تابعنا على لينكد إن

الجميع في وادي السيليكون منخرطون في المراهنات. مؤسسو الشركات يراهنون بسنوات من أعمارهم في سبيل إيجاد منتجات تناسب السوق، والمستثمرون يراهنون بالمليارات في القيمة المستقبلية لشركات ناشئة طموحة، والتنفيذيون يراهنون بأن استراتيجياتهم سوف تحسّن الآفاق المستقبلية لشركة ما. وفي هذه الحالات، توقع المستقبل ليس قوة خارقة ذات إطار نظري بل هو جزء أصيل من العمل.

لكن النهج الذي نتبعه في التنبؤ بالمستقبل يبدو عالقاً في الماضي، لأن معظم توقعات الشركات تُخفق في توفير نتائج قابلة للقياس، وليست موثّقة ما يجعل من الصعب معرفة إذا كان أداؤنا في التنبؤ بالمستقبل يتحسّن أم لا.

ولحسن الحظ، تشير الأبحاث التي أجراها عالم النفس المؤسساتي فيليب تيتلوك المؤلف والمشارك في كتاب “التوقع الخارق” (Superforecasting) إلى أنّ هناك بديلاً. فبعد دراسته لمسابقات التنبؤات التي يتوقع فيها خبراء مجهولو الهوية وقوع أحداث في المستقبل، وجد تيتلوك أنّ بعض المتنبئين لديهم القدرة على توقع الأحداث المستقبلية أفضل من غيرهم. وفي ذات الوقت ليس لدى “أصحاب التوقعات الخارقة” هؤلاء موهبة فطرية، كل ما في الأمر أنهم يتسّمون  بما يسميه تيتلوك “عقلية النمو” أو رغبة الإنسان في التعلم من أخطاء الماضي وتحديث نظرياته السابقة. أي أنّ قدرتنا على توقع المستقبل ليست سوى مهارة يمكن تحسينها بالممارسة كغيرها من المهارات.

وضمن شركة “تويتش” (Twitch) التابعة لشركة أمازون شهدنا على النتائج الواعدة لهذا البحث. فإن كان بإمكان الفرد اكتساب أفضلية في التنبؤ، إذن، بإمكان الشركات فعل ذلك أيضاً. لذلك أنشأنا برنامجاً يدرب جميع موظفي الشركة على تحسين قدرتهم في توقع المستقبل بغض النظر عن خلفيتهم أو منصبهم الوظيفي أو مجال تخصصهم.

حيث يمرّن موظفو شركة “تويتش” مهاراتهم في التنبؤ بقياسها مقابل بيانات سابقة حقيقية. إذ كنا نشجع موظفي شركتنا على إعطاء توقعاتهم بسرعة، ومن ثمّ نمرر لهم ملاحظات فورية لجعل توقعاتهم أكثر دقة. كان هدفنا الاستفادة من التنبؤ في اتخاذ القرارات “عالية الجودة وفائقة السرعة” التي دعا إليها رئيس شركة أمازون جيف بيزوس في خطابه الموجه إلى حملة الأسهم عام 2017. وعليه، يمكن القول أنّ التنبؤ يجعلنا أكثر استعداداً لخدمة ملايين المستخدمين لمنصتنا يومياً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تفوقنا ضد المنافسين.

ولقد تعلمنا الكثير من تجاربنا في شركة “تويتش”، واكتشفنا مجموعة من أفضل الممارسات التي تُمكّن المؤسسات من تنفيذ برامجها التدريبية الخاصة بالتنبؤ ونشر ثقافته داخل المؤسسة، وبالطبع تحسين القدرة على توقع المستقبل.

