في جعبة كل مسؤول تنفيذي نوعان من قصص الاستثمار؛ النوع الأول يتطرق إلى كيف أنه قلل من شأن فرصة جاءته ما تسبب في تفويته أمراً كان ليكون رائعاً لو حدث، كما في حالة تفويت بلوك باستر شراء نتفليكس في بداياتها. أما النوع الثاني فهو المبالغة في تقدير فرصة ما، كما رأينا في حالة شراء إيدي لامبرت سلسلة متاجر سيرز مقابل 11 مليار دولار ليدرك بعد عقد من الزمان أنها باتت على شفير الإفلاس.

قد يعتقد المرء أنه لا بد وأننا بتنا أفضل حالاً في تحليلاتنا المتصلة بتقدير "حجم المكسب" الذي سنجنيه، إلا أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن ذلك. فعلى سبيل المثال، لجأت شركة استثمار إلى شركة استشارية معروفة لمعرفة حجم المكسب الخاص بشركة من الشركات التابعة لها. وخلصت شركة الاستشارات إلى أن الشركة الفرعية تلك وصلت بالفعل إلى نصف إجمالي الفرص المتوفرة في السوق. إلا أن تلك الشركة الفرعية حققت لاحقاً انطلاقة كبيرة لتتطور ويتضاعف حجمها في غضون عام من دون أي علامة على التباطؤ، ما حذا بشركة الاستثمار لطلب رأي ثان. وعبر استطلاع وجهة نظر المستهلكين ذوي الولاء المرتفع للشركة، وهم المستهلكون الشغوفون بالشركة ويجلبون الأرباح لها ويتابعونها عن قرب، كان من الواضح أن تلك الشركة كانت تخلق فئة جديدة في السوق، لا مجرد منتج جديد فحسب. وأظهر هذا أن تلك الشركة الفرعية مستحوذة فقط على جزء صغير من هذه السوق الناشئة، في حين أدركت شركة الاستثمار أن لديها شركة ذات قيمة أكثر بكثير مما تتخيل.

ثمة بعض الأخطاء الشائعة والتي تؤدي إلى المبالغة في تقدير المكسب أو التخفيف منه. الخطأ الأول هو التحيز الضمني، والذي يأتي مع الخبير الذي يقوم عادة بالتقييم، أما الخطأ الثاني والخطأ الثالث فهما "الإغفال" والمرتبطان بالنظر إلى موضوع التقييم ذاك على أنه تمرين حسابي نظري بحت، إذ يجب هنا النظر أيضاً لشغف المستهلك، حيث سيؤدي إغفال ذلك إلى تقدير مكسب أقل من الحقيقي. كما أن عليك في الوقت نفسه النظر في جانب التطبيق العملي (على سبيل المثال، كيف ستقوم بتقدير حجم المكسب)، وإلا سيكون تقديرك للمكسب أعلى مما هو عليه.

ويؤدي استخدام النهج التقليدي في تقييم حجم المكسب في العادة إلى حصول الخطأ الأول المتمثل بالتحيز الضمني، إذ يعمل ذاك النهج على إيجاد "مثال المقارنة" للقياس. ويحب المصرفيون العاملون في مجال الاستثمار طريقة مثال المقارنة هذه نظراً لكونها توفر طريقة سريعة للنظر إلى الأرباح المحتملة للإجراءات قيد الدراسة. ويشبه هذا الإجراء ما يقوم الوكيل العقاري خلال محاولته تخمين قيمة منزلك قبل بيعه عبر مقارنته مع باقي منازل الحي. ولكن ما الذي يحدث عندما تكون تلك المنازل مساكن صغيرة الحجم، في حين عقارك مسكن فاخر كبير الحجم؟ ويحدث هذا بشكل أكبر مما ندركه عند تقييم الأنشطة التجارية، وتزداد المشكلة هنا بشكل خاص عندما تكون الشركة التي يجري تقييمها تقدم مجالاً ثورياً بالفعل، الأمر الذي يؤدي إلى عدم وجود يقين فيما يتعلق بمجال عملها لدى مقارنته مع فئات الأعمال المتعددة التقليدية.  

