يجري النقاش بصورة مستمرة في عالم الأعمال حول تأثير التنوع بين الجنسين وتوظيف النساء على نتائج الشركات. فهل يجعل التنوع الشركة أكثر إنتاجية؟

كثيرون هم الذين يجيبون بنعم. ويجادل بعض الباحثين بأنّ التنوع بين الجنسين يؤدي إلى تعزيز التفكير الخلاق ويرسل إشارة للمستثمرين بأن مدراء أكفاء يتولون قيادة الشركة.

لكن آخرين، يجيبون بالنفي، إذ تشير نتائج بحثية متضاربة إلى أن التنوع، أو توظيف نساء ورجال للعمل معاً، قد يضر أحياناً بأداء الشركة.

لكن معظم الأبحاث التي تناولت هذه المسألة، بحثتها داخل بلد واحد أو ضمن قطاع واحد. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تقتصر نتائجها على الوضع في ذلك البلد أو ذاك القطاع. لقد دفعنا هذا إلى التساؤل: هل يمكن أن تكون نتائج البحث المتضاربة سببها الاختلاف في السياق؟ قد تؤثر المنطقة الجغرافية والقطاع على آراء الأشخاص حول التنوع بين الجنسين في العمل، ومن ثم قد يؤثر ذلك على ما إذا كان التنوع سيؤدي إلى تحقيق نتائج أفضل أم لا.

هذا هو بالضبط ما توصل إليه البحث الذي أجراه أحدنا (الأستاذ جانغ). شملت الدراسة 1,069 شركة رائدة في 35 دولة و24 قطاعاً، وتوصلنا من خلالها إلى أن التنوع بين الجنسين على صلة بزيادة إنتاجية الشركات، مقاسة بالقيمة السوقية والإيرادات، فقط في السياقات التي يُنظر فيها إلى التنوع بين الجنسين في العمل على أنه هو مقبول "معيارياً" أو على أنه قاعدة طبيعية. ونقصد بالقبول المعياري أن الثقافة السائدة في الشركة تؤمن بأهمية التوازن بين النساء والرجال في بيئة العمل.

بعبارة أخرى، تولّد المعتقدات المتعلقة بالتنوع بين الجنسين دورة كاملة تعيد إنتاج ذاتها. والبلدان والقطاعات التي تولي أهمية إلى التنوع بين الجنسين تجني منه فائدة. أما تلك التي لا تفعل، فلا تحصل على تلك الفائدة.

وجدنا على سبيل المثال أن النسبة المئوية للنساء في شركات الاتصالات في أوروبا الغربية، التي شجعت تاريخياً التنوع وتوظيف النساء، كانت مرتبطة بشكل كبير بالقيمة السوقية للشركة. وعلى وجه التحديد، فإن زيادة بنسبة 10% في مؤشر "بلاو" للتنوع بين الجنسين (Blau’s gender diversity index) ترتبط بزيادة بنسبة 7% تقريباً في القيمة السوقية. ولكن، في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط الذي لم يكن جاذباً للنساء تاريخياً، لم يكن التنوع داخل الشركة مرتبطاً بأدائها.

من المثير للاهتمام أننا رأينا التأثيرات الإيجابية للتنوع في المجتمعات التي تتقبل طبيعياً عمل النساء، ولكن ليس في المجتمعات التي تدعم قوانينها فقط عمل النساء. على الرغم من أن الدعم القانوني للمرأة العاملة يرتبط بالقبول المعياري، إلا أنهما ليسا الشيء نفسه. بعض الدول تؤيد ثقافتها بقوة عمل المرأة ، لكن لدها القليل من الأنظمة الداعمة لذلك. غيرها لديها أنظمة وقوانين، لكن ثقافتها ذكورية إلى حد كبير.