قوس التنبؤ في “تويتش

توفر التوقعات العددية مجموعة كبيرة من المزايا لمؤسسات الابتكار الكبيرة كشركة “تويتش”، بفضل ما تتميز به من الدقة والإيجاز وسهولة التعميم على مختلف الفرق. فاستخدام الاحتمالات الرياضية في التنبؤ يُجبر الموظفين على تحديد مقدار عدم اليقين في توقعاتهم حيال الأحداث المستقبلية. كما يمكن استخدامها أيضاً بتجميع توقعات متعددة تتعلق بنفس الحدث المستقبلي ومن ثمَّ تحديد متوسط حسابي لتلك التوقعات، ما يساعد مدراء الشركات على فهم ما يدور في أذهان كافة فرق أو أقسام الشركة. بهذا تعمل هذه التنبؤات العددية على زيادة وضوح القرارات وتحفيز الموظفين ومساعدة الفرق على التعبير عن مخاوف أفرادها.

وعندما رأيت قوته في أحد المشاريع التي أدرتها، زاد إيماني بإمكانات التنبؤ. إذ تُعتبر “تويتش” عبارة عن منصة لبث ألعاب الفيديو، وكان لدينا منتج اسمه “وضع الضيف” (host mode) يعطي الشخص الذي يبث لعبة الفيديو القدرة على استضافة بث مباشر لقناة أُخرى على محطته الخاصة. وكنت أريد تحسين برنامج وضع الضيف عن طريق تسهيل عملية إنشاء قائمة القنوات وإدارتها، وذلك من أجل استضافة البث المباشر لقناة أخرى تلقائياً في حال عدم الاتصال بشبكة الإنترنت. وكانت لدي الفكرة الجيدة للقيام بذلك، لكن لم تكن لدي صلاحيات مباشرة لإعطائها الأولوية. فمعظم الأشخاص لا يحصلون على الموافقة أو الدعم الذي يحتاجونه في هذه المرحلة، لذلك قررت اللجوء للتنبؤ:

“لو أنشأنا الاستضافة التلقائية فأنا واثق بنسبة 70% بأن 15% من شركائنا سوف يستخدمون هذه الميزة في غضون 8 أسابيع”.

بعد ذلك عملت على جمع الأدلة الداعمة لجعل التنبؤ أكثر إقناعاً. إذ أجرينا دراسة حول الاستضافة التلقائية وكانت النتائج إيجابية للغاية، فقد زادت معدلات مشاهدة نصف المشاركين تقريباً بنسبة 10%. وجدير بالذكر أنّ البرنامج الذي قمنا بإنشائه كان بسيطاً ورخيصاً للغاية. بدوره أجرى كبير المهندسين في الشركة “جيكسوان وانغ” تنبؤاته الخاصة. حيث كان واثقاً بنسبة 70% من قدرته على إنشاء البرنامج في غضون ثمانية أسابيع. وبفضل هذين التوقعين حول قيمة البرنامج وتكلفته تمكنت من إقناع الأطراف المعنية التي كنا بحاجة لإقناعها.

ثم تم تخصيص فريق للعمل من أجل تطوير برنامج الاستضافة التلقائية، وطلبت من الجميع تقديم توقعاتهم للتأكد من موافقتهم. وكان مهندس المشروع واثقاً بنسبة 75% من أننا سنحقق الهدف بينما كان مدير الشراكات واثقاً من النجاح بنسبة 70%. أما مرشدي الخاص فكان أكثر حذراً ولم تتعدّ نسبة ثقته 50%، لكن عدا عن ذلك كنا جميعاً مؤمنين بنجاح المشروع. وعندما جاء دور اتخاذ القرارات الكبيرة استخدمنا التوقعات الموجودة لدينا كنقطة انطلاق لبدء النقاشات. على سبيل المثال طرحنا السؤال التالي: هل يتعين علينا السعي لإطلاق البرنامج الجديد خلال مؤتمر “تويتش” (TwitchCon)؟ بدا لنا المؤتمر فرصة مثالية فهو يتيح لشركائنا عقد اتفاقات للترويج المشترك، لكن المشكلة كانت وجود الكثير من المنتجات الأخرى التي ستُطرح خلال المؤتمر، وكنا نواجه خطر الضياع وسط الضجيج. كان مدير الشراكات ستيف لين واثقاً من أنّ إطلاق المنتج في مؤتمر “تويتش” سيزيد فرص نجاحنا بنسبة 10%، وبناء على هذا التوقع، وافق جميع أعضاء الفريق على إطلاق المنتج خلال المؤتمر، وبفضل تنبؤاتنا أصبح الفريق منسجماً تماماً.

