التنافس المبني على تحليل البيانات الضخمة

28 دقيقة
التنافس المبني على البيانات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

بَنَتْ بعض الشركات نشاطاتها على أساس قدرتها على جمع البيانات وتحليلها واستعمالها في اتخاذ القرارات والإجراءات. ويمكن لكل شركة أن تتعلّم ممّا تفعله هذه المؤسسات من أجل تعزيز مفهوم التنافس المبني على البيانات.

نعلم جميعاً القوّة التي يتمتّع بها ما يسمّى بـ “التطبيق القاتل” (Killer App)، أي التطبيق الذي يحقّق انتشاراً واسعاً وطلباً كبيراً. فعلى مرّ السنين تمكّنت الأنظمة الرائدة التي وضعتها شركات مثل “أميركان إيرلاينز” (American Airlines) (نظام الحجوزات الإلكترونية)، وشركة المصاعد “أوتيس إيليفيتور” (Otis Elevator) (نظام الصيانة الدورية)، وشركة التوريدات الطبية “آميريكان هوسبيتال سابلاي” (American Hospital Supply) (نظام الطلب عبر الإنترنت) من تقديم دعم كبير لإيرادات مبتكريها وسمعتهم. هذه التطبيقات الواعدة- والمرغوبة- راكمت كميّات هائلة من البيانات واستعملتها بطرق فاقت توقعات الزبائن، وحسّنت العمليات إلى درجة غير مسبوقة جعلتها أقرب إلى الكمال. لقد حوّلت هذه التطبيقات التكنولوجيا من مجرّد أداةٍ داعمة إلى سلاح استراتيجي.

التنافس المبني على البيانات

تركّز الشركات الباحثة عن “التطبيق القاتل” عموماً كافة جهودها وطاقتها على المجال الوحيد الذي يَعِدُها بتحقيق أكبر ميزة تنافسية لها. لكننا أمام جيل جديد من الشركات يرفع معايير المنافسة. فمؤسسات مثل أمازون للبيع على الإنترنت، وشركة فنادق هاراز (Harrah’s)، وبنك كابيتال وان (Capital One)، وفريق البيسبول بوسطن ريد سوكس قد هيمنت على المجالات التي تعمل فيها من خلال استعمال برامج حاسوبية تقوم بتحليل البيانات في مجموعة متنوّعة من قطاعات الأعمال. إنها تحوّل مؤسساتها إلى جيوش من التطبيقات القاتلة التي تشق طريقها نحو النصر المُبين.

التنافس المبني على البيانات

لا تتنافس المؤسسات على تحليل البيانات الحاسوبية لمجرّد أنها قادرة على ذلك – فعالم الأعمال اليوم متخمٌ بالبيانات ومن يتعاملون مع البيانات – وإنما لأنه ينبغي عليها أن تفعل ذلك. ففي وقت تقدّمُ فيه الشركات، في العديد من الصناعات، منتجات متماثلة، وتستعمل تكنولوجيات متقاربة، فإن عملياتها الداخلية أصبحت من بين آخر نقاط التمايز المتبقية بينها وبين قريناتها. ويحاول المتنافسون على تحليل البيانات الضخمة عصر هذه العمليات حتى آخر نقطة للحصول على كل قيمة ممكنة منها. وبالتالي فإن هؤلاء المتنافسين، حالهم حال الشركات الأخرى، يعلمون ما المنتجات التي يريدها زبائنهم، لكنهم يعلمون أيضاً ما هي الأسعار التي سيدفعها هؤلاء الزبائن، وكم عدد القطع التي سيشتريها كلٌ منهم طوال حياته، وما هي المحفّزات التي ستجعل الناس يشترون المزيد. وهم يعلمون، كما هو الحال في الشركات الأخرى، تكاليف أجور الموظفين، وتعويضاتهم، ومعدّلات تقلّبهم، لكنهم قادرون أيضاً على حساب مقدار مساهمة الموظفين في زيادة الأرباح الصافية أو إنقاصها، ومدى ارتباط مستويات الرواتب بأداء الأفراد. ويعرفون، مثل غيرهم من الشركات، متى يكون مستوى المخزونات منخفضاً، لكنهم قادرون أيضاً على التنبؤ بالمشاكل التي ستصيب سلاسل العرض والطلب، من أجل تحقيق مستويات منخفضة من المخزونات ومعدّلات مرتفعة من الطلبيات المثالية الخالية من أي عيب.

اقرأ أيضاً: التجارب المستقبلية للأدوية سوف تفضي إلى تقديم بيانات أفضل ومراقبة مستمرة

يقوم المتنافسون على تحليل البيانات الضخمة المتعلّقة بتلك الأشياء بطريقة منسّقة، كجزء من استراتيجية شاملة مدعومة من القيادة العليا ومدفوعة إلى الأسفل، نحو صنّاع القرارات على جميع المستويات. فالموظفون الذين عُيّنوا في تلك الشركات لخبرتهم بالأرقام، أو الذين دُرِّبوا على إدراك أهميتها، مسلّحون بأفضل البراهين والأدوات الكمية، لذلك فإنهم يتّخذون أفضل القرارات، الكبيرة منها والصغيرة، كل يوم، ومرّة تلو المرّة.

على الرغم من أن عدداً كبيراً من المؤسسات تتبنّى تحليل البيانات، إلا أن قلّة منها فقط استطاعت الوصول إلى هذه السوية من الإتقان. ولكن المتنافسين في تحليل البيانات هم القادة في ميادينهم المتنوّعة، ومن بينها المنتجات الاستهلاكية، والمالية، والتجزئة، والسفر والترفيه. لقد كانت عمليات تحليل البيانات أمراً أساسياً جدّاً بالنسبة لشركة كابيتال وان، التي سجّلت نموّاً فاق 20% في ربحية سهمها كل عام منذ أن أصبحت شركة عامّة مدرجة في البورصة. كما أن هذه التحليلات ساعدت أمازون أيضاً في الهيمنة على قطاع التجزئة على الإنترنت وفي تحقيق الأرباح على الرغم من استثماراتها الهائلة في النمو والبنية التحتية. وفي الرياضة، ليست المنشطات هي السلاح السري الحقيقي، وإنما الإحصائيات، كما تشهد الانتصارات الكبيرة لكل من بوسطن ريد سوكس، ونيو إنغلاند باتريوتس (New England Patriots)، وأوكلاند أيز (Oakland A’s).

فكرة المقالة بإيجاز

من شبه المستحيل تقريباً أن تميّز نفسك عن منافسيك بناءً على منتجاتك فقط. فمنافسوك هؤلاء يبيعون عروضاً مشابهة لعروضك. وبفضل اليد العاملة الرخيصة في الخارج، فإنك واقع تحت ضغوط هائلة للتغلّب على منافسيك في الخارج في مجال تكلفة المنتج.

