التنافس في عصر الذكاء الاصطناعي

17 دقيقة
التنافس في عصر الذكاء الاصطناعي
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

كيف يتسبب الذكاء الآلي في تغيير قواعد عالم الأعمال؟ وكيف هو حال التنافس في عصر الذكاء الاصطناعي؟

اطلبوا اليوم كتاب “التنافس في عصر الذكاء الاصطناعي” من متجر كتب مجرة

في عام 2019، وبعد خمس سنوات فقط من تأسيس مجموعة “آنت للخدمات المالية” (Ant Financial Services Group)، تجاوز عدد مستهلكي خدماتها المليار. وبينما تفرعت هذه المجموعة عن مجموعة “علي بابا” (Alibaba)، فإنها تستخدم الذكاء الاصطناعي والبيانات المستخلصة من منصة الدفع عبر الإنترنت “علي باي” (Alipay) – وهي منصتها الأساسية للدفع بواسطة الأجهزة المحمولة – لإدارة مجموعة متنوعة من الأعمال، بما في ذلك خدمة إقراض العملاء وصناديق السوق النقدية وإدارة الثروات والتأمين الصحي وخدمات التصنيف الائتماني، بل حتى الألعاب الإلكترونية على شبكة الإنترنت التي تشجع الناس على الحد من الانبعاثات الكربونية التي يتسببون فيها. وتخدم الشركة عدداً من العملاء يتجاوز عشرة أضعاف العملاء الذين تخدمهم أكبر البنوك الأميركية، وبعُشر عدد الموظفين. وفي الجولة التمويلية الأخيرة لهذه المجموعة عام 2018، قدرت قيمتها بنحو 150 مليار دولار، أي حوالي نصف قيمة بنك “جيه بي مورغان تشيس” (JPMorgan Chase) الذي يُعد شركة الخدمات المالية الأعلى قيمة على مستوى العالم أجمع.

وعلى النقيض من البنوك التقليدية والمؤسسات الاستثمارية وشركات التأمين، تأسست مجموعة “آنت للخدمات المالية” على أساس رقميّ. فلا توجد عمالة في “المسار الرئيس” لأنشطتها التشغيلية. وإنما يدير الذكاء الاصطناعي مقاليد الأمور هناك. ولا يوجد مدير يعتمد القروض، ولا موظف يقدم استشارات مالية ولا مندوب يصرّح بنفقات طبية للعملاء. وبدون القيود التشغيلية التي تحد من قدرات الشركات التقليدية، تستطيع مجموعة “آنت للخدمات المالية” أن تنافس بطرق غير مسبوقة، وتحقق نمواً مطلق العنان، وتُحدث تأثيراً بارزاً عبر مجموعة متنوعة من القطاعات.

تمهّد نشأة هذا النمط الجديد من الشركات الطريق أمام عصر الذكاء الاصطناعي. ومن بين المؤسسات التي تماثل مجموعة “آنت للخدمات المالية” في الحجم، شركات عملاقة أمثال “جوجل” و”فيسبوك” و”علي بابا” و”تينسنت”، فضلاً عن الكثير من الشركات الأصغر حجماً ذات النمو المتسارع، بدايةً من شركة “زيبرا ميديكال فيجن” (Zebra Medical Vision) و”واي فير” (Wayfair) وحتى “إنديغو أيه جي” (Indigo Ag) و”أوكادو” (Ocado). وفي كل مرة نستخدم فيها خدمة من إحدى هذه الشركات، تحدث الظاهرة المدهشة ذاتها: بدلاً من الاعتماد على العمليات الإدارية التقليدية التي يديرها العمال أو المدراء أو مهندسو العمليات أو المشرفون أو مندوبو خدمة العملاء، فإن الخوارزميات هي التي تقدم لنا القيمة التي نحصل عليها. ويشير ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة “مايكروسوفت”، إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره “وقت التشغيل” الجديد للشركة. صحيح أن المدراء والمهندسين يصممون الذكاء الاصطناعي والبرامج التي تدير الخوارزميات، ولكن بعد هذه المرحلة، يقدم النظام قيمة هامة من تلقاء ذاته عبر الأتمتة الرقمية أو بتعزيز بيئة العمل لمزودي الخدمات خارج الشركة. ويحدد الذكاء الاصطناعي الأسعار على “أمازون”، ويوصي بالأغاني على تطبيق “سبوتيفاي” (Spotify)، ويُجري الوساطة بين المشترين والبائعين على سوق شركة “إنديغو أيه جي”، ويقيّم استحقاق المتقدمين بطلب للحصول على قروض مجموعة “آنت للخدمات المالية”.

