تابعنا على لينكد إن

سافرتُ خلال الشهر الماضي من مقري في الأرجنتين إلى الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة لتقديم سلسلة من المحاضرات، وسوف أغادر قريباً لمحاضرة أخرى ستكون في إيطاليا هذه المرة. كان المدراء التنفيذيون الذين قابلتهم في كل من هذه البلدان متوترين بشكل يمكن تفهمه. ففي أعقاب الانتخابات والاستفتاءات التي شهدتها كل من هذه البلدان، أصبحوا يواجهون شكوكاً سياسية واجتماعية واقتصادية لم يكن أحد ليتخيلها أحد يوماً.

كيف يمكن لقادة هذه الأيام إدارة هذه الوضع الطبيعي الجديد؟ أتحدث عادة في الأوقات العصيبة (وقد شهدت الأرجنتين الكثير منها) عن جانوس إله البدايات والنهايات عند الرومان، والذي استُمّد منه اسم الشهر الأول في السنة ، يناير. يرمز جانوس إلى نشأة العالم والحياة البشرية، بداية العصور التاريخية والمشاريع الاقتصادية. هو يمثل التغيير والانتقال – من الماضي إلى المستقبل، ومن البربرية إلى الحضارة، ومن الصِبا إلى الشباب- وعادة ما يُشار إليه برأسين متعاكسين بالاتجاه. قدرته على النظر للوراء مكنّته من رؤية ما هو قادم بوضوح. وقد اتسمت رؤيته للأمور بأنها بعيدة المدى.

أنا أعتقد أنَّ التنفيذيين والمنظمات يجب أن يسيروا على هذا النهج خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في المواهب.

خذ على سبيل المثال بحثاً أجراه رانجاي جولاتي ونيتين نوهيرا وفرانز ولجيزوجن من كلية هارفارد للأعمال قيّموا فيه أداء 4700 شركة خلال ثلاثة أزمات اقتصادية. وجدوا أن 9% فقط منهم خرجوا منها بحال أفضل، وأنَّ الأمر المشترك بين المجموعة الصغيرة من الفائزين كان تركيزاً ’’تقدمياً‘‘: كانوا انتقائيين إلى حد بعيد حيال مكان وزمان خفض استثماراتهم وظلّوا على الدوام يتصيّدون الفرص.

هناك قصص كثيرة تدعم هذا الرأي. انظر فقط للأيام الأولى لشركة هيوليت باكارد. كانت أواخر الأربعينات من القرن الماضي أياماً صعبة لمصنّع الإلكترونيات الحديث العهد الذي سيصبح لاحقاً من أكثر الشركات التقنية الأمريكية شهرة. تركت الحرب العالمية الثانية الكثير من الشركات في حالة تباطؤ وتقلصت التمويلات. لكن مع خروج فيالق من أعظم المهندسين من المختبرات العسكرية الأمريكية التي أُغلقت أو كانت على وشك الإغلاق، رأى المؤسسان الأسطوريان لشركة إتش بي، بيل هيوليت وديف باكارد، أنهما لا يستطيعان ترك مثل هذه الفرصة الرائعة للتوظيف تفوتهما دون الاستفادة منها. عندما سُئلِا كيف أمكنهما تحمل تكاليف إضافة عاملين في فترة الكساد، كانت إجابتهما بسيطة: ’’كيف يمكننا تحمل تكلفة ألا نفعل ذلك؟‘‘ بعدها بسنوات، عندما سُئلا عن المساهم الأكبر في نجاح إتش بي عبر السنوات، أشارا إلى أنها كانت رغبتهما في توظيف الأشخاص المناسبين بغض النظر عن المناخ الاقتصادي الخارجي.

لدى شركتي، إيغون زيندر (Egon Zehnder)، قصة مماثلة. بعد انتهاء فقاعة الإنترنت في بدايات العام 2000، بدا مستقبل الصناعة بائساً. بدا أن حرب البحث عن المواهب انتهت والمبيعات انحسرت وتقلصت هوامش ربحيتنا. جاءت بعدها هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتبعتها أزمة اقتصادية شاملة في الولايات المتحدة وأوروبا، ومخاوف مرض السارس في آسيا، والحرب في أفغانستان أولاً ثم في العراق مع كل ما يُصاحب الحروب من غياب لليقين. كانت ردة الفعل الطبيعية اتباع ما يصدر من مؤشرات المدى القصير ومن ثم التخندق، كان ذلك ما فعله معظم منافسينا بصرف أكثر من 50% من موظفيهم من الخدمة. أما نحن فبالكاد قلصنا حجمنا. تابعنا توظيف الاستشاريين المتفوقين وانتقينا كل مرشّح تقدّم ليصبح شريكاً معنا خلال تلك الفترة.

عندما تعافت السوق كنّا مستعدين لاستغلال الفرصة. مع أننا دخلنا الأزمة الاقتصادية بحوالي نصف حجم أكبر منافسينا، أصبحنا تقريباً بنفس حجمه مع نهايتها ونمى حجمنا بأكثر من 150% خلال ست سنوات، وتضاعف سعرنا للاستشاري الواحد، ورفعنا بشكل كبير أرباحنا. وفي حين عانت الشركات الأخرى من خسائر كبرى، لم نخسر نحن سنتاً واحداً.

بالنظر للأمام إلى الأزمة المالية العالمية التالية. كنت متحدثاً في مؤتمر فورتشن 500 للرؤساء التنفيذيين واستمعتُ باهتمام بينما قدمت مؤسسة بي سي جي (BCG) نتائج دراسة أجرتها بالتعاون مع المنظمة الأوروبية لإدارة الأفراد (European Association for People Management). سألت الدراسة 3,400 مدير تنفيذي في أكثر من 30 بلداً منها 90 قائداً كبيراً للموارد البشرية، عن ما ستكون عليه استجابتهم على الأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق، فكانت الإجابة المتكررة ’’تقليص التوظيف‘‘. وفي الوقت نفسه، أعلن المشاركون في الاستبيان أنَّ الاستجابة الأكثر فعالية على الأزمات الاقتصادية السابقة (من بين 3 خيارات)، والاستجابة التي تركت التأثير الإيجابي الأفضل على التزام الموظفين (من بين 22 خياراً)، كان التوظيف الانتقائي للموظفين الأعلى أداء من المنافسين. أي أنَّ نصيحة بي سي جي أتت مشابهة لما نصحت به دراسة كلية هارفارد للأعمال. لهذا، يجب اليوم على القادة وخاصة الرؤساء التنفيذيين ومجالس إدارتهم تذكر دروس جانوس. ومع أنَّ الأزمة الحالية قد تبدو قاهرة، إلا أنَّ الغلبة في النهاية ستكون لمن يحافظ على هدوئه ويتذكر ما حدث في الماضي ويخطط للمستقبل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz