أصبح بإمكان الجميع اليوم لعب دور القرصان الالكتروني الذي يسيطر على نظام التشغيل المركزي لمدينة شيكاغو الأميركية في المستقبل، وذلك من خلال لعبة الكمبيوتر الخيالية "ووتش دوغز" (Watch Dogs) التي تقدم شكلاً تخيلياً عن ارتباط المدينة الكامل بشبكة الإنترنت. وعند السيطرة على نظام الأمن في المدينة سيكون بوسعك التجسس على سكانها عبر الدخول إلى شبكة كاميرات المراقبة، والتنصت على المكالمات الهاتفية، وإصابة البنية التحتية الرئيسية للمدينة بحالة من الشلل. كل ذلك عبر هجوم إلكتروني شرس يتسبب بخضوع شيكاغو "مدينة الرياح" وإرهاقها.

صحيح أنّ "ووتش دوغز" ليست إلا لعبة، ولكنها تعبير عن سيناريو محتمل قد تتعرض له المدن الذكية في عالمنا اليوم. فالتطورات الحاصلة في مجال الذكاء الاصطناعي والأجهزة المرتبطة ببعضها وفق أنظمة إنترنت الأشياء، عززت من قدرة المدن على زيادة الكفاءة عبر العديد من الخدمات، كالسلامة العامة والمواصلات وإدارة المياه وحتى في مجال الرعاية الصحية.

ويقدر عدد الأجهزة التي سترتبط بالإنترنت خلال هذا العام بحوالي 2.3 مليار وفق دراسة لشركة غارتنر المختصة بالأبحاث والاستشارات في مجال التكنولوجيا. ويمثل هذا الرقم زيادة تصل إلى 42 في المئة في عدد الأجهزة المرتبطة بالإنترنت مقارنة بالعام 2016. ولكن زيادة الاتصال الرقمي قد تثير عدداً من التحديات ونقاط الضعف التي يترقب المجرمون الإلكترونيون استغلالها.

وفي الثامن من أبريل/نيسان من العام الماضي، أطلق عدد من قراصنة الإنترنت 156 من صفارات الطوارئ في مدينة دالاس في ولاية تكساس الأميركية، ما أدى إلى إثارة الهلع لدى السكان الذين انهالوا بالاتصالات على رقم الطوارئ في المدينة طوال اليوم. وقد ارتفع عدد الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الرئيسية من 200 هجمة في العام 2012 إلى نحو 300 في العام 2015. ومع تحول المدن الذكية من مجرد التفكير إلى تطبيقها على أرض الواقع، فإنّ تأمين الأنظمة التي تقوم عليها سيصبح أولوية قصوى لضمان أمن مجتمعاتنا المرتبطة بشكل كبير بشبكة الإنترنت.

وباختصار شديد، تعتمد المدن الذكية على الأجهزة المترابطة في ما بينها عبر الإنترنت لتحسين مستوى الخدمات في المدينة وإيصالها للجميع، وذلك بالاعتماد على بيانات ضخمة في الزمن الحقيقي. وتتألف هذه الأنظمة من الأجزاء التقنية المادية والبرمجيات والتقنيات الجيومكانية من أجل تطوير الخدمات وتحسين مستوى الحياة في المدينة. فعبر استخدام مجسات رخيصة التكلفة مثلاً يكون بالإمكان الحد من استهلاك الطاقة في إنارة الشوارع أو تنظيم تدفق المياه للحفاظ على الموارد الطبيعية بشكل أكثر كفاءة. إذ تعتمد المدن الذكية على بيانات دقيقة لكي تعمل بالشكل السليم. أما في حال وجود تلاعب بالمعلومات التي يتم تلقيها، فإنّ العمليات تكون مهددة بالفشل وسيلحق ذلك شللاً بالأنظمة وفي حياة الناس قد يمتد لعدة أيام.

باتت العديد من المدن اليوم تعتمد على التقنيات الذكية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لتسريع التحول نحو المستقبل. على سبيل المثال، ساعدت تقنية الري الذكي مدينة برشلونة على توفير 58 مليون دولار أميركي سنوياً. وفي كوريا الجنوبية تمكنت مدينة واحدة بخفض النفقات التشغيلية للمباني بنسبة 30 في المئة بعد الاعتماد على المجسات الذكية لضبط استهلاك الماء والكهرباء. ومع تزايد انتشار إنترنت الأشياء بهدف الوصول إلى 50 مليار جهاز مرتبط بالإنترنت بحلول العام 2020، سيصبح لزاماً على المجتمعات الحضرية أن تعزز إجراءات الأمن الإلكتروني والأنظمة الخاصة بإدارة الكوارث الإلكترونية لديها، بغية التصدي لقراصنة الإنترنت الباحثين عن أية فرصة لإحداث الفوضى.