اقرأ أيضاً: كيف تقود المنافسة إلى التبنّي السريع للذكاء الاصطناعي؟

ويُحدث التخلص من القيود التقليدية تحولاً في قواعد المنافسة. فبينما تندمج الشبكات الرقمية والخوارزميات في بنية الشركات، فإن القطاعات تبدأ في العمل على نحو مختلف، وتصبح الخطوط الفاصلة بينها غير واضحة. وتمتد التغييرات إلى ما يتجاوز الشركات التي انطلقت من أسس رقمية بمراحل، حيث تتجه المؤسسات التقليدية بشكل أكثر بروزاً نحو نماذج معتمدة على الذكاء الاصطناعي أيضاً، ويعترض طريقها منافسون جدد. حيث تستغل شركات “وول مارت” (Walmart) و”فيديليتي” (Fidelity) و”هانيويل” (Honeywell) و”كومكاست” (Comcast) حالياً توسع البيانات والخوارزميات والشبكات الرقمية بهدف المنافسة الفاعلة في هذا العصر الجديد. وسواء كنت تقود شركة رقمية ناشئة أو تعكف على تحديث مؤسسة تقليدية، فمن المهم أن تستوعب الأثر الثوري للذكاء الاصطناعي في العمليات والاستراتيجية والمنافسة.

غالباً لا يكون الذكاء الاصطناعي الذي يدفع عجلة النمو الهائل لأي شركة معقداً جداً. فلا يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي ضرباً من الخيال العلمي الذي يحاكي المنطق البشري.

مصنع الذكاء الاصطناعي

يستقر في قلب الشركات الجديدة مصنع للقرارات، وهو ما نطلق عليه اسم “مصنع الذكاء الاصطناعي“. وتدير برامج مصنع الذكاء الاصطناعي هذا ملايين المزادات من الإعلانات اليومية على موقعي “جوجل” و”بايدو” (Baidu)، كما تقرر خوارزمياته أياً من السيارات تقدم خدمة النقل على تطبيقات “ديدي” (Didi) و”جراب” (Grab) و”ليفت” (Lyft) و”أوبر” (Uber). كما أنها تحدد أسعار سماعات الرأس والقمصان من نوع “بولو” على موقع “أمازون”، وتدير الروبوتات التي تنظف الأرضيات في بعض فروع “وول مارت”. وتشغل الروبوتات خدمة العملاء في “فيديليتي”، وتفسر صور الأشعة السينية في “زيبرا ميديكال” (Zebra Medical). وفي كل حالة من تلك الحالات، يتعامل متخذ القرارات مع الذكاء الاصطناعي باعتباره علماً. وتحول التحليلات المحوسبة البيانات الداخلية والخارجية على حد سواء إلى توقعات ورؤى ثاقبة، ومن ثَم خيارات توجه سير العمل التشغيلي وتؤتمته.

مصنع الذكاء الاصطناعي

ومن الغريب أن الذكاء الاصطناعي الذي بوسعه دفع عجلة النمو الهائل لشركة رقمية، غالباً لا يكون معقداً جداً. ولا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أن يكون ضرباً من الخيال العلمي كي يُحدث تأثيراً أو تغييراً هائلاً، فلا يتمايز عن السلوك البشري أو يحاكي المنطق البشري، وهي القدرة التي يشار إليها بين حين وآخر باسم “الذكاء الاصطناعي القوي”.

إنك في حاجة فقط إلى نظام حاسوبي كي تكون قادراً على أداء المهمات التي اضطلع بها البشر تاريخياً، وهو ما يشار إليه كثيراً باسم “الذكاء الاصطناعي المحدود”.

في ظل الذكاء الاصطناعي المحدود، يستطيع مصنع الذكاء الاصطناعي فعلياً، تنفيذ مجموعة كبيرة من القرارات المصيرية. وفي بعض الحالات، ربما أدار شركات المعلومات (مثل “جوجل” و”فيسبوك”). وفي حالات أخرى، سيوجه هذا المصنع الشركة إلى بناء أو تقديم أو تشغيل منتجاتها المادية الفعلية (كروبوتات مخزن “أمازون” أو “وايمو” (Waymo)، وهي خدمة السيارات ذاتية القيادة التابعة لشركة “جوجل”). ولكن، في جميع الحالات، تضطلع مصانع القرار الرقمية ببعض أكثر العمليات والقرارات التشغيلية حساسية ودقة على الإطلاق. وتشكل البرامج قلب الشركة النابض، في حين ينتقل البشر إلى وظائف هامشية.

هناك أربعة مكونات ضرورية لكل مصنع من مصانع الذكاء الاصطناعي. أولها سلسلة البيانات، وهي عملية شبه مؤتمتة تجمع البيانات وتنقحها وتدمجها وتصونها بطريقة منهجية ومستدامة وقابلة للتطوير. وثانيها الخوارزميات التي تخلق تنبؤات بشأن الأوضاع أو الإجراءات المستقبلية للأعمال. وثالثها منصة التجريب التي تختبر عليها الفرضيات المتعلقة بالخوارزميات الجديدة لضمان الأثر المنشود لمقترحاتها. ورابعها البنية التحتية، ويراد بها النظم التي تدمج هذه العملية في البرامج، وتصلها بالمستخدمين الداخليين والخارجيين.