وتُعتبر اليوم ميزة الاستضافة التلقائية ناجحة بامتياز، ويستخدمها أكثر من نصف شركائنا، كما حققت القنوات التي تنجح في جذب 10 قنوات أُخرى إلى ميزة الاستضافة التلقائية نمواً بنسبة 10% بشكل وسطي.

وفي الوقت ذاته كنت أعمل على مساعدة قيادات أُخرى في الشركة على التنبؤ. لكن انتشار ثقافة التنبؤ داخل شركة “تويتش” كان محدوداً بقدرتي على تقديم الدعم والتدريب والترويج لها. أما اليوم، يسمح البرنامج التدريبي الذي طورناه بالشركة في التغلب على هذا العائق وتوسيع نطاق ثقافة التنبؤ لتشمل مختلف أقسام الشركة.

كما وسّعنا التدريب ليشمل مدراء المنتجات والمهندسين والمدراء التنفيذيين والباحثين والمصممين ومطوري الأعمال، وبالرغم من أنّ مفهوم التنبؤ العددي ليس مألوفاً، إلا أنّ التدريب الذي نقدمه يسهّل العملية ويجعل التنبؤ مريحاً للجميع.

حيث بدأنا أولاً بتدريب الموظفين على محاولة تقدير مؤشرات سابقة “لتويتش”. ما يساعد الموظفين على فهم أعمال الشركة، والتأقلم مع فكرة التقدير. ومن الأمثلة التي نطرحها:

_ كم بلغ متوسط عدد المشاهدات المتزامنة التي حققتها “تويتش” العام الماضي؟

_ كم زادت نسبة المشاهدة السنوية في 2016 عن العام السابق؟

_ ما نسبة المشاهدات التي تأتي من الهواتف الجوالة؟

وعوضاً عن تقديم رقم محدد كإجابة على هذه الأسئلة، نطلب من الموظفين تعيين نطاق ثقة بنسبة 80%، أي نطاق يعتقدون أنه يتضمن الإجابة الصحيحة بنسبة 80%. بعبارة أُخرى لو سألتك عن نطاق الثقة ذي النسبة 80% الخاص بك في خمسة أسئلة مختلفة، سوف تكون الإجابة الصحيحة داخل نطاق الثقة الخاص بك أربع مرات من أصل خمس مرات. إن وجدت الإجابة الصحيحة داخل نطاق ثقتك أقل من أربع مرات، تكون ثقتك مفرطة. أما إذا وجدت الإجابة الصحيحة داخل نطاق ثقتك في جميع المرات الخمس، فأنت متحفظ للغاية وتختار نطاقات ثقة واسعة جداً.

وفي النص التالي يشرح تيتلوك بنفسه “اختبارات الثقة” في مقال نُشر في مجلة “هارفارد بزنس ريفيو” العام الماضي:

“يُطلب من المشاركين تقديم تقديراتهم حول أسئلة عامة مثل “كم كان عمر مارتن لوثر كينغ جونيور عند مماته؟” أو أسئلة خاصة بالشركة مثل “كم دفعت شركتنا ضرائب فيدرالية العام الماضي؟”. إنّ مهمة المتنبئ تقديم أفضل تقدير ممكن على شكل نطاق ومن ثمَّ منحه درجة من الثقة. على سبيل المثال “يتنبأ الشخص بنسبة ثقة تبلغ 90% أن عمر الدكتور كينغ كان يتراوح بين 40 و 55 عاماً عند اغتياله (في الواقع كان عمره 39 عاماً)”. ليس الهدف هنا قياس معارف المشارك في موضوع معين بل تحديد مدى معرفته بالأمور التي لا يعرفها. وعن هذا يقول ويل روجرز رايلي: “ليس ما لا نعرفه سبب وقوعنا في المشاكل، بل ما نعرف ليس بصحيح”. بشكل عام يكتشف المشاركون أنّ أكثر من نصف نطاقات توقعاتهم التي يمنحونها نسبة ثقة 90% لا تتضمن الإجابة الصحيحة.