فكيف يمكنك الظفر بهذا السباق؟ حاول أن تصبح منافساً بناءً على تحليل البيانات: استعمل تكنولوجيا معقّدة لجمع البيانات وتحليلها، لكي تحصد كل القيمة التي تعطيك إياها عملياتك الداخلية حتى آخر قطرة. فمن خلال استخدامك لتحليل البيانات الضخمة، لن تتمكّن من أن تعرف ما يريده زبائنك فحسب، وإنما ستعرف مقدار المبلغ الذين هم مستعدّون لدفعه، وما الذي يجعلهم يُحافظون على ولائهم. كما أنك ستنظر أبعد من تكاليف الرواتب والأجور ورزم تعويض الموظفين، بحيث تتمكّن من حساب الإسهام الفعلي والدقيق للقوى العاملة في أرباحك الصافية. كما أنها لا تساعدك على تتبّع المخزونات الحالية فقط، وإنما ستكون قادراً على الحدّ من المشاكل المستقبلية في المخزونات.

يحاول المتنافسون بناءً على تحليل البيانات الضخمة أن يكون لهم قصب السبق والريادة في المجالات التي يعملون فيها. فالمبادرة التي قامت بها كابيتال وان، مثلاً، أسهمت بحصول نمو بمقدار 20 % في ربحية السهم كل عام منذ إدراج الشركة في السوق المالية.

اجعلوا عملية تحليل البيانات الضخمة جزءاً من استراتيجيتكم التنافسية الشاملة، وادفعوا بها نحو الأسفل لتصل إلى المدراء على كل المستويات. فهذا الأمر سيُسلّح موظفيكم بأفضل البراهين والأدوات الكمّية التي تساعدهم في اتخاذ أفضل القرارات الممكنة، الكبير منها والصغير، وفي كل يوم.

في مثل تلك المؤسسات، تُعتبر البراعة في تحليل البيانات جزءاً من علامتها التجارية. فشركة بروغريسيف (Progressive) تحقّق مكاسب من الإعلانات اعتماداً على تحليلها المفصّل لمعدّلات تأمين الأفراد. وها هم زبائن أمازون يراقبون كيف تتعرّف هذه الشركة عليهم، ولاسيما أن خدماتها تصبح أكثر استهدافاً مع شرائهم المتكرر منها. وبفضل كتاب مايكل لويس، مونيبول (Moneyball) أو “كرة المال،” الأكثر مبيعاً، والذي برهن على قوّة الإحصائيات في لعبة البيسبول للمحترفين، فقد أصبح فريق “أوكلاند أيز” مشهوراً بهوسه بالأرقام بقدر اشتهاره ببراعته الرياضية.

كيف تستفيد عملياً من المقالة؟

لكي تصبحوا من المنافسين في مجال تحليل البيانات الضخمة:

تبنّوا عملية تحليل البيانات الضخمة انطلاقاً من رأس الهرم في الشركة

لحدّدوا التغييرات التي تقتضيها المنافسة في مجال تحليل البيانات الضخمة والتي يجب أن تدخلوها على الثقافة والعمليات والمهارات ويمكن أن تؤثّر على معظم كادر الموظفين لديكم، ثمّ صادقوا على هذه التغييرات وتبنّوها. وحضّروا أنفسكم لقيادة مؤسسة تركّز على تحليل البيانات الضخمة: يتعيّن عليكم فهم الجوانب النظرية لمختلف الطرق الكمية بحيث تكونون قادرين على تمييز أي محدودية فيها. إذا كنتم لا تمتلكون خلفية في الطرق الإحصائية، تشاوروا مع الخبراء الذين يتفهّمون مجال عملكم ويعرفون كيف يمكن تطبيق عملية تحليل البيانات الضخمة عليها.

طوّروا مبادرة وحيدة لتحليل البيانات الضخمة

يجب أن تنضوي كل النشاطات الخاصّة بجمع البيانات وتحليلها تحت قيادة موحّدة، وأن تستعمل تكنولوجيا وأدوات موحّدة. أنتم بحاجة إلى تسهيل عملية تقاسم البيانات وتحاشي العوائق الناجمة عن عدم الاتساق في صيغ وضع التقارير، وتعاريف البيانات، والمعايير.

مثال

أنشأت شركة بروكتر آند غامبل وحدة خاضعة لإدارة مركزية مهمّتها تحليل البيانات الضخمة. وقد كانت هذه الوحدة مؤلفة من 100 محلّل ينتمون إلى وظائف مختلفة في الشركة. وهي تحاول الاستفادة من هذه الخبرات الكبيرة الموجودة لدى أعضائها في التعامل مع القضايا الملحّة التي تتقاطع مع أكثر من وظيفة. فعلى سبيل المثال، يعمل محللو المبيعات والتسويق على توفير البيانات الخاصّة بفرص النمو في الأسواق الحالية إلى المحللين الذين يصمّمون شبكات الإمداد في الشركة، ممّا يساعدهم على تصميم شبكات إمداد أكثر قدرة على التجاوب المرن مع الأوضاع.

لتكن جهودكم في مجال تحليل البيانات الضخمة مركّزة

خصّصوا مواردكم لمبادرات تحليل البيانات الضخمة التي تخدم استراتيجيتكم التنافسية بشكل مباشر جداً. فشركة هاراهز، على سبيل المثال، تركّز معظم نشاطها في مجال تحليل البيانات الضخمة على تحسين ولاء الزبائن، وخدمة الزبائن وما يرتبط بذلك من مجالات مثل التسعير والعروض الترويجية.

رسّخوا ثقافة تقوم على تحليل البيانات الضخمة

حاولوا أن تنشروا على مستوى الشركة بأكملها ثقافة تقوم على احترام قياس البراهين الكمية الملموسة، واختبارها، وتقويمها. وشجّعوا الموظفين على دعم قراراتهم بحقائق مادّية وملموسة. وقيسوا أداءهم وكافئوهم بالطريقة ذاتها – أي من خلال تطبيق مقاييس خاصّة بالتعويضات والمكافآت.

وظفوا الأشخاص الصحيحين

ابحثوا عن المحللين الذين يمتلكون أرفع المهارات في مجال التحليل الكمّي، والذين بوسعهم التعبير عن الأفكار المعقّدة بكلمات بسيطة، والذين بمقدورهم التفاعل مع صنّاع القرارات بطريقة مُنْتِجة. ولن يكون من السهل العثور على هذا المزيج من المهارات، لذلك يجب أن تبدؤوا بعملية تعيين الموظفين قبل فترة طويلة من حاجتكم لملء المراكز الوظيفية الشاغرة بالمحللين.