خذ على سبيل المثال اليابان وهي من الدول الأكثر سخاء في سياسات منح إجازات للوالدين وللرعاية المنزلية، ولكنها تعاني كذلك من هيمنة الثقافة الأبوية على العمل. لذا، وجدنا أن دولاً مثل اليابان لا تستفيد بقدر كبير من التنوع بين الجنسين في العمل مقارنة بشركات في أماكن مثل أوروبا الغربية التي يحظى عمل المرأة فيها بقبول ثقافي أوسع.

وكشفت مقارناتنا الدولية عن الأهمية المذهلة لمعايير التنوع في كل بلد، مثل المواقف المتصلة بالأدوار الاجتماعية المحددة لكل من الجنسين. تشير البيانات إلى أنه من أجل نجاح  التنوع بين الجنسين في مكان العمل، يجب أن تكون لدى العاملين قناعة بقيمة التنوع، وليس مجرد أن تُتلى على مسامعهم بعض القواعد المتصلة بها. يخلق التنوع منافع إيجابية عندما يؤمن الناس بقيمته الجوهرية. لا يمكن أن يروا التنوع وإشراك المرأة في العمل على أنه مجرد واجب.

نعتقد أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء الأهمية الكبيرة للآراء حول قيمة التنوع قياساً إلى القيمة الفعلية التي يجلبها. وقد يكون فيها عبرة للمدراء الراغبين في جني فائدة من وراء التنوع بين الجنسين.

التنوع مؤشر إلى بيئة عمل جاذبة للمواهب

في العديد من الدراسات، أظهرت الأبحاث أن الموظفين في مناطق محبذة للتنوع مثل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية، يفضلون بيئات العمل المتنوعة. في استبيان شمل 1,000 شخص، وجد موقع التوظيف "غلاسدور" (Glassdoor) أن 67% من الباحثين عن عمل يأخذون التنوع بشكل عام في الاعتبار لدى تقييم العرض. وتولي أهم المرشحات على وجه الخصوص أهمية لبيئة العمل المتنوعة. ووجد استبيان حديث أن 61% من النساء يعاين التنوع في فريق إدارة الشركة لدى اختيار مكان العمل. والخلاصة أن الأكثر موهبة يذهبون إلى بيئة العمل التي تؤثر ثقافة التنوع، وقد يكون هذا هو ما يدفع الشركات المتنوعة في سياقات معينة للتفوّق على نظيراتها.

قد يجادل من يخالفون هذا الرأي بأن العلاقة السببية قد تذهب في الاتجاه المعاكس: فمن الممكن أن الشركات ذات الأداء العالي اجتذبت ببساطة مجموعة واسعة من المواهب. مع ذلك، أجرينا عدداً من عمليات التحقق ساعدت على استبعاد السببية العكسية.

في إحدى هذه المعاينات، تتبعنا التغيرات في الأداء بعد أن وظفت شركة مزيداً من النساء ضمن فريقها. من خلال تتبع أنماط التوظيف والأداء عبر الوقت لدى الشركات التي قمنا بقياسها، كنا أقدر على فصل السبب والنتيجة بين هذين المتغيّرين. ونظراً لأن الأداء تبع التوظيف، وليس العكس، فقد دعمنا نتائجنا بأن التنوع أدى إلى عوائد مالية أفضل.

باختصار، لم نجد دليلاً على أن الأداء القوي أدى إلى التنوع. بدلاً من ذلك، وجدنا أن التنوع كان محركاً لنجاح هذه الشركات.

عندما تقدر التنوع، فأنت تشجع تبادل الأفكار المتنوعة

لقد أظهرت أبحاث مهمة أن الفرق المتنوعة يمكنها تطوير أفكار أكثر ابتكاراً. عندما يعمل أناس من خلفيات متعددة معاً، غالباً ما تسهم الرؤية الفريدة لكل منهم في زيادة الإبداع.