كما ستزيد أهمية حماية الأنظمة الرقمية هذه بشكل كبير مع توسع البنى التحتية للمدينة الذكية. وفي الوقت الذي يتعاظم فيه حجم الاستثمارات في مجال التقنيات الذكية، فإنّ العديد من هذه الابتكارات تُطبق دون اختبار صارم لها، مع التغافل عن مسألة الأمن الإلكتروني.

وعلى سبيل المثال، بدأت المدن تستخدم نظام التحكم الإشرافي وتحصيل البيانات المعروف اختصاراً باسم (سكادا)، لكنها ما تزال عرضة للهجمات الإلكترونية المتكررة بسبب ضعف النظم المتعلقة بالجانب الأمني. وبالرغم من أنّ أنظمة (سكادا) تتحكم بعمليات واسعة النطاق وتنجح في توحيد المنشآت التي لا يجمع بينها نظام مركزي موحد، إلا أنها تفتقر للعناصر الخاصة بإجراءات التشفير والتحقق. إذ لو استهدفت هجمة إلكترونية نظام (سكادا) الخاص بالمدينة، فإنّ ذلك يشكل خطراً على صحة المواطنين وأمنهم، وسيصبح بالإمكان السيطرة على خدمات المدينة عبر نقطة دخول واحدة.

كما يمكن أن تتسبب بعض الأخطاء البرمجية الصغيرة بإحداث حالات خلل كبيرة في أنظمة التحكم، ما يؤدي إلى مشاكل تقنية كبيرة للمدن. فحين يهاجم القرصان الإلكتروني أنظمة التحكم في المدينة الذكية، سيصبح بمقدورهم إرسال بيانات بعد التلاعب بها إلى أجهزة الخادم الرئيسية للولوج إلى مراكز البيانات أو ضربها. وهذه هي الطريقة التي استخدمها قراصنة الإنترنت للدخول إلى نظام التحكم بمحطة المياه في مدينة إلينوي الأميركية في العام 2011، والذي نجم عنه تدمير مضخة تؤمن المياه لأكثر من 2,200 شخص. وإنّ هذه الاختراقات لا تعطل الأنشطة اليومية للسكان فحسب، بل يمكن أن يكون إصلاحها باهظاً جداً. وتشير التقديرات أنه يبقى 93 مليون إنسان بلا كهرباء في أميركا الشمالية، في حال حدوث اختراق للأنظمة ينجم عنه انقطاع للكهرباء، وقد تتراوح فاتورة التعويضات التي يتوجب على شركات التأمين تغطيتها بين 21 مليار دولار و71 مليار دولار أميركي.

لعل حتمية وقوع الهجمات الإلكترونية، كانت درساً تعلمته مؤسسات القطاع الخاص عبر التجربة. ومع تبني المدن للمبادرات الذكية وتزايد اهتمامها بها، تمكنت مؤسسات القطاع الخاص بكل حكمة وتدبير أن تجعل من أمن البيانات أولوية لها منذ البداية. كما يجب على الجهات المعنية بتخطيط المدينة (إلى جانب تأمين المنشآت الخاصة بالتحكم بالكهرباء والغاز والمياه) أن تُطبّق آليات السلامة وتخطي العقبات في جميع الأنظمة والشبكات. ويشمل هذا أيضاً على الإغلاق الآلي للأنظمة التي يحتمل أن تكون قد تعرضت للاختراق إلى أن يتمكن خبراء أمن المعلومات من حل المشكلة. كما يمكن حماية الأنظمة ضد الهجمات الإلكترونية التي تحاول اختراق أنظمة التحكم عن بعد، من خلال تشفير البيانات الحساسة واستخدام آليات ولوج للشبكة تعمل باستمرار على كشف أي تحرك مشبوه.

بوسع المدن الذكية أن تزيد الإنتاجية والكفاءة لمصلحة المواطنين، لكنها قد تنطوي على مشاكل خطيرة إن كان أمن هذه الأنظمة مهدداً بالاختراق. ومع استمرار الحكومات بتبني المزيد من المبادرات الذكية، فإنّ تحقيق الإمكانات القصوى لهذه المجتمعات المرتبطة في ما بينها رقمياً لا بدّ أن يبدأ من تطبيق أفضل الممارسات في مجال الأمن الإلكتروني ليكون هو الأساس الذي تقوم عليه.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!