لننظر إلى محرك بحث مثل “جوجل” أو “بينغ” (Bing)، فور أن يشرع المرء في كتابة بضعة أحرف داخل مربع البحث، فإن الخوارزميات تتنبأ بفاعلية بكلمة البحث الكاملة على أساس الكلمات التي أدخلها كثير من المستخدمين في وقت سابق، وذلك على أساس الإجراءات السابقة لذاك المستخدم. وتعرض هذه التنبؤات في قائمة منسدلة (“مربع الاقتراحات التلقائية”) التي تساعد المستخدم في التركيز سريعاً على موضوع بحثه وثيق الصلة. وترصد كل ضغطة على لوحة المفاتيح وكل نقرة باعتبارها نقطة بيانات، وكل نقطة بيانات ترتقي بمستوى التنبؤات لأجل عمليات البحث المستقبلية. ويولد الذكاء الاصطناعي أيضاً نتائج بحث عضوية مستخلصة من فهرس مجمّع مسبقاً من الويب، ومحسّن وفقاً للنقرات على نتائج عمليات البحث السابقة. ويفجّر إدخال كلمة البحث أيضاً مزاداً مؤتمتاً من الإعلانات الأوثق صلة بعملية بحث المستخدم التي تتشكل نتائجها بالمزيد من التجريب وحلقات التعلم. وأي نقرة على استفسارات البحث أو صفحة نتائج البحث أو أي نقرة تبعدك عنها توفر بيانات مفيدة. وكلما زادت عمليات البحث، تحسنت التنبؤات، وزاد استخدام محرك البحث.

إزالة القيود المفروضة على الحجم والنطاق والتعلم

كان مفهوم الحجم أمراً محورياً في مجال الأعمال منذ الثورة الصناعية تقريباً. فقد وصف ألفريد تشاندلر العظيم، كيف أن الشركات الصناعية الحديثة باستطاعتها الوصول إلى مستويات غير مسبوقة من الإنتاج بتكلفة أقل بكثير للوحدة الواحدة، ما يعطي الشركات الكبرى ميزة كبيرة تتفوق بها على الشركات الأصغر حجماً. وقد سلط الضوء أيضاً على المزايا التي يمكن أن تجنيها الشركات من قدرتها على تحقيق نطاق أكبر للإنتاج أو التنوع. كما أضافت الضغوط الداعية للتحسين والابتكار متطلباً آخر للشركات: ألا وهو التعلم. وبمرور الوقت، اعتُبر كل من الحجم والنطاق والتعلم هي المحفزات الأساسية للأداء التشغيلي للشركة. ولفترة زمنية طويلة، وجدنا أن عمليات إدارية محددة بعناية وتعتمد على العمالة والإدارة بهدف تقديم منتجات وخدمات للعملاء – تعززها نظم تقنية المعلومات التقليدية – قد ضمنت التمكين لهذه المحفزات.

بعد مئات السنين من التحسينات التراكمية التي طرأت على النموذج الصناعي، تحدث الشركات الرقمية الآن تغييراً جذرياً على مستوى الحجم والنطاق ونموذج التعلم. فمن الممكن توسيع نطاق العمليات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر بكثير من العمليات التقليدية، والسماح بنطاق أكبر بكثير أيضاً لأنه من الممكن ربطها بسهولة بأعمال مرقمنة أخرى، وخلق فرص عظيمة بشكل مدهش للتعلم والتطوير – كالقدرة على إنتاج نماذج أدق لسلوك العملاء وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى، ثم تخصيص الخدمات وفقاً لذلك.

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”الأقل” height=”50″ link_color=”#66abe8″ link_style=”button” link_align=”right”]

تحوّل شركة مايكروسوفت إلى الذكاء الاصطناعي

استغرق تحول شركة “مايكروسوفت” إلى شركة معتمدة على الذكاء الاصطناعي سنوات من البحوث، لكنه اكتسب انطلاقة جديدة بالتزامن مع إعادة هيكلة قسم تقنية المعلومات الداخلي وأصول البيانات، التي كانت مشتتة عبر العمليات المتعددة للشركة. وقاد هذه الجهود كورت ديلبين، الرئيس الأسبق لمشروع برنامج “مايكروسوفت أوفيس” (Microsoft Office)، الذي ترك شركة “مايكروسوفت” ليقدم المساعدة إلى الحكومة الأميركية ويصلح موقع الرعاية الصحية “HealthCare.gov” قبل أن يعود إلى الشركة عام 2015. وهناك سبب وجيه لاختيار الرئيس التنفيذي للشركة، ساتيا ناديلا، لشخص يتمتع بخبرة المنتجات لإدارة قسم تقنية المعلومات، وبناء “مصنع الذكاء الاصطناعي” الذي سيصبح أساساً للنموذج التشغيلي الجديد للشركة. صرّح لنا ديلبين قائلاً: “منتجنا هو العملية ذاتها. أولاً، سنبين الشكل الذي يجب أن تكون عليه الرؤية المتعلقة بالنظم والعمليات التي ندعمها. وثانياً، سيُدار فريقنا وكأنه فريق تطوير للمنتجات. وسنعتمد على الإدارة الرشيقة”. ولتعزيز هذا التوجه في فريقه، استعان بقادة جرى اختيارهم بعناية ومهندسين تقلدوا مناصب متعلقة بالمنتجات.