على سبيل المثال، أظهرت أبحاث أجرتها شركات "هيولت" و"مارشال" و"شربين" أن القادة الذين يأتون من خلفيات مختلفة ولديهم خبرات متنوعة ساعدوا الشركات على تحقيق مزيد من الابتكار. وكان الأرجح أن يخلق القادة أصحاب الرؤى المتنوعة بيئة ترعى الأفكار الجديدة والمبتكرة. ووجدوا أن الاحتمال أكبر بأن تجري الفرق المتنوعة تجارب مشتركة مع المستخدم النهائي للمنتج. وبفضل هذه الميزة، خلقت الفرق منتجات أفضل.

لكن التنوع لا ينجح بمعزل عن الأمان النفسي. ساهم الناس فقط بأفكار فريدة للمجموعة عندما شعروا بالراحة بما فيه الكفاية للتحدث وعرض وجهة نظر مختلفة وحتى معارضة. وتدعم الدراسات التجريبية هذا الأمر، ما يدل على أن الأمان النفسي أساسي لتوليد الأفكار.

تتفق هذه الاستنتاجات مع نتائجنا. عندما لا تقدّر البلدان والقطاعات التجارية والصناعية المرأة وتعاملها على قدم المساواة مع الرجل، من المرجح أن النساء العاملات في تلك الدول لا يشعرن بالأمان النفسي للتعبير عن رأيهن داخل شركتهن. وعلى الرغم من أن هؤلاء النساء قد تكون لديهن أفكار مبتكرة، فقد يترددن في طرحها على الطاولة. ومثل هذا الأمر يسبب الخسارة للجميع.

التنوع مؤشر إلى كفاءة الإدارة بالنسبة للمستثمرين

يمكن للتنوع بين الجنسين أن يوجه أيضاً إشارة إلى المستثمرين بأن الفريق الذي يدير الشركة يتمتع بالكفاءة المطلوبة. تشير البحوث الاجتماعية حول تقييم السوق إلى أن المستثمرين يقدّرون اتباع الشركات "أفضل الممارسات" المقبولة بشكل عام، مثل الاستعانة بفريق عمل متنوع، ويعاقبون تلك التي تخالف هذه المعايير.

عندما يكون المستثمر في بيئة تتقبل التنوع بين الجنسين، فمن المرجح أن يقدّر هذه الشركات المتنوعة بشكل كبير. وبالفعل،  أظهرت أبحاث سابقة قفزة في أسعار الأسهم بعد فوز شركات بجائزة تتعلق بمبادرات التنوع.

تذهب النتائج التي توصلنا إليها أبعد من الأبحاث السابقة التي حللت الاختلافات بين المستثمرين الذين قدموا المكافآت للشركات التي عينت نساء أعضاء في مجالس إدارتها وأولئك الذين لم يفعلوا ذلك. لقد كان من قدروا تعيين نساء أعضاء في مجالس الإدارة في أكثر الأحيان جزءاً من صناديق المعاشات التقاعدية، وهو قطاع لديه ميل شديد إلى تقدير التنوع بين الجنسين وأشكال التنوع الأخرى. أولئك الذين لم يقدروا ذلك كانوا في الغالب جزءاً من قطاعات أقدم وذات ثقافة أقل انفتاحاً.

باختصار، العلاقة بين التنوع وأداء الشركة ليست بتلك البساطة والوضوح كما كنا نعتقد في السابق. مثل العديد من المسائل المتصلة بالأعمال التجارية، يعتمد تأثير التنوع على السياق، وخصوصاً على المعايير الخاصة بكل بلد وقطاع حول التنوع ودمج النساء في بيئة العمل.

ومع ذلك، نعتقد، أنه مفيد لجميع الشركات تقريباً أن تستثمر في تحسين التنوع بين الجنسين. وبمعظم المقاييس، أصبح مجتمع الأعمال العالمي أكثر دعماً للمرأة وأهمية المرأة في الاقتصاد. وهذا يؤدي إلى حلقة تقييم إيجابية؛ فالشركات التي تدعم التنوع ستكون سباقة في تحقيق الفائدة المرجوة، مما يحقق لها التفوق على منافسيها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!