إليك مثالاً آخر يمكنك تجربته: ما هو نطاق ثقتك ذي نسبة 80% حول نمو إيرادات شركة أمازون لخدمات الإنترنت عام 2016؟ لمعرفة الإجابة والاطلاع على أمثلة إضافية، بإمكانك مراجعة التدريب المتاح للجميع الذي أعددته ليكون نظرة عامة على وادي السيليكون.

وبعد عدة جولات من الأسئلة، يقوم الأشخاص بتعديل نطاقات ثقتهم لتتطابق مع مستويات عدم اليقين لديهم. إذ برهن خبير إدارة المخاطر دوغلاس هوبارد أحد رواد علم اتخاذ القرارات أن عملية معايرة تقييم الاحتمالات تستغرق الإجابة على سبعين سؤال قبل الوصول إلى وضع تتماشى فيه تقديرات النجاح مع نسب حدوثها الفعلي، وهو الوضع الذي إن قدّر فيه المشاركون أنهم واثقون بنسبة 90% فالأمر سيحدث فعلاً في 90% من المرات.

ونقوم بتقديم الإجابات الصحيحة على الفور بعد أن نطلب من الموظفين إجراء هذه التقديرات، لكي يساعدهم التفاعل الفوري على معايرة تقديراتهم، لذلك يتعلم موظفونا بسرعة إذا كانت ثقتهم في تقديراتهم مفرطة أم لا.

وكلما كانت عملية المعايرة أفضل، تُصبح تقديرات الموظف أكثر ارتكازاً على الواقع وتتلاشى عموماً مقاومته للتفكير الإحصائي والتنبؤ. وبالفعل قال 96% من الموظفين المشاركين في هذا التدريب أنهم سينصحون زملاءهم بالمشاركة فيه. ونحن نعتقد أنّ التدريب حقق نجاحاً كبيراً، لأن فهم هذه الأرقام الأساسية بشكل أفضل يفيد عند تقييم الأفكار والتعامل مع مسألة التنازع على الموارد وتحديد التوقعات.

وحالما قام موظفو “تويتش” بمعايرة تنبؤاتهم عبر التمرّن على بعض مؤشرات أداء الشركة، طلبنا منهم تقديم تنبؤات يكون لها تأثير على عملهم. ولتسهيل الأمر طلبنا منهم توقع كم ستصل تكلفة إنجاز مشروع جديد من حيث الوقت والمال. وفي تقرير مجموعة (Standish Group) لاستشارات الأبحاث الصادر في عام 2116، تبين أنّ 16% فقط من مشاريع البرمجيات تُنجز وفقاً للإطار الزمني والميزانية الأصلية، ومن هنا فإنّ هذا النوع من التدريب الذي يستهدف تحسين قدرة الموظفين على تقدير مواعيد إنجاز المشاريع والموارد اللازمة يساعد شركتنا في البقاء على المسار الصحيح.

وإليكم محادثة حقيقية جرت بين مدير في شركة “تويتش” وأحد الموظفين تتجلى فيها طريقة استخدامنا لعملية التنبؤ:

_ الموظف: سوف أكمل المشروع “س” خلال هذا الربع من السنة.

_ المدير: كم ستتفاجأ لو لم يكتمل المشروع بنهاية ربع السنة؟

_ الموظف: في حقيقة الأمر لن أتفاجأ كثيراً، فالمشروع على رأس أولوياتي، والمشاريع المماثلة للمشروع “س” استغرقت شهراً كاملاً في الماضي.