واليوم، تُعد الهندسة الأساسية – وهو الاسم الذي تعرف به الآن عملية تقنية المعلومات – واجهة لتحول شركة مايكروسوفت ذاتها. وبفضل عمل المجموعة، فقد أصبح الكثير من العمليات التقليدية التي جرى العرف على إنجازها في أقسام منعزلة متاحة الآن في قاعدة برنامج ثابتة وحيدة تستقر داخل سحابة “مايكروسوفت أزور” (Microsoft Azure). بالإضافة إلى ذلك، يتجه الفريق نحو بنية مشتركة للبيانات عبر الشركة كلها. إن منصة التشغيل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تربط المؤسسة المتشعبة بمكتبة مكونات برمجية ومستودع خوارزميات وقوائم بيانات مشتركة، تستخدم جميعها لتمكين العمليات الرقمية سريعاً وتعميمها عبر خطوط الأعمال المختلفة للشركة.

اقرأ أيضاً: كيف قامت أمازون بأتمتة أعمالها واستفادت من موظفيها على نحو أفضل؟

وبعيداً عن زيادة الإنتاجية وقابلية التطوير والترقية، يساعد الذكاء الاصطناعي أيضاً في القضاء على المشكلات. يقول ديلبين: “إننا نعزز الذكاء الاصطناعي كي نعرف متى تبدأ الأشياء في التصرف على نحو غير متوقع. وأفضل ما كنا نستطيع الإقدام عليه في الماضي هو الاستجابة بأسرع ما يمكن. أما الآن، فيمكننا استباق الأمور، بدايةً من الصفقات الفاسدة وحتى الانتهاكات السيبرانية”.

[/su_expand]

في النماذج التشغيلية التقليدية، يصل حجم الأعمال حتماً إلى مرحلة يحقق عندها عوائد متناقصة. لكننا لا نشهد الظاهرة نفسها بضرورة الحال في النماذج المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي يستمر فيها العائد على حجم الأعمال في التصاعد لمستويات غير مشهودة من قبل. (راجع العمود الجانبي “كيف يمكن للشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التفوق على الشركات التقليدية”. والآن، تخيل ما يمكن أن يحدث عندما تنافس شركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي شركة تقليدية، وذلك بخدمتها شريحة العملاء نفسها وتقديمها قيمة مثيلة (أو أفضل) ونموذجاً تشغيلياً أكثر قدرة على التوسع.

ونحن نطلق على هذا النوع من المواجهة “الصدام”. فبينما تضخم تأثيرات التعلم والشبكة معاً من أثر حجم الأعمال في خلق القيمة البارزة، فإن الشركات المستندة إلى أساس رقمي تستطيع اكتساح المؤسسات التقليدية. تأمل النتيجة المترتبة على اصطدام شركة “أمازون” بباعة التجزئة التقليديين، واصطدام شركة “آنت للخدمات المالية” بالبنوك التقليدية، واصطدام شركتي “ديدي” (Didi) و”أوبر” بشركات خدمات سيارات الأجرة التقليدية. ومثلما احتج كلايتون كريستنسن ومايكل راينور وروري ماكدونالد في مقالتهم “ما هو الابتكار المزعزع؟” (?What Is Disruptive Innovation) (هارفارد بزنس ريفيو، ديسمبر/كانون الأول 2015)، فإن هذه الاضطرابات التنافسية لا تتماشى مع نموذج الزعزعة. والصدامات لا تنجم عن ابتكار بعينه في تقنية أو نموذج عمل، وإنما هي نتاج نشأة نوع من الشركات مختلف كلياً. ويمكن لهذه الصدامات أن تُحدث تغييراً جوهرياً في بعض الصناعات، وتعيد تشكيل طبيعة الميزة التنافسية.

لاحظ أن الأمر ربما يستغرق فترة طويلة من نماذج التشغيل المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، لخلق قيمة اقتصادية تقترب بأي حال من الأحوال من القيمة التي تخلقها نماذج التشغيل التقليدية على نطاق واسع. وتنتج آثار الشبكة قيمة محدودة قبل أن تصل إلى الكتلة الحرجة، وتعاني غالبية الخوارزميات حديثة التطبيق من “انطلاقة فاترة” قبل حصولها على قدر كافٍ من البيانات. لقد شهدت شركة “آنت للخدمات المالية” نمواً سريعاً، غير أن خدمة السداد الإلكتروني المحورية الخاصة بها – “علي باي” – التي أطلقتها مجموعة “علي بابا” عام 2004، استغرقت سنوات كي تصل إلى حجم أعمالها الحالي. ويفسر ذلك السبب أن التنفيذيين الراسخين في النموذج التقليدي يجدون صعوبة بالغة في بداية الأمر في تصديق أن النموذج الرقمي سيكتسب دفعة قوية مستمرة. ولكن، ما إن ينطلق نموذج التشغيل الرقمي حقاً، فمن الممكن أن يقدم قيمة أعظم بكثير، ويطيح سريعاً بالشركات التقليدية.

وتحدث الصدامات بين الشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والشركات التقليدية عبر القطاعات المختلفة: البرامج والخدمات المالية والبيع بالتجزئة والاتصالات والإعلام والرعاية الصحية والسيارات، وحتى قطاع الأعمال التجارية الزراعية. ومن الصعب أن تجد الآن شركة لا تواجه الحالة الملحة لرقمنة نموذجها التشغيلي والاستجابة إلى التهديدات الجديدة.