استعملوا التكنولوجيا الصحيحة

يجب أن تهيئوا أنفسكم لإنفاق موارد هائلة على التكنولوجيا مثل أنظمة إدارة العلاقات مع العملاء (CRM) أو تخطيط موارد المؤسسات (ERP). اعرضوا البيانات بصيغ قياسية، واعملوا على تحقيق التكامل والانسجام فيما بينها، وخزّنوها في مخازن البيانات، واجعلوها متاحة للجميع. وتوقّعوا أن تضطروا إلى قضاء أعوام في جمع البيانات حتى تصلوا إلى كم من البيانات يكفيكم لإجراء تحليلات ذات مغزى.

مثال

احتاجت شركة ديل إلى سبع سنوات لتنشئ قاعدة بيانات تشمل مليون ونصف المليون سجل تضمّ كلّ ما يخصّ إعلانات هذه الشركة الصانعة للحواسب بجميع أشكالها المطبوعة والإذاعية وإعلانات الشبكات التلفزيونية وشبكات التلفزيون المنزلي (الكيبل). وتقوم ديل بالجمع بين قاعدة البيانات هذه، وبين ببيانات مبيعات كل منطقة ظهرت فيها الإعلانات (قبل ظهورها وبعد ظهورها). وهذه المعلومة تسمح لديل أن تدخل التعديلات الطفيفة المطلوبة على إعلاناتها الترويجية في كل وسيلة إعلانية من هذه الوسائل في كل منطقة.

في الشركات التقليدية، نرى أن عملية “الاستخبارات التجارية” تدار عموماً على مستوى الأقسام؛ وتختار الوظائف المعنية بدراسة الأرقام والبيانات الضخمة أدواتها الخاصّة، وتدرّب موظفيها بنفسها. لكن هذه هي الفوضى بعينها.

وبغية تحديد الصفات المميزة المشتركة بين المؤسسات المتنافسة في تحليل البيانات، قمت مع اثنين من زملائي في مركز أبحاث المعرفة العملية (Working Knowledge Research Center) في كلية بابسون (Babson College) بدراسة 32 مؤسسة التزمت بإجراء التحليلات الكمّية المستندة إلى الحقائق. لقد صنّفنا 11 مؤسسة منها في خانة الأداء العالي في تحليل البيانات التنافسي، أي أن الإدارة العليا فيها كانت قد أعلنت عن أن التحليل المنهجي للبيانات هو ركن أساسي من أركان استراتيجيتها؛ كما أنها كانت تطبّق عدداً من المبادرات التي تشمل بيانات معقّدة وتحليلات إحصائية، وقد أدارت هذه النشاطات التحليلية على مستوى المؤسسة بأكملها لا على مستوى الأقسام.

اقرأ أيضاً: إذا كانت بياناتك سيئة لن تنفعك أدوات التعلم الآلي

تحدّد هذه المقالة صفات وممارسات أرباب الإحصاء هؤلاء، وتصف بعضاً من التغيّرات الجوهرية التي يتعيّن على الشركات الأخرى الخضوع لها لتتمكن من المنافسة في مضمار البيانات الكمّية. وكما هو متوقّع، فإن هذا التحوّل يتطلّب استثمارات ضخمة في التكنولوجيا، ومراكمة كميات هائلة من البيانات المُخزّنة، وصوغ استراتيجيات على مستوى المؤسسة بأكملها لإدارة البيانات. لكن المهم، إن لم نقل الأكثر أهمية، هو أنه يتطلّب التزاماً قوياً وصارماً من المدراء التنفيذيين واستعداداً لتغيير طريقة تفكير الموظفين، وعملهم، وأسلوب معاملتهم. ويعبّر غاري لوفمان (Gary Loveman) الرئيس التنفيذي لشركة هاراز، وهي أحد المنافسين في مجال تحليل البيانات، عن هذا بقوله: “هل نعتقد أن هذا الأمر صحيح؟ أم أننا نعلم ذلك؟”.

الانحياز إلى البيانات

هل يجب أن يعتمد الإنسان على التحليل أم على الغريزة؟ لقد شكّل هذا السؤال مادّة خصبة ومفضّلة للنقاش في أوساط المعلّقين السياسيين خلال الدورتين الأخيرتين للانتخابات الرئاسية الأميركية. لكنّه بدأ الآن يحتدم أيضاً في الألعاب الرياضية القائمة على الاحتراف، بفضل عدد من الكتب التي حظيت بالشعبية، وكذلك بفضل عدد من الانتصارات المُبينة. وحتى الآن، يبدو أن التحليل هو من يأتي في المقدّمة.

لكن الأبرز هو أن الإحصائيات باتت جزءاً أساسياً من اختيار اللاعبين وتطويرهم. يركّز كتاب مونيبول (Moneyball) أو “كرة المال،” لمؤلفه مايكل لويس على استعمال الإحصائيات في اختيار اللاعبين في فريق “أوكلاند أيز” – وهو فريق يحرز انتصارات كبيرة بموازنة مالية قليلة. كما فاز فريق “نيو إنغلند باتريوتس،” الذي يُبدي اهتماماً هائلاً بالإحصائيات، في ثلاث من آخر أربع مباريات ختامية في دوري كرة القدم الأميركية (السوبر بول)، في الوقت الذي يحتل فيه هذا الفريق نفسه حالياً المرتبة الرابعة والعشرين بين فرق رابطة دوري المحترفين من حيث رواتب اللاعبين. وبالنسبة لفريق “بوسطن ريد سوكس” فقد تبنّى مجموعة مقاييس تُعرف باسم (saber¬metrics) (وهي مقاييس ناجمة عن تطبيق التحليل على البيسبول)، بل وذهب إلى حدّ توظيف بيل جيمس، إحصائي البيسبول الشهير الذي كانت قد تسبّب في شهرة هذا التعبير. كما نجد أيضاً أن استراتيجيات تحليل البيانات الضخمة في مجال الموارد البشرية باتت تترسّخ أيضاً في أوساط كرة القدم الأوروبية. ففريق أي سي ميلان، وهو أحد أبرز أندية كرة القدم الإيطالية يستعمل النمذجة التنبؤية (Predictive Modeling) التي يضعها مختبر ميلان Milan Lab، وهو مركز الأبحاث التابع له، من أجل الحيلولة دون وقوع الإصابات بين صفوف اللاعبين، من خلال تحليل البيانات الجسدية، والنفسية، والعظمية المستمدّة من مجموعة متنوّعة من المصادر. أمّا فريق كرة القدم الإنكليزي بولتون وانديريرز Bolton Wanderers الصاعد بسرعة فيشتهر باستعمال مدرائه للبيانات الشاملة لتقويم أداء اللاعبين.