_ المدير: إذاً فمن غير المحتمل أن لا يتم إنجاز المشروع خلال هذا الربع من السنة. ما الموعد الذي تثق بنسبة 80% بأن المشروع سيكتمل فيه؟

_ الموظف: أثق بنسبة 80% بأنني سأنجزه مع نهاية يونيو/حزيران.

_ المدير: هذا يبدو جيداً. أبلغني إذا طرأ تغيير.

هذا النهج يغير طريقة تفكيرك بعملك. حيث كلما أخبرت شخصاً بأنني سأقوم بإنجاز عمل ما، أعود وأسأل نفسي: هل أنا واثق بنسبة 80% على الأقل من أنني سأقوم به فعلاً؟ إن كانت الإجابة نعم، أباشر به. أما إذا كانت لا، فأعدّل التوقعات على الفور وأقول شيئاً من قبيل: “أنا آسف لكنني سأحتاج في الواقع لثلاثة أسابيع كي أنجز لك ذلك، بدلاً من أسبوع واحد”.

تحديات التنبؤ

إدماج التنبؤ في شركة “تويتش” عملية تكرارية وتحسينية. بالرغم من النتائج الواعدة التي يبشّر بها التنبؤ وردود الفعل المتحمسة التي لمسناها لدى موظفي شركتنا، إلا أننا واجهنا ثلاث مشاكل رئيسية أثناء تطبيق تدريب التنبؤ:

1. التشكيك بنجاح التنبؤ والاعتقاد بأنه لا يمكن أن يكون دقيق.

2. خوف الموظفين من عدم امتلاكهم القدرة الكافية على التنبؤ أو من احتمال إساءة تفسير توقعاتهم من قبل مدرائهم أو زملائهم واستخدامها ضدهم.

3. الاعتقاد بعدم وجود أدلة كافية للقيام بالتنبؤ.

وبعد النجاح الذي شهده تدريب التنبؤ لأكثر من 200 موظف في شركتنا، قمنا بصياغة حزمة إرشادات تضم أفضل الممارسات بهدف ضمان إطلاق النسخ القادمة من التدريب بسهولة أكبر.

وفي كل مرة تحدثتُ بها مع أحد عن التنبؤ، أطرح السؤال التالي: “هل توافق معي أنه من المفيد حقاً أن تصبح توقعاتنا حول تأثير عملك والوقت الذي يستغرقه أفضل بنسبة  20إلى 30%؟ وإلى الآن لم أجد أحداً يخالفني الرأي.

عند طرح ذلك السؤال أقوم بدعمه بدليل يثبت إمكانية تحقيق هذه التحسينات. إذ وجد فيليب تيتلوك خلال تجربة مراقبة استُخدمت فيها عينة عشوائية أنه يمكن تحسين قدرة المشاركين في التجربة على التوقع بنسبة تزيد على 14% في غضون ساعة واحدة بعد قراءة تعليماته.

هذا الأمر وحده كاف لتحفيز الشخص على القيام بتدريب المعايرة الذي أعددته والذي يستغرق ساعة من الزمن، أما الباقي فيتكفل به التدريب. وبعد أن قدم هوبارد هذا التدريب لأكثر من 1000 شخص ضمن مختلف الشركات وفي شتى القطاعات، توصل إلى الملاحظات التالية:

“يبدو أن عملية المعايرة تعمل على إزالة الكثير من الاعتراضات المناهضة لاعتماد أسلوب التحليل القائم على الاحتمالات في عملية اتخاذ القرارات. إذ يشعر الناس قبل الخضوع لتدريب المعايرة أنّ التقديرات الذاتية للأمور عديمة الجدوى، ويعتقد هؤلاء الأشخاص أنّ الطريقة الوحيدة لتحديد “نطاق الثقة” هي القيام بالعمليات الرياضية التي بالكاد يتذكرونها والتي درسوها في مادة علم الإحصاء خلال الفصل الأول في الجامعة. كما يُحتمل أيضاً أن تساورهم الريبة والشك تجاه التحليل القائم على نظرية الاحتمالات بشكل عام لأن جميع الاحتمالات تبدو عشوائية بالنسبة لهم. لكنني نادراً ما وجدتهم يقدمون اعتراضات كهذه بعد خضوعهم لتدريب المعايرة”.