كما يحدث التحيز الضمني أيضاً بين الرؤساء التنفيذيين، إذ قد ينتاب البعض المخاوف عند رؤيته لفرصة محتملة، ليس فقط بسبب فشل أغلب عمليات الاستحواذ في تحقيق العوائد، ولكن أيضاً لأن عليهم تقديم النتائج التي وعدوا بها وتنفيذها. وهناك مدراء آخرين بالغوا في تقدير الاتجاه الصاعد لفئة جديدة بسبب محاولتهم تحقيق نمو أو بهدف إنشاء إرث يحمل اسمهم، الأمر الذي يفسر سبب قيام جيف إيملت بالاستحواذ على ألستوم التي تعاني من اضطرابات.

أما فيما يتعلق بالخطأ الثاني، عادة ما يتسبب عدم فهم شغف المستهلك في تقديم تخمين أقل واقعية لحجم المكسب.

ولننظر إلى المثال التالي: كانت روجاين لتغدو مشروعاً تجارياً أكبر بكثير لو تم إطلاقها كوسيلة لمنع تساقط الشعر لدى النساء بدل إطلاقها كعلاج لتساقط الشعر عند الذكور. وتؤكد صحة هذه الفكرة ثلاثة أمور: أولها، تمتلك النساء في العادة شغف مستهلك أكبر حيال شعرهن، كما أنهن أكثر قابلية لاتباع التعليمات بشكل منضبط في نظام العلاج اليومي، وأيضاً يمثل فقدان الشعر لهن صدمة عاطفية أكبر مما يحصل لدى الرجال.

وهناك مثال آخر وهو بيدياليت، وهو منتج لمعالجة الجفاف لدى الرضع، إذ أدركت الشركة المنتجة له مؤخراً فقط حقيقة استخدام البالغين له كمسكن ألم لأوجاع الرأس الناتجة عن الثمل. تم إطلاق بيدياليت في عام 1966 للأطفال، لكن استخدمه الكبار طوال عقود .وقد بدأت الشركة مؤخراً فقط في تسويقه للبالغين وإدراج ذلك بشكل صحيح في تقديراتها لحجم سوقها.

أما الطريقة الأخرى التي يتم فيها التعامل مع شغف المستهلك بشكل خاطئ فتتمثل في التعامل مع كل شيء من خلال منهج "حل المشكلات"، وهو نهج عقلاني للغاية، ولكنه لا يدرس الأمور القادمة من العاطفة والشغف. فلننظر إلى إنسومنيسولف، وهو منتج للنوم قابل للارتداء قدمته شركة ناشئة وتمت البرهنة سريرياً على مساعدته المستهلكين على النوم بشكل أسرع بنسبة 40% والبقاء نائمين لفترة أطول بنسبة 30%. لقد أدركت الشركة أن إجمالي سوقها الكلي كان ليكون أكبر بكثير لو غيّرت روايتها من نهج "حل المشكلة" (صرح 11% من المستهلكين الأميركيين أنهم غير راضيين تماماً عن نومهم) إلى نهج "تعزيز المنفعة" الأوسع (وافق 26% من المستهلكين بالكامل على حبهم للنوم ورغبتهم في نوم أعمق).