ومع ذلك، فإن المدراء الرياضيين – حالهم حال قادة قطاع الأعمال – نادراً ما يكونون من الذين يؤمنون إما بالحقائق فقط أو بالمشاعر فقط. فعلى سبيل المثال، يبرع توني لا روسا Tony La Russa، مدرّب فريق سانت لويس كاردنالز St. Louis Cardinals، في الجمع ما بين تحليل البيانات الضخمة وحدسه الشخصي ليقرّر متى يستبدل لاعباً متحمّساً في الفريق أو متى يوظّف شخصية حماسية ترفع معنويات فريقه. ويصف بوز بيسينغير Buzz Bissinger في كتابه الصادر مؤخراً “ثلاث ليالٍ في أغسطس/آب” (Three Nights in August) هذا التوازن قائلاً: “لقد ثمّن لاروسا عالياً المعلومات التي تولّدها الكمبيوترات. فقد درس الأعمدة والصفوف. لكنه عرف أيضاً أنها لا يمكن أن تفيده في البيسبول إلا إلى حدّ معيّن، وقد يصل بها الأمر إلى إرباكه إذا كان هناك إفراط في التحليل. وعلى حدّ رأيه، ليس هناك طريقة كميّة لقياس الرغبة. وقد منحته هذه الأرقام ما يحتاج إلى معرفته تماماً عندما أضيفت إلى 24 عاماً من الخبرة في مجال الإدارة.”

تلك الجملة الأخيرة هي المفتاح الأساسي. فسواء كان القادة يتمّعنون في دراسة سجل أداء شخص ما، أو يراقبون التعابير التي تظهر على وجه أحد الموظفين، فإنهم يستعينون بخبرتهم الشخصية ليفهموا “الأدلّة والبراهين” بجميع أشكالها.

تشريح مفصّل للشركات المتنافسة على تحليل البيانات الضخمة

ماريوت إنترناشيونال هي واحدة من الشركات الرائدة والمتفوّقة في مجال التنافس على تحليل البيانات الضخمة، فقد حوّلت، خلال العشرين عاماً الماضية، نظام تحديد الأسعار المثالية لتأجير غرف الفندق (وهي العملية الأساسية المُستخدمة لتحليل البيانات في الفنادق، والمعروفة باسم “إدارة الإيرادات”) إلى علم حقيقي. أمّا اليوم فإن طموحاتها باتت أكبر بكثير. فمن خلال برنامجها الشامل للاستفادة المثلى من الفندق (Total Hotel Optimization Program)، وسّعت شركة ماريوت خبرتها الكميّة لتشمل مجالات أخرى مثل مرافق المؤتمرات والإطعام، وجعلت الأدوات المرتبطة بهذا البرنامج متاحة على الإنترنت لمدراء عائدات الممتلكات ومالكي الفندق. وطوّرت أنظمة لتحسين العروض المقدّمة إلى الزبائن الدائمين، وتقويم مدى احتمال تخلي هؤلاء الزبائن عنها والذهاب إلى المنافسين. وقد منحت مدراء الإيرادات المحليين سلطة تجاوز توصيات النظام الحاسوبي عندما عندما تطرأ عوامل محلية لا يمكن التنبؤ (مثل وصول أعداد ضخمة من الأشخاص الذين أخليوا من منازلهم إلى هوستن بسبب الإعصار كاترينا). كما ابتكرت الشركة أيضاً نموذجاً للعائدات التي تحققها الفرص، يقوم بحساب النسبة المئوية للإيرادات الفعلية إلى الأسعار المثلى التي كان يمكن تقاضيها. وقد نما هذا الرقم من 83% إلى 91% عندما مدّ برنامج تحليل البيانات المتعلقة بإدارة الإيرادات جذوره في جميع أنحاء المؤسسة. وقد انتشرت بين أصحاب الممتلكات والحاصلين على تراخيص من العلامات التجارية عبارة: إذا أردتم تحقيق الإيرادات القصوى من ممتلكاتكم وأعمالكم، فمنهجية ماريوت هي وسيلتكم.

من الواضح أن مؤسسات كماريوت لا تنتهج أسلوباً مشابهاً لأسلوب الشركات التقليدية. فالزبائن يشعرون في كل تفاعل لهم مع الشركة بحجم الفرق بينها وبين غيرها؛ أمّا الموظفون والمورّدون فإنهم يعيشون الفرق كل يوم. لقد توصّلت دراستنا إلى ثلاث سمات أساسية تميّز المتنافسين في مجال تحليل البيانات الضخمة:

الاستعمال الواسع النطاق للنمذجة (Modelling) والوصول إلى الحالة المثالية (Optimization)

يمكن لأي شركة أن تنتج إحصائيات وصفية بسيطة تتعلق بجوانب معيّنة في عملها – مثل وسطي نصيب الفرد من الإيرادات، مثلاً، أو وسطي حجم الطلبيات. لكن المتنافسين في مجال تحليل البيانات الضخمة يتطلّعون إلى ما هو أبعد من هذه الإحصائيات الأساسية. فهذه الشركات تستعمل النمذجة التنبؤية (predictive modeling) لتحديد أكثر الزبائن ربحية – إضافة إلى أكثر الزبائن احتمالاً لتوليد الربحية مستقبلاً، والزبائن الذي قد يلغون حساباتهم مع الشركة. كما تُجمّع هذه الشركات البيانات الموّلدة داخلياً وتلك التي تحصل عليها من مصادر خارجية (وتحلّلها بعمق أكبر بالمقارنة مع منافسيها الأقل اهتماماً بالإحصائيات) لكي تتوصّل إلى فهم زبائنها فهماً شاملاً. وهي تحاول ضمان الوصول إلى الحالة المثالية في سلسلة توريداتها، ممّا يتيح لها تحديد الأثر الذي يمكن أن يتركه عائق غير متوقّع، وإجراء محاكاة للبدائل، وتحويل الشحنات المرسلة إلى الزبائن بعيداً عن مناطق المشاكل. وهي تحدّد الأسعار آنياً لتحصل على أعلى عائد ممكن من كل عملية تقوم بها مع الزبائن، كما أنها تصمّم نماذج معقدة تبيّن العلاقة الموجودة بين تكاليفها التشغيلية وأدائها المالي.