إعادة بناء المؤسسات التقليدية

بالنسبة إلى قادة الشركات التقليدية، ينطوي تنافس المنافسين الرقميين على ما يتجاوز تعميم برامج مؤسسية أو حتى بناء سلاسل بيانات وفهم الخوارزميات والتجريب. ذلك أنه يقتضي إعادة تصميم هيكل الشركة ونموذجها التشغيلي. فطوال فترة طويلة جداً، حسنت الشركات حجم أعمالها ونطاقها وتعلمها عن طريق التركيز الأكبر والتخصص، الأمر الذي أدى إلى نشأة الهياكل المنعزلة التي لدى غالبية المؤسسات في وقتنا هذا. ولم تغير أجيال من تقنية المعلومات هذا النمط. ولعقود طويلة، استخدمت تقنية المعلومات لتحسين أداء الوظائف المحددة والوحدات التشغيلية. وكثيراً ما عززت النظم المؤسسية التقليدية الأنظمة المنعزلة والأقسام التي تقوم بمختلف المهمات وتقدم العديد من المنتجات.

لكن الأنظمة المنعزلة هي عدو النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي. وحقيقة الأمر أن منصات مثل “جوجل آدز” (Google Ads) و”ماي بانك” (MyBank) التابعة لمجموعة “آنت للخدمات المالية” تتخلى عنها عمداً، ويجري تصميمها بحيث تعزز الجوهر المدمج للبيانات وقاعدة الترميز الأساسية الموحدة والثابتة. وعندما تتاح لكل قسم منعزل في أي شركة بياناته وشفرته الخاصة، يجري تجزئة التطوير الداخلي، ويكاد يكون من المستحيل إقامة روابط عبر الأقسام المنعزلة أو مع شبكات الأعمال أو بيئات العمل الخارجية. ويكاد يكون من المستحيل أيضاً تكوين فهم شمولي للعميل يخدم كل قسم ومهمة ويستفيد منه في آن واحد. ومن ثَم، عندما تقيم الشركات قلباً رقمياً جديداً، يجب عليها تفادي خلق انقسامات مؤسسية عميقة بداخله.

ورغم صعوبة التحول إلى نموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي، فإن كثيراً من الشركات التقليدية – وبعضها تعاملنا معه بالفعل – بدأت تنجز هذا التحول. والواقع أننا فحصنا في دراسة أخيرة أكثر من 350 مؤسسة تقليدية في القطاعين الخدمي والصناعي، واكتشفنا أن غالبية تلك المؤسسات بدأت في تكوين ركيزة أكبر على البيانات والتحليلات المحوسبة في مؤسساتها. وقد حققت فعلياً كثير من المؤسسات – بما في ذلك “نوردستروم” (Nordstrom) و”فودافون” و”كومكاست” (Comcast) وفيزا – طفرات بالغة الأهمية، ذلك أنها رقمنت وأعادت تصميم مكونات أساسية من نماذجها التشغيلية، وطورت منصات بيانات وقدرات ذكاء اصطناعي متقدمة. كما أن مؤسستك ليست في حاجة إلى أن تكون شركة ناشئة كي تبادر برقمنة العناصر المحورية لأعمالك، ولكن عليك أن تواجه الأقسام المنعزلة والأنظمة العتيقة المجزأة وأن تعيد النظر في ثقافتك. (إذا أردت أن تلقي نظرة أدق على المبادئ الأساسية التي يجب أن تدفع عجلة التحول، فانظر إلى العمود الجانبي “غرس الذكاء الاصطناعي في صميم أعمال الشركة“.

تستخدم شركة “فيديليتي” الذكاء الاصطناعي لتمكين عمليات في مجالات بالغة الأهمية، بما في ذلك خدمة العملاء والرؤى الثاقبة المتعلقة بالعملاء وتوصيات الاستثمار. وتبني مبادرات استثماراتها على جهود تمتد لسنوات عديدة لدمج أصول البيانات في محور رقمي واحد، وإعادة تصميم المؤسسة حوله. وعملها أبعد ما يكون عن الانتهاء، ولكن أثر الذكاء الاصطناعي واضح بالفعل في العديد من حالات الاستخدام عالية القيمة في شتى أقسام الشركة. ولكي تتفوق “وول مارت” على “أمازون”، عكفت على إعادة بناء النموذج التشغيلي للشركة حول الذكاء الاصطناعي، وأحلت بنية سحابية متكاملة محل أنظمة البرامج المؤسسية التقليدية المنعزلة. وسيسمح ذلك لشركة “وول مارت” باستخدام أصول بياناتها الفريدة في العديد من التطبيقات الجديدة القوية، وأتمتة أو تحسين عدد متزايد من المهمات التشغيلية باستخدام الذكاء الاصطناعي والتحليلات المحوسبة. وفي شركة “مايكروسوفت”، يراهن نادالا على الطفرة الشاملة التي سيحققها نموذجها التشغيلي مستقبلاً. (انظر العمود الجانبي “ثورة الذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت”).