ولا يكمن الخطأ الثالث في التنفيذ العملي؛ بعبارة أخرى، ما عليك القيام به للوصول بنجاح إلى العدد المتوقع. إذا كنت لا تعرف كيف ستدرك حجم المكسب تقريباً، فمن المحتمل أنه غير حقيقي. فبدل التركيز فقط على الرقم النهائي، عليك إدراك أن تحليل المكسب يساعدك أيضاً على معرفة شكل "المنحنى السيني" الخاص بفئتك والنمو ودورة حياة هذه الفئة ومكان وجود فئتك عليه الآن. ويختلف كل منحنى سيني وآخر، إلا أنه يمر بنفس مراحل (أ) النمو البطيء المبكر، (ب) النمو الحاد (بشكل "عصا الهوكي") و(ج) النمو البطيء أو الانخفاض اللاحق. ويمثل الاستثمار المفرط الخطر الأكبر في المرحلة الأولى، حيث يتعين عليك أن تقدم المقدار المناسب من دون إفراط، وأيضاً خلال المرحلة الثالثة والتي لن يساعدك فيها أي قدر من التسويق على إثارة النمو في فئة ثابتة ومستمرة في الانحدار. وفي الوقت نفسه، يمثل ضعف الاستثمار أكبر خطر يمكن أن تتعرض له في المرحلة الثانية.

والفرصة الضائعة بشدة هنا تتمثل في عدم الاستفادة الكاملة من الكنز الموجود في البيانات والمنحنيات السينية التي تمتلكها الشركات بالفعل. وفي الحقيقة، فإنه لا توجد فئة بيانات واحدة ومنحنى سيني واحد، إنما في واقع المطاف العديد من فئات البيانات والعديد من المنحنيات السينية على مستوى السوق المحلي. وعليك هنا بالقيام بما نسميه التحليل "الجغرافي المعمق" والمتمثل في النظر إلى الأسواق المحلية ومعرفة أيها أفضل أداء وأيها الأسوأ وفقاً لنصيب الفرد. ويمكنك دراسة البيانات الخاصة بالمبيعات والشحن الخاصة بشركتك بحسب كل سوق محلي ثم تحويل ذلك إلى مقياس الفرد.

ولقد رأينا تبايناً شديداً بين في المنحنيات السينية على مستوى الأحياء أو المقاطعات، وهو أمر يصيب الرؤساء التنفيذيين في الفئات الذين لديهم اختراق سوق منخفض جداً على المستوى الوطني بالصدمة عندما يرون أن بعض الأسواق المحلية ذات معدلات مرتفعة جداً، في حين يشعر آخرون بالفزع عندما يرون أنه بينما يشهد النمو على المستوى الوطني زيادة إيجابية، تشهد الأسواق المحلية الرئيسة تراجعاً. ولعل هذا هو أقل قاعدة الحقائق استخداماً وأكثرها قوة لأن المنحنيات السينية ليست توقعات، بل هي واقع فعلي.

ويعتبر الإفراط في التخصص السبب الجذري لكل الأخطاء الثلاثة، فقد يملك أي خبير تحيزاً ضمنياً نوعاً ما، إلا أن لدى قليلين منهم الخبرة اللازمة في أكثر من تخصص. ولتحديد حجم المكسب بشكل صحيح، فإنك تحتاج إلى ثلاث عدسات – الأولى هي العدسة المجهرية (على سبيل المثال، شغف المستهلك والتنشيط والتحليل الجغرافي المعمق)، والثانية هي العدسة التلسكوبية (عرض الصناعة والخبرة الاستراتيجية واسعة)، في حين الثالثة هي عدسة المرآة (التحيز الضمني). ولتجنب التحيز الضمني، تحتاج إلى نطاق خبرة واسع يمتد على عدة مجالات وخبرات استراتيجية محتملة وذات الأرجحية. ولحل الخطأ الثاني، تحتاج إلى خبرة واسعة مع المستهلكين. ولحل الخطأ الثالث، تحتاج إلى خبرة في التنفيذ والتنشيط. إن لدى الاستشاريين والمصرفيين، الذين يقضون وقتاً طويلاً في إجراء تحليل المكسب، خبرة قليلة نسبياً مع المستهلكين أو التنفيذ، ويفسر هذا سبب خطأ الكثير من هذه التحليلات لاحقاً.

إن الأمر الأساسي هنا هو أن تكون على علم تام بالتحيزات الخاصة بك والفجوات في المهارات التي لديك، ثم العمل على بناء فريق يتلافى هذه الفجوات.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!