كما ويستعمل الروّاد في مجال تحليل البيانات الضخمة أيضاً تجارب معقّدة لقياس الأثر الإجمالي لاستراتيجياتهم في التدخّل، ثمّ يضعون النتائج التي يتوصّلون إليها موضع التنفيذ من أجل إدخال تحسين دائم على ما يقومون به من تحليلات فرعية. إذ يجري بنك كابيتال وان، على سبيل المثال، أكثر من 30 ألف تجربة سنوياً، مع وجود اختلاف كل مرة في معدّلات الفائدة، والحوافز، والعروض المرسلة بالبريد، وغير ذلك من المتغيّرات. والهدف منها هو زيادة احتمال حصول الأمرين التاليين إلى أقصى حدّ ممكن: الأول هو أن يقوم الزبائن المحتملون بتقديم طلبات للحصول على بطاقات ائتمانية، والثاني هو أن يسدّدوا ديونهم لكابيتال وان.

وتطبّق بروغريسيف، من جهتها، تجارب مشابهة مستفيدة من البيانات المتاحة في قطاع التأمين على نطاق واسع. فتقوم الشركة بتعريف مجموعات ضيّقة (أو خانات) من الزبائن: مثل سائقي الدراجات النارية، البالغين من العمر 30 عاماً أو أكثر، والحائزين على تعليم جامعي، وعلى جدارة ائتمانية أعلى من مستوى معيّن، والذين يمتلكون سجلاً خالياً من الحوادث. وتُجري الشركة، في كل خانة من الخانات، ما يسمّى في علم الإحصاء “تحليل الانحدار” (regression analysis) لتحديد العوامل الأكثر ارتباطاً بالخسائر التي يمكن لهذه المجموعة أن تسببّها. ومن ثمّ تحدّد أسعاراً للخانات، يمكن أن تساعد الشركة على تحقيق ربح من محفظة تضمّ مجموعات الزبائن، وتستخدم برمجية محاكاةٍ لمعرفة التبعات المالية لهذه الافتراضات. وباستعمال بروغريسيف لهذه المنهجية، فإنها يمكن أن تقدّم خدمات تأمينية مربحة لزبائن يقعون ضمن فئات تعتبر تقليدياً عالية الخطورة. أمّا شركات التأمين الأخرى، فإنها ترفض الزبائن الذين يتّصفون بخطورة عالية مباشرة دون تكبّد عناء التعمّق في البيانات (على الرغم من أن حتى منافسة تقليدية مثل أول ستيت Allstate قد بدأت تتبنّى تحليل البيانات كاستراتيجية لها).

تطبيق المنهجية على مستوى المؤسسة بأكملها

يدرك المتنافسون في مجال تحليل البيانات أن استعمال التقنيات الكمية المعقّدة يمكن أن يُحسّن معظم الوظائف المؤسسية – بما فيها الوظائف التي كانت تاريخياً تعتمد على الفن أكثر من اعتمادها على العلم، كالتسويق مثلاً. فهذه المؤسسات لا تحصل على الميزة من “تطبيق قاتل” وحيد فقط، بل من تطبيقات متعدّدة تدعم عدّة أجزاء من الشركة – وفي بعض الحالات تطلق هذه التطبيقات ليستعملها الزبائن والمورّدون.

تُعتبر شركة يو بي إس (UPS) نموذجاً لشركة تحوّلت من مجرّد مُستخدم لتحليل البيانات المُستهدفة، إلى منافس شامل في مجال تحليل البيانات. ورغم أن الشركة هي من بين أشد شركات العالم صرامة في ممارسة بحوث العمليات والهندسة الصناعية، إلا أن قدراتها، وحتى عهد قريب، كانت مركزة في مجال ضيق. أمّا اليوم فإن (UPS) توظّف مهاراتها الإحصائية لتتبّع حركة الطرود، وتوقّع سلوك الناس والتأثير فيه – أي تقويم احتمال تناقص أعداد الزبائن وتحديد أسباب المشكلة. فالمجموعة المكلفة باستقصاء أوضاع الزبائن في الشركة، على سبيل المثال، قادرة على أن تتنبأ بدقّة بترك الزبائن للشركة وتحوّلهم إلى غيرها، من خلال دراسة أنماط الاستخدام والشكاوى. وعندما تشير البيانات إلى احتمال خسارة أحدهم، يقوم مندوب مبيعات بالاتصال بذلك الزبون ليراجع معه المشكلة ويحلّها، الأمر الذي يقّلل كثيراً من فقدان الزبائن. لكن (UPS) ما زالت تفتقر إلى المبادرات الواسعة التي تطبّقها أي شركة متنافسة تسخّر طاقتها القصوى في مجال تحليل البيانات، لكنها في تسير في ذلك الاتجاه.

يتعامل المتنافسون في مجال تحليل البيانات الضخمة مع جميع هذه النشاطات، ومهما كان مصدرها، بوصفها مبادرة وحيدة متكاملة. وغالباً ما تُجمع هذه النشاطات تحت عنوان عريض مثل “الاستراتيجية المستندة إلى المعلومات” في كابيتال وان، أو “إدارة الزبائن بالاستناد إلى المعلومات” في بنك باركليز (Barclays Bank). ولا تعمل هذه البرامج تحت عنوان مشترك فحسب، وإنما تنضوي تحت قيادة مشتركة أيضاً وتستعمل تكنولوجيا وأدوات مشتركة. ففي الشركات التقليدية، نرى أن عملية “الاستخبارات التجارية” (وهو تعبير يستعمله المنخرطون في مجال تكنولوجيا المعلومات لوصف عمليات وبرمجيات تحليل البيانات ووضع التقارير الخاصّة بها) تدار عموماً على مستوى الأقسام؛ وتختار الوظائف المعنية بدراسة الأرقام والبيانات أدواتها الخاصّة، وتتحكم بمستودعات البيانات الخاصة بها، وتدرّب موظفيها بنفسها. لكن هذه هي الفوضى بعينها؛ أولاً، لأن تزايد البيانات المجدولة وقواعد البيانات التي طوّرها المستخدمون ستؤدي حتماً في النهاية إلى ظهور نسخ متعدّدة من المؤشرات الرئيسية ضمن المؤسسة الواحدة. وثانياً، لأن الأبحاث أظهرت أن ما بين 20% و40% من البيانات المجدولة تحتوي على أخطاء؛ وبالتالي كلما ازداد معدّل انتشار هذا النوع من الملفات في أنحاء الشركة، كلّما أصبحت تربة خصبة لتكاثر الأخطاء. أمّا المتنافسون في مجال تحليل البيانات الضخمة، في المقابل، فهم مجموعات متمركزة في مكان واحد لضمان حُسن إدارة البيانات الأساسية وغير ذلك من المصادر، ولضمان سهولة تبادل البيانات بين مختلف أجزاء المؤسسة، دون العوائق الناجمة عن استخدام صيغ وتعاريف ومعايير متباينة.

بعض المتنافسين في مجال تحليل البيانات يطبّقون هذه المنهجية الشاملة للمؤسسة بأكملها على الموظفين تماماً كما يطبّقونها على التكنولوجيا. فشركة بروكتر آند غامبل (Procter & Gamble)، على سبيل المثال، أنشأت مؤخراً مجموعة لتحليل البيانات سمّتها (überanalytics) مؤلفة من أكثر من 100 محلّل من وظائف مختلفة تشمل العمليات، وسلسلة التوريد، والمبيعات، وأبحاث المستهلك، والتسويق. ورغم أن معظم المحللين يشكلون جزءاً من موظفي الوحدات التشغيلية في المؤسسة، إلا أن المجموعة مدارة مركزياً. ونتيجة لهذا التوحيد في الإدارة، فإن بروكتر آند غامبل قادرة على الاستفادة عملياً من قدر كبير من الخبرات في التعامل مع أكثر القضايا إلحاحاً (يُوصف هذا القدر الكبير والكافي من الخبرات بعبارة “الكتلة الحرجة (critical mass)). فعلى سبيل المثال، يقدّم محلّلو المبيعات والتسويق البيانات الخاصّة بفرص النمو في الأسواق الحالية إلى المحللين الذين يصمّمون شبكات الإمداد في الشركة. ويستفيد محلّلو سلسلة التوريد بدورهم من خبرتهم في بعض تقنيات تحليل القرارات لتطبيقها في مجالات جديدة مثل استقصاء المعلومات الخاصّة بالمنافسين.

كما أن مجموعة المحللين في بروكتر آند غامبل تؤدّي دوراً مهمّاً في إبراز طريقة اتخاذ القرار ضمن الشركة والتي تقوم على التحليل والبيانات. ففي السابق، أسهم محللو البيانات في الشركة في تحسين عملياتها الداخلية ووفّروا عليها الكثير من المال؛ ولكن بما أنهم كانوا موزعين في أقسام متفرّقة، فإن العديد من المدراء التنفيذيين لم يكونوا يعلمون ما هي الخدمات التي يقدّمها هؤلاء الأشخاص وما مدى فعاليتهم. أمّا الآن، فإن المدراء التنفيذيين سيلجؤون على الأرجح إلى الاستفادة من خزان الخبرات الكبير هذا في مشاريعهم. وفي هذه الأثناء، باتت براعة بروكتور آند غامبل في تحليل الأرقام والبيانات الضخمة جزءاً من القصّة التي ترويها الشركة للمستثمرين، والصحافة، والجمهور.

اهتمام كبار المدراء التنفيذيين بهذه التحليلات والمناداة باستخدامها

يُسهم تبنّي الشركة بأكملها لتحليلات البيانات الضخمة في إحداث تغيّرات في الثقافة، والعمليات، والسلوكيات والمهارات تطال جميع الموظفين. وبالتالي، فإن هذه العملية، حالها حال أي عملية انتقالية، تتطلّب حسّاً قيادياً من أعلى المدراء التنفيذيين المتحمسين للمنهج الكمي؛ وفي الحالة المثالية، يكون أكبر المناصرين لهذه التحليلات هو الرئيس التنفيذي. وقد وجدنا بالفعل أن هناك العديد من المدراء التنفيذيين الذين قادوا عملية التحوّل نحو تحليل البيانات في شركاتهم خلال السنوات القليلة الماضية، بمن فيهم لوفمان في هاراز، وجيف بيزوس (Jeff Bezos) في أمازون، وريتش فيربانك (Rich Fairbank) في كابيتال وان. وقبل تقاعد باري بيراتشا (Barry Beracha)، الرئيس التنفيذي السابق في سارة لي بيكيري غروب (Sara Lee Bakery Group)، كان يحتفظ على طاولته بشعار يلخّص فلسفته الشخصية والمؤسسية بالقول: “نحن نؤمن بالله. أما الباقون فيلزمهم بيانات”. وقد صادفنا بعض الشركات التي حاول فيها رئيس وحدة وظيفية أو تجارية أن يدفع بمفرده نحو استخدام تحليل البيانات في جميع أنحاء المؤسسة، وقد تمكّن عدد منهم من إحراز بعض التقدّم؛ لكننا اكتشفنا أن هؤلاء الأشخاص الذين يحتلّون مواقع في مستويات أدنى كانوا يفتقرون إلى النفوذ، والرؤية، والإطار الذي يضم خبرات وظيفية متعددة للتمكن من إحراز تغيير ذي شأن في ثقافة المؤسسة.

ولا بد أن يكون لدى الرؤساء التنفيذيين الذين يتولّون مهمة إدخال تحليل البيانات إلى مؤسساتهم تقدير لهذا الموضوع ومعرفة تامة به. وليس من الضروري أن تكون لديهم خلفية إحصائية، لكن قادة من هذا النوع يجب أن يفهموا النظرية الكامنة وراء الأساليب الكميّة المختلفة بحيث يتمكنون من إدراك حدود تلك الأساليب – أي ما هي العوامل ذات الأهمية وتلك التي لا أهمية لها. وعندما يحتاج الرؤساء التنفيذيون إلى من يساعدهم في استيعاب التقنيات الكميّة، فإنهم يلجؤون إلى الخبراء الذين يفهمون عمل الشركة وكيف يمكن تطبيق تحليل البيانات عليه. أجرينا مقابلات مع عدد من القادة الذين كان لديهم مستشارون من هذا النوع، وقد أكّد هؤلاء المدراء التنفيذيون على الحاجة إلى العثور على شخص يمكنه أن يفسّر الأمور بلغة بسيطة وأن يكون موثوقاً بحيث يحافظ على سرية الأرقام. وقد أحاط عدد من المدراء التنفيذيين الذين تحدّثنا إليهم أنفسهم بأشخاص ذوي خبرة هائلة في التحليل، مثل أساتذة الجامعات، والاستشاريين، وخرّيجي جامعة (MIT)، ومن هم في حكمهم. غير أن ذلك كان خياراً شخصياً مفضّلاً أكثر من كونه ممارسة ضرورية.

اقرأ أيضاً: الإدارة هي أكثر بكثير من مجرد علم محدودية اتخاذ القرارات بناء على البيانات

بالطبع، يجب ألا تُبنى جميع القرارات على تحليل البيانات – على الأقلّ ليس كلّها. فالمسائل المتعلّقة بالموظفين، على نحو خاص، غالباً ما يستند الحكم فيها إلى الإحساس الفطري والقصّة الشخصية. لكننا نجد الآن أعداداً متزايدة من المؤسسات تُخضِع قرارات التوظيف للتحليل الإحصائي (راجع المربّع الجانبي الذي يحمل عنوان “الانحياز إلى الإحصائيات”). غير أن الأبحاث تُظهر أن البشر قادرون على إطلاق أحكام سريعة ومدهشة في دقتها على شخصيات الآخرين وطباعهم اعتماداً على ملاحظات بسيطة. وبالتالي، فإن التحدّي بالنسبة للقادة الميّالين إلى تحليل البيانات يكمن في معرفة متى يجب أن يديروا مؤسساتهم بناءً على الأرقام ومتى يديرونها بحدسهم.

أشياء بوسعكم الاعتماد عليها

يُعتبر المتنافسون بناءً على تحليل البيانات الضخمة من الخبراء البارعين في استخدام علم الإحصاء والنمذجة من أجل تحسين طيف واسع من الوظائف. وفيما يلي بعض التطبيقات الشائعة:

الوظيفةالتوظيفالجهات التي تُعتبر نموذجاً يُحتذى
سلسلة التوريدتحفيز تدفقات سلسلة التوريد وإيصالها إلى الحالة المثالية؛ وتقليل المخزونات ونفاد البضاعةديل، وول مارت، أمازون
انتقاء الزبائن، وولاء الزبائن، وخدمة الزبائنتحديد الزبائن الذين يحملون أكبر قدرة كامنة على توليد الأرباح؛ وزيادة احتمال رغبتهم في اقتناء المنتج أو الحصول على الخدمة؛ والمحافظة على ولائهمهاراهز، كابيتنال وان، باركليز
التسعيرتحديد السعر الذي سيضمن تحقيق أقصى عائد، أو ربحبروغريسيف، ماريوت
رأس المال البشرياختيار أفضل الموظفين لأداء مهام أو وظائف معيّنة، مقابل مستويات معيّنة من التعويضاتنيو إنغلاند باتريوتس، أوكلاند أيز، بوسطن ريد سوكس
جودة المُنتَج والخدمةكشف مشاكل الجودة مبكّراً والتقليل من هذه المشاكل إلى الحد الأدنىهوندا، إنتل
الأداء الماليفهم المحرّكات الأساسية للأداء المالي وتأثيرات العوامل غير المالية فهماً أفضلإم سي آي، فيرايزون
الأبحاث والتطويرتحسين جودة المنتجات والخدمات، وكفاءتها، وكذلك تحسين درجة الأمان فيها في بعض الحالات التي ينطبق عليها ذلكنوفارتيس، أمازون، ياهو

مصادر القوّة لديها

تُعتبر الشركات المتنافسة على تحليل البيانات الضخمة أكثر من مجرّد ماكينات أرقام. صحيح أنها تطبّق التكنولوجيا على عدد من المشاكل في الشركة – وبمزيج من القوّةِ الشرسةِ والبراعة، لكنها توجّه طاقاتها أيضاً نحو إيجاد التركيز الصحيح، وبناء الثقافة الصائبة، وتوظيف الأشخاص المناسبين بغية الاستفادة القصوى من البيانات التي لا تتوقف عن استخلاصها. فالموظفون والاستراتيجية، في النهاية، يساهمون في بناء قوة المؤسسة، بمقدار ما تساهم تكنولوجيا المعلومات.

التركيز الصحيح

رغم أن الشركات المتنافسة في مجال تحليل البيانات تشجّع اتّخاذ القرارات استناداً إلى البيانات الشاملة، فإنها يجب أن تختار المكان الذي تريد أن توجّه إليه الجهود التي تحتاج إلى كميّة مكثّفة من الموارد. إن هذه الشركات، بشكل عام،  تنتقي عدداً من الوظائف أو المبادرات التي تخدم استراتيجيتها الشاملة. فشركة هاراز، على سبيل المثال، قد وجّهت معظم نشاطها في مجال تحليل البيانات الضخمة نحو زيادة ولاء الزبائن، وخدمة الزبائن، والمجالات المتعلّقة بذلك مثل التسعير والعروض الترويجية. أمّا (UPS) فقد وسّعت نطاق تركيزها من الشؤون اللوجستية إلى الزبائن، بغية تقديم خدمة رفيعة. صحيح أن هذه الاستراتيجيات المتشعّبة تعتبر من السمات المُميّزة للشركات المتنافسة في مجال تحليل البيانات، إلا أن من قابلناهم من المدراء التنفيذيين قد حذّروا الشركات من زيادة التوسّع في مبادراتها، أو فقدان الرؤية الواضحة للغرض التجاري الكامن وراء كل واحدة من هذه المبادرات.

أمر آخر يجب أخذه بالحسبان عند تخصيص الموارد ألا وهو مدى قابلية وظائف معيّنة للتحليل العميق. فهناك على الأقل سبعة أهداف شائعة للنشاط التحليلي، ويمكن لصناعات وقطاعات محدّدة أن تعرض أهدافها الخاصّة بها (راجعوا “أشياء بوسعكم الاعتماد عليها”). فالنماذج الإحصائية واللوغاريتمات التي تلوّح بإمكانية تحقيق اختراقات كبيرة في الأداء، تضفي على بعض الآفاق إغراء خاصاً. فالتسويق، على سبيل المثال، كان دائماً من الأشياء التي يصعب تحويلها إلى مقدار كمّي لأنه متجذّر في علم النفس. غير أن شركات المنتجات الاستهلاكية بات بوسعها الآن أن تعزّز أبحاثها التسويقية باستعمال نظرية المنفعة متعدّدة الصفات (multiattribute utility theory) – وهي أداة لفهم سلوكيات المستهلكين وقراراتهم والتكهّن بها سلفاً. وبصورة مشابهة، تتبنّى صناعة الإعلانات الاقتصاد القياسي – وهي تقنيات إحصائية لقياس الفائدة المتحققة من عدّة إعلانات وعروض ترويجية مع مرور الوقت.