إعادة النظر في الاستراتيجية والقدرات

بينما تتصادم الشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بالشركات التقليدية، فإن الميزة التنافسية تتحدد، على نحو متزايد، بالقدرة على تشكيل الشبكات الرقمية والتحكم فيها. (انظر “لماذا تزدهر بعض المنصات دون غيرها”، هارفارد بزنس ريفيو، يناير/كانون الثاني-فبراير/شباط 2019). إن المؤسسات التي تتفوق في ربط أعمالها وجمع البيانات التي تتدفق عبرها، وتُحقق قيمتها عبر التحليلات المحوسبة والذكاء الاصطناعي سيكون لها اليد العليا. وستعزز الآثار التقليدية للشبكة ومنحنيات التعلم المدفوعة بالذكاء الاصطناعي بعضها بعضاً، فيضاعف كل منها أثر الآخر. ويمكنك أن تلمس هذا الحراك في شركات مثل “جوجل” و”فيسبوك” و”تينسنت” و”علي بابا” التي صارت شركات “محورية” قوية بجمعها بيانات تراكمية عبر روابط شبكاتها المتعددة وبناء الخوارزميات الضرورية لتعظيم مزاياها التنافسية عبر قطاعات مختلفة.

في تلك الأثناء، تفقد التوجهات التقليدية نحو الاستراتيجية التي تركز على التحليل التقليدي للصناعة تدريجياً فاعليتها على نحو متزايد. لننظر إلى شركات تصنيع السيارات، التي تواجه مجموعة متنوعة من التهديدات الرقمية الجديدة، بدايةً من شركة “أوبر” وحتى شركة “وايمو” الوافدتين من خارج حدود الصناعة التقليدية. ولكن، لو نظر الرؤساء التنفيذيون في شركات السيارات إلى السيارات بما يتجاوز سياق صناعتهم التقليدي، وباعتبارها خدمة شديدة الترابط ومعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فلن يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم فحسب، وإنما سيتسنى لهم أيضاً إيجاد قيمة جديدة عبر الفرص التجارية المحلية والإعلانات والأخبار والموجزات الترفيهية والخدمات المستندة إلى الموقع الجغرافي، إلخ.

كانت النصيحة التي تُسدى للتنفيذيين في فترة من الفترات تفيد بضرورة الالتزام بالأعمال التي يعرفونها، والاشتغال بالقطاعات التي يستوعبونها. لكن أوجه التآزر في الخوارزميات وتدفقات البيانات لا تحترم حدود المهنة. ومن الأرجح أن تكون المؤسسات التي ليس بوسعها دعم عملائها والبيانات عبر تلك الحدود في موقف سيئ. فبدلاً من التركيز على تحليل قطاع معين وإدارة الموارد الداخلية للشركات، يجب أن تركز الاستراتيجية على الروابط التي تخلقها الشركات عبر القطاعات المختلفة، وتدفق البيانات عبر الشبكات التي تستخدمها تلك الشركات.

ولهذا كله تداعيات كبيرة على المؤسسات وموظفيها. فتعلم الآلة سوف يُحدث تحولاً في طبيعة كل وظيفة تقريباً، بغضّ النظر عن المهنة أو مستوى الدخل أو التخصص. ولا شك في أن النماذج التشغيلية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تسفر عن خسائر بشرية كبيرة. يقترح عدد كبير من الدراسات أن نصف أنشطة الأعمال الحالية ربما حلت محلها نظم تعمل بالذكاء الاصطناعي. ولا يجب أن يدهشنا ذلك. على كل حال، لطالما صُممت النماذج التشغيلية لتجعل العديد من المهمات متوقعة وقابلة للتكرار. على سبيل المثال، نجد أن عمليات المسح الإلكتروني للمنتجات عند الدفع، وصناعة القهوة بالحليب، وإزالة الفتق طبياً، كلها تستفيد من نماذج الذكاء الاصطناعي، ذلك أنها لا تتطلب إبداعاً بشرياً كبيراً. وبينما ستثري التحسينات الطارئة على الذكاء الاصطناعي العديد من الوظائف، وتُوجِد أنواعاً مختلفة من الفرص، يبدو حتماً أنها ستتسبب في إحلال العديد من المهن كذلك.

كيف تستطيع الشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التفوق على الشركات التقليدية

النموذج التشغيلي الرقمي

ولن تقتصر عمليات الإحلال على إحلال الوظائف فحسب، وإنما ستنطوي أيضاً على اندثار قدرات تقليدية. ففي كل بيئة تقريباً، سوف تتفوق الشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي على المؤسسات عالية التخصص. وفي العالم المدفوع بالذكاء الاصطناعي، ترتبط متطلبات المنافسة بقدر أقل بالتخصص وبقدر أكبر بمجموعة شاملة من القدرات في مجالات استقاء البيانات ومعالجتها والتحليلات المحوسبة وتطوير الخوارزميات. وهذه القدرات الشاملة الجديدة تعيد تشكيل الاستراتيجية وتصميم الأعمال، بل حتى القيادة نفسها. وتبدو الآن الاستراتيجيات في العديد من الشركات الرقمية والمتصلة شبكياً والمتنوعة جداً متشابهة، وكذلك محفزات الأداء التشغيلي. في الوقت الذي أصبحت فيه الخبرة الصناعية أقل محورية عن ذي قبل. عندما بحثت شركة “أوبر” عن رئيس تنفيذي جديد لها، عيّن مجلس إدارتها شخصاً أدار في السابق شركة رقمية – ألا وهي “إكسبيديا” (Expedia) – ولم يفكر في شركة تقدم خدمات سيارات الأجرة الفاخرة.

إننا بصدد الانتقال من عصر القدرات الأساسية التي تختلف من صناعة إلى أخرى إلى عصر تشكله البيانات والتحليلات المحوسبة وتدفع عجلته الخوارزميات – وكل هذه المكونات تستضيفها السحابة الإلكترونية بحيث يستخدمها الجميع. ولذلك استطاعت مجموعة “علي بابا” وشركة “أمازون” المنافسة في صناعات مختلفة بقدر اختلاف تجارة التجزئة والخدمات المالية والرعاية الصحية والتصنيف الائتماني. وهذه القطاعات لديها الآن العديد من الأسس التقنية، وتوظف أساليب وأدوات مشتركة. وتتحول الاستراتيجيات بعيداً عن التمايز التقليدي بناءً على التكلفة والجودة وقيمة العلامة التجارية والخبرة المتخصصة، وفي اتجاه مزايا مثل مكانة شبكة الأعمال، وتراكم البيانات الفريدة وتعميم التحليلات المحوسبة المتطورة.

تحدي القيادة

رغم أن التخلص من القيود التشغيلية يمكن أن يطلق العنان لنمو ضخم، فهو ليس بالإجراء الحميد دوماً. فالنظم غير المرنة عرضة لعدم الاستقرار، وما إن تنطلق فمن الصعب إيقافها. تخيل سيارة بلا مكابح أو متزلجاً على الجليد لا يستطيع إبطاء سرعته. الإشارة الرقمية – على سبيل المثال، “ميم الإنترنت” (صورة فيروسية أو تعبير أو مقطع فيديو ساخر يتناقل عبر الإنترنت) – يمكن أن تنتشر بسرعة عبر الشبكات، ومن الممكن أن يستحيل تقريباً إيقافها، حتى من جانب المؤسسة التي أطلقتها في البداية، أو أي كيان يتحكم في المراكز الأساسية داخل شبكة ما. فبدون احتكاك أو مقاومة، يمكن لمقطع فيديو يحض على العنف أو عنوان إخباري زائف أو احتيالي، أن ينتشر انتشار النار في الهشيم، فيصل إلى مليارات البشر عبر مجموعة متنوعة من الشبكات، بل ويمكن أن يتحور حتى لزيادة عدد النقرات الفرعية والتنزيلات. فلو كانت لديك رسالة تود إرسالها، يقدم لك الذكاء الاصطناعي طريقة رائعة للوصول إلى أعداد كبيرة من الناس، وتخصيص الرسالة بما يتماشى معهم. ولكن، جنة المسوِّق يمكن أن تكون جحيماً للمواطن.

صندوق

[su_expand more_text=”المزيد” less_text=”الأقل” height=”50″ link_color=”#66abe8″ link_style=”button” link_align=”right”]

غرس الذكاء الاصطناعي في صميم أعمال الشركة

لا يمكن اكتمال الانتقال من شركة تقليدية إلى مؤسسة يقودها الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسة بحث وتطوير تفتقر إلى التنظيم أو إذا قادت هذا الانتقال مجموعة مستقلة منعزلة. ذلك أن ذلك الانتقال يتطلب جهوداً شمولية. وفي سياق بحثنا وعملنا مع مجموعة متنوعة من الشركات، استنتجنا خمسة مبادئ يجب أن تسترشد بها عمليات التحول (وتتجاوز الممارسات المثلى الشائعة لقيادة التغيير):

استراتيجية واحدة

تقتضي إعادة تصميم النموذج التشغيلي لأي شركة إعادة بناء كل وحدة أعمال على أساس جديد ومتكامل من البيانات والتحليلات المحوسبة والبرامج. وتتطلب هذه المهمة الشاقة المستنفدة للوقت تركيزاً وتكليفاً من القمة إلى القاعدة للتنسيق بين الجهود التصاعدية العديدة المبذولة وتشجيعها.

بنية واضحة

يتطلب الأسلوب الجديد المستند إلى البيانات والتحليلات المحوسبة والذكاء الاصطناعي قدراً من التركيز والكثير من التوافق. ويجب دمج أصول البيانات عبر مجموعة كبيرة من التطبيقات لتعظيم أثرها. وسيكون من المستحيل عملياً حماية البيانات المتفرقة، خاصةً إذا ما نظرنا إلى اعتبارات الخصوصية والاعتبارات الأمنية. وإذا لم توضع البيانات كلها في مستودعات مركزية، فلا بد أن يكون لدى المؤسسة على الأقل دليل دقيق بمكان البيانات، وتوجيهات صريحة بطريقة استخدامها (وكيفية حمايتها)، ومعايير لتوقيت تخزينها وكيفيته، بحيث يمكن استخدامها وإعادة استخدامها بمعرفة عدة أطراف.

القدرات المناسبة

رغم أن بناء قاعدة من البرامج وعلوم البيانات وقدرات التحليلات المحوسبة المتقدمة يستغرق وقتاً، فمن الممكن إنجاز الكثير بعدد محدود من الخبراء المتحمسين. ومع ذلك، تفشل كثير من المؤسسات في إدراك أنها في حاجة إلى تعيين نوع مختلف كلياً – على نحو منتظم – من أصحاب المواهب، وإعداد مسارات مهنية ونظم للحوافز لهؤلاء الموظفين.

التركيز على “المنتج” الرشيق

يرتكز بناء نموذج تشغيلي ركيزته الذكاء الاصطناعي في الأساس على معالجة العمليات التقليدية وتحويلها إلى برامج. وتطوير العقلية التي تنصبّ ركيزتها على المنتج، أمر محوري لإنجاز ذلك. ويجب على فرق تقنية المعلومات المسؤولة عن تعميم التطبيقات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، أن تتحلى بفهم عميق لحالات الاستخدام التي تعمل على تمكينها – وهو توجه نحو إدارة المنتج يتجاوز بكثير أسلوب مؤسسات تقنية المعلومات التقليدية، شأنها في ذلك شأن مدراء المنتجات في أي مشروع عالمي لتطوير البرامج. لقد كانت تقنية المعلومات في الماضي، تتعلق إلى حد بعيد بالحفاظ على سلاسة عمل النظم القديمة، وتعميم تحديثات البرامج، والحماية من الهجمات السيبرانية، وإدارة مكاتب الاستعلامات. أما تطوير برامج النموذج التشغيلي، فهو أمر مختلف تماماً.

الحوكمة متعددة التخصصات

صارت حوكمة الأصول الرقمية مهمة ومعقدة بشكل متزايد، ذلك أنها أصبحت تستدعي تعاوناً مدروساً عبر تخصصات وأقسام متفاوتة. وتزيد تحديات خصوصية البيانات وتحيز الخوارزميات والأمن السيبراني من المخاطر، بل حتى تزيد من التدخل والتنظيم الحكومي. ويجب أن تضم الحوكمة وظيفة الشؤون القانونية والمؤسسية التي يجوز الاسترشاد بها حتى في القرارات المتعلقة بالمنتج وبالتقنية. ويتطلب الذكاء الاصطناعي تفكيراً عميقاً حيال التحديات القانونية والأخلاقية، بما في ذلك دراسة متأنية للبيانات التي يجب تخزينها والحفاظ عليها (وتلك التي لا تتطلب ذلك).

[/su_expand]

من الممكن أن تحمل النماذج التشغيلية الرقمية في طياتها ضرراً إلى جانب القيمة التي تقدمها. وحتى لو كانت النية حسنة، يمكن أن يكون الجانب السلبي المحتمل جسيماً. وأي خطأ يمكن أن يعرّض شبكة رقمية كبيرة إلى هجوم سيبراني مدمر. ولو تركت الخوارزميات بلا ضابط، فمن الممكن أن تؤدي إلى تفاقم التحيز والمعلومات المغلوطة على نطاق مهول. ومن الممكن أن تتضاعف المخاطر بشدة. انظر إلى الطريقة التي تجمع بها البنوك مدخرات العملاء بطريقة غير مسبوقة. فيعهد إلى مجموعة “آنت للخدمات المالية” التي تدير حالياً واحدة من أضخم صناديق أسواق المال في العالم بمدخرات مئات الملايين من العملاء الصينيين. والمخاطر التي يمثلها ذلك الأمر عظيمة، خاصةً لأي مؤسسة لم تثبت جدارتها نسبياً.

يخلق حجم الأعمال الرقمية ونطاقها وتعلمها مجموعة كبيرة من التحديات الجديدة، التي لا تقتصر فقط على مشكلات الخصوصية والأمن السيبراني، وإنما تمتد إلى الاضطرابات الاجتماعية الناجمة عن تركز السوق وعمليات الإحلال والتبديل وانعدام المساواة المتزايد. وتكافح المؤسسات المصممة لمراقبة الأعمال – كالهيئات التنظيمية – لمواكبة كل هذا التغير السريع.

بمجرد ضمان توافق عرض ما مع سوق ما في عالم مدفوع بالذكاء الاصطناعي، من الممكن أن تتصاعد أعداد المستخدمين ومشاركتهم والإيرادات بسرعة الصاروخ. ولكن، مما يزداد وضوحاً أن النمو الجامح أمر خطير. كما أن إمكانات الشركات التي تتبنى النماذج التشغيلية الرقمية هائلة، ولكن القدرة على إلحاق ضرر واسع النطاق يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار على نحو واضح. وستكون معالجة هذه الفرص والمخاطر اختباراً حقيقياً للقيادة في كل من الشركات الخاصة والمؤسسات العامة التي تريد زيادة التنافس في عصر الذكاء الاصطناعي على حد سواء.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!