كان هناك تخوف لدى بعض موظفي “تويتش” من أنّ تدريب التنبؤ يكشف لزملائهم عدم تحلّيهم ببعد النظر، فيما ظن آخرون أنّ الإدارة تُسيء استخدام توقعاتهم. في هذه الحالة نبيّن بكل صراحة أنّ التنبؤات ليست سوى أداة لاتخاذ قرارات جيدة وترك بصمة أكبر، ونوضح أنّ صواب التوقعات ليس المعيار الأساسي لتقييم أداء أي فريق هنا.

وتبقى هوية المشاركين في تدريب المعايرة مجهولة لأننا لا نرغب في إحراجهم جرّاء ما يقدمونه من توقعات قبل معايرتها. لكن هذه السرية لا يمكن الاعتماد عليها في المشاريع الحقيقية لأن أهم التنبؤات تأتي من أكثر الأشخاص قرباً من المشروع لامتلاكهم أفضل المعلومات.

ونسعى جاهدين لبناء ثقافة تحثّ على ضمان “السلامة النفسية” التي تُعرّف بأنها “شعور بالثقة بأن الفريق لن ينبذ أو يعاقب شخصاً ما بسبب إبداء الرأي”. كما توصلت شركة “جوجل” إلى أنّ السلامة النفسية أهم مؤشر على مدى نجاح الفرق، بينما وجدت البروفيسورة إيمي إدمونسون في كلية هارفادر للأعمال أنّ السلامة مطلب ضروري لتعلم الفريق. بناءً على ذلك، ندرب قيادات الشركة على تقديم أولى توقعاتهم وشرح أسبابها ثم نطالبهم بالحصول على توقعات من أعضاء فرقهم.

ويُعتبر الاعتراض الأخير الذي سمعته من الموظفين يدل على عدم وجود ما يكفي من الأدلة لتقديم تنبؤات جيدة، لكننا في “تويتش” نؤمن أنه في حال وجود أدلة كافية على المضي قدماً في تنفيذ خطة ما، فلا بد أن تكون هناك أيضاً أدلة كافية للتنبؤ بنجاحها. وبالطبع، لا داعي لأن تكون جميع التنبؤات دقيقة وذات طابع رسمي. فنحن نشجع الموظفين على مراجعة الأدلة الموجودة بحوزتهم وتقديم أفضل تنبؤات ممكنة، وذلك بالجمع بين معطيات البيانات ومعطيات حدسهم، فالقدرة على اعتماد الحدس أمر أساسي في اتخاذ قرارات سريعة، كما أنّ التقدير الكمي لذلك الحدس في صيغة تنبؤ يساعدنا في البقاء مسؤولين عن أعمالنا.

أخيراً، تذكر أنه جميعنا نراهن على المستقبل بطريقة أو بأُخرى، سواء كنا نسميها مراهنة أو أي تسمية. نحن نختار مساراتنا المهنية بناء على تصوراتنا بشأن آفاق النجاح فيها، ونلتزم بتنفيذ المشاريع على ضوء ما نعتقد أننا قادرون على إنجازه، ونعيّن الموظفين بناء على توقعاتنا بشأن أدائهم المستقبلي. إنّ التنبؤ في حياتنا وأعمالنا ليس خياراً نأخذ به أو نتركه، الخيار هو المحاولة ثم تقديم تنبؤات أفضل. إذ باستطاعة الأفراد تحسين قدرتهم على التنبؤ، تماماً كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz