً، ولكن في عام 2013، عندما بدأت بجمع رأس المال الذي وصل في نهاية المطاف إلى 2.5 مليار دولار، لم يدعم أصحاب رؤوس الأموال هذه الشركة الناشئة بمئات ملايين الدولارات دفعة واحدة، فقد كانت المخاطر كبيرة، وهذه الخطوة كانت ستحد من قدرتهم على إحداث تغييرات استراتيجية عند الضرورة. بل استعاضوا عن ذلك بتقسيط استثمارهم على 11 جولة تمويل.

وفي جولة التمويل لعام 2016، أدت الشكوك بصلاحية استراتيجية الشركة إلى بيع أسهمها بسعر أقل من الجولات السابقة، فأجرت الشركة تغييرات مهمة، حيث أضافت خدمات جديدة للمطاعم وعدلت أجور السائقين، فارتفعت الحصة السوقية والتقييمات اللاحقة.

بقيت شركة “دورداش” غير قادرة على تحقيق الأرباح، وكان نجاحها لا يزال غير مضمون. لكن كان لدى المستثمرين الداعمين فرص واضحة ومتكررة لتغيير طريقة استثمارهم والتأثير في اتجاه الشركة. هكذا، يمكن للمستثمرين إبطاء السرعة وتغيير الاتجاه والتوقف.

ثمة شركات تطبق هذا النموذج بالفعل. إذ يراجع المسؤولون التنفيذيون المشاريع الجديدة وخطوط الأعمال القائمة على نحو ربع سنوي، ويستخدمون حلقات التغذية الراجعة السريعة وينشئون النماذج الأولية التجريبية التقريبية ويعتمدون على مقاييس موضوعية لاختبار الفرضيات الأساسية. وبهذا يصبح من الممكن تعديل الخطط وتوزيع الموارد بأسلوب حيوي أكثر.

2. اجعل العمل مرئياً أكثر

من الصعب تحسين العمل غير المنتج أو إيقافه إذا لم يكن ممكناً رؤية العمل الذي تم إنجازه ومدى جودته، لذلك تسير شركات كثيرة على غير هدى.

يمكن للمسؤولين التنفيذيين التحقق من المنشآت المادية وتقييم ما إذا كان عليهم تجديدها أو هدمها، ويمكنهم رؤية الموجودات المتراكمة وتحديد ما إذا كان عليهم إكمالها أو شطبها، لكن غالباً ما تعجز فرق القيادة عن رؤية العمل غير الملموس الذي تؤديه معظم الأقسام، كالتقنيات والتسويق وغيرها.

لذا، فزيادة إمكانية الرؤية أفضل للجميع. إذ إنها تساعد كبار المسؤولين التنفيذيين على كشف المبادرات ذات القيمة وتمييز الموظفين الذين يدعمونها وتسريع تقدمهم؛ وتساعد الموظفين على رؤية المشاريع ذات الصلة بوظائفهم والتعلم منها وتحديد المواضع حيث يمكن لخبراتهم حل المشكلات المعقدة أو توفير الوقت والمال؛ وتسهل على الجميع رؤية العمل المكرر وتحفز النقاشات حول ضرورة عمل الفرق المتداخلة على أساس التعاون أو التنافس؛ وهي تساعد الفرق التي تعمل بخطوات مترابطة على التنسيق فيما بينها والحد من فترات التأخير.

تخيل نظاماً يمكّن الموظفين المصرح لهم من رؤية مسارات العمل والعاملين على كل مسار والأعمال الأخرى التي يقومون بها وتقدم العمل. تخيل أن يكون من الممكن وسم عمل كل فريق بواصفات مثل “أولوية استراتيجية” أو “عملاء مستهدفين” أو “القيمة الاقتصادية المتوقعة” أو “التقدم بحسب الخطة”. وربما يمكن للموظفين التعبير عن ثقتهم في نجاح كل فريق أيضاً. هذه الأنظمة موجودة بالفعل، كبرمجيات إدارة المشاريع والمحافظ الاستثمارية، وأنظمة تتبع الأهداف والنتائج الرئيسية، وأنظمة إدارة المواهب وأنظمة تحليلات القوة العاملة، وهي في طور التحسن المستمر.

3. تغلب على الخوف

يقال في عالم المجازفات المتهورة أن أول قاعدة للمشي على جناح الطائرة هي: “لا تفلت ما لديك إلى أن تمسك بشيء أفضل”. يدرك الزعماء المخضرمون أن الموظفين الخائفين يتشبثون بالعمل الحالي مهما كان غير منتج، لذا فهم يتبعون عدة طرق للتغلب على هذا الخوف. وقد ناقشنا إحداها آنفاً، وهي  تخفيض تكاليف إيقاف المشاريع (عن طريق إجراء الاختبارات مثلاً).

والطريقة الثانية هي مكافأة الموظفين الذين يتعلمون دروساً ذات قيمة عن طريق المجازفة الحذرة، حتى وإن كانت النتيجة الفورية مخيبة للأمل. في بعض الحالات، قد يعني ذلك التمسك بالهدف الجريء وتكييف النهج المتبع في تحقيقه مع تغيرات الظروف والقدرات. عندما رغب بيزوس بتمكين بائعي الطرف الثالث من بيع منتجات جديدة أو مستخدمة على موقع شركة “أمازون”، فشلت الشركة في البداية. إذ أخفقت عمليتي إطلاق سوقي “أمازون أوكشنز” (Amazon Auctions) و”زي شوبس” (zShops) الإلكترونيين. لكن سوق أمازون الذي أطلق بعد ذلك بفترة قليلة حقق نجاحاً، وهو اليوم مسؤول عن بيع نصف إجمالي الوحدات التي تبيعها الشركة.

وأخيراً، فإن منح الموظفين فرصاً أكثر عند فشل مشاريعهم الحالية يقلل احتمال تمسكهم بفكرة سيئة لمدة أطول مما ينبغي. تبني الشركات الناجحة مجموعة داعمة قوية ومرئية من الفرص الجيدة؛ وتوضح أنه ليس بالإمكان البدء بمشاريع جديدة إذ لم يتم إيقاف المشاريع الجارية الفاشلة؛ وتعيد توزيع الموظفين من المشروع الأول إلى الثاني كسياسة عامة، وتقدم لهم التدريب اللازم من أجل تسهيل عملية الانتقال. ومع الوقت، يبدأ الخوف من تفويت الفرص الأفضل بالتغلب على الخوف من الخسارة.

في عالم تتزايد فيه التغييرات غير المتوقعة، حيث تستمر الفرص بالقفز يمنة ويسرة كالغزلان الرشيقة، لا يكفي الركض بسرعة كبيرة. بل يجب أن تتطور الشركات إلى أن تمتلك مهارات التوقف التوقف المفاجئ والانعطاف السريعين التي تتلاءم مع قدرتها على الانطلاق بسرعة كبيرة متزايدة. وعندما تفعل ذلك، سيصبح السعي لتحقيق النمو مثمراً أكثر، وستزداد قدراتها التنافسية قوة، وستكتسب مركزاً مهيمناً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!