لا يكتفي أكثر الممارسين لتحليل البيانات كفاءة بقياس العناصر التي تهمّهم، وإنما يساعدون الزبائن والمورّدين أيضاً في قياس عناصرهم الخاصّة بهم. ولنأخذ شركة وول مارت Wal-Mart، مثلاً، والتي تصرّ على أن يستعمل مورّدوها لنظامها ريتيل لينك (Retail Link) بغية مراقبة حركة المنتجات في كل متجر، وتخطيط العروض الترويجية وتصاميم المكان ضمن المتاجر، وتقليل عدد حالات نفاد الكميات. وتوفّر غالو (E.&J. Gallo) للموزّعين بيانات وتحليلات تخصّ تكاليف بائعي التجزئة وسياسات التسعير بحيث يمكنهم احتساب ربحية كل زجاجة من 95 صنفاً من النبيذ تنتجها الشركة. أمّا الموزّعون فيستعملون بدورهم تلك المعلومة لمساعدة بائعي التجزئة على تحديد المزيج الأمثل من الأصناف، ولإقناعهم بزيادة مساحات الرفوف المخصّصة لمنتجات شركة غالو. وتوفّر بروكتر آند غامبل بيانات وتحليلات لزبائنها من بائعي التجزئة، كجزء من برنامج يدعى “الخلق المشترك للقيمة”، ولمورّديها كذلك للمساعدة في تحسين سرعة الاستجابة وتقليل التكاليف. كما تؤمّن شركة أوينز آند ماينور (Owens & Minor) المتخصصة بمستلزمات المشافي خدمات مشابهة تمكّن الزبائن والمورّدين من الوصول إلى بيانات الشراء والبيع الخاصّة بهم، وتحليلها، وتتبّع أنماط الطلبيات بحثاً عن فرص لتعزيزها، ونقل المشتريات التي تتمّ دون عقود لتصبح جزءاً من العقود الجماعية التي تشمل منتجات توزّعها أوينز آند ماينور ومنافسوها. فقد تُبيّنُ أوينز آند ماينور، مثلاً، للمدراء التنفيذيين في سلسة مستشفيات حجم الأموال التي يمكن أن يوفّروها فيما لو وحّدوا المشتريات في عدّة مواقع، أو قد تساعدهم في رؤية محاسن ومساوئ زيادة وتيرة استلام البضاعة، في مقابل محاسن ومساوئ الاحتفاظ بمخزونات إضافية.

الثقافة الصحيحة

إن الثقافة مفهوم ناعم، بينما يعتبر تحليل البيانات علماً صارماً. ومع ذلك، فإن الشركات المتنافسة في مجال تحليل البيانات يجب أن ترسّخ الاحترام لقياس البراهين الكمية، واختبارها وتقويمها، على نطاق الشركة بأسرها. هذه الشركات تحثّ الموظفين على الاستناد في قراراتهم إلى حقائق صلبة، ويعلم هؤلاء الموظفون أن أداءهم يُقاس بالطريقة ذاتها. وتتبنّى أقسام الموارد البشرية في الشركات المتنافسة في مجال تحليل البيانات الضخمة موقفاً صارماً تجاه تطبيق المقاييس الكميّة على تعويضات الموظفين ومكافآتهم. فشركة هاراز، على سبيل المثال، أحدثت بين جدرانها تحوّلاً هائلاً منتقلةً من ثقافة مكافآت وتعويضات تستند إلى الطريقة الأبوية ومدّة خدمة الموظف، إلى ثقافة أخرى تستند إلى مقاييس أداء مجمّعة بدقة متناهية مثل النتائج المالية ونتائج خدمة الزبائن. كما يقدّم المدراء التنفيذيون مثالاً يُحتذى من خلال سلوكهم وإظهارهم نهماً للحقائق والتحليلات وتعبيرهم عن الثقة بها. وقد كان بيراتشا في “سارة لي بيكري غروب”، من القادة الذين يُعدّون نموذجاً وقدوة، وكان يُعرف بين موظفيه بلقب “كلب البيانات” لأنه كان يطاردهم باستمرار بحثاً عن البيانات التي تدعم أي فكرة جازمة أو فرضية ينطقون بها.

وفي الثقافة السائدة في المؤسسات التي تعتمد على تحليل البيانات ليس من المستغرب أن نجد أحياناً توتّراً بين روحية الابتكار أو ريادة الأعمال المنطوية على شيء من المجازفة، ومتطلّبات تقديم الدليل. فبعض الشركات لا تمنح اهتماماً لأعمال التطوير التي تصفها بأنها غير عملية أو غير مضمونة الربح، والتي تجد المصمّمين أو المهندسين فيها يلاحقون وميض فكرة لمع في عين شخص ما. وفي هذه المؤسسات، تستند مهام التطوير والأبحاث، كما هو الحال في الوظائف الأخرى، إلى مقاييس صارمة. ففي كل من ياهو، وبروغريسيف، وكابيتال وان، تخضع أي تغييرات مُدخلة على العمليات أو المنتجات إلى الاختبار على نطاق ضيّق، ويجري تنفيذها في وقت متزامن مع التثبّت من صحّتها. كما أن هذه المنهجية، التي تُعتبر راسخة تماماً في العديد من الفروع العلمية والتجارية (بما في ذلك الهندسة، وإدارة الجودة، وعلم النفس)، يمكن تطبيقها على معظم عمليات الشركة – وحتى في المجالات التي قد لا تبدو بديهية، مثل الموارد البشرية وخدمة الزبائن. فقد يقوم قسم الموارد البشرية، على سبيل المثال، بإنشاء ملفات هي عبارة عن نبذة تضم السمات الشخصية لكل مدير وأسلوبه في القيادة، ثم إجراء اختبارات لهؤلاء المدراء في أوضاع مختلفة. ويمكنه بعد ذلك مقارنة بيانات أداء الأفراد مع البيانات المتوفّرة حول أنماط الشخصيات المختلفة لتقرير ما هي السمات الأكثر أهمية لإدارة مشروع معيّن متأخّر عن موعده، مثلاً، أو مساعدة أفراد مجموعة جديدة في التأقلم مع بعضهم بعضاً.

تعلمون أنكم من المنافسين بناءً على تحليل البيانات الضخمة عندما ….

  1. لا تقتصرون في تطبيق أنظمة المعلومات المعقّدة والتحليلات الصارمة على مجال نشاطكم الأساسي فحسب، وإنما تطبّقونها أيضاً على مجموعة من الوظائف المتنوّعة والمتفاوتة مثل التسويق والموارد البشرية.
  2. لا يكون فريق المدراء التنفيذيين لديكم مدركاً لأهمية امتلاك القدرات في مجال تحليل البيانات الضخمة فحسب، وإنما يصبّ اهتمامه أيضاً على تطوير هذه القدرات والمحافظة عليها.
  3. لا تنظرون إلى عملية اتخاذ القرارات المُستندة إلى الحقائق بوصفها من الممارسات الفضلى فقط، وإنما بوصفها أيضاً جزءاً من الثقافة التي يركّز عليها المدراء التنفيذيون ويبلغونها إلى المعنيين على الدوام.
  4. لا توظّفون أشخاصاً يمتلكون مهارات تحليلية فقط، وإنما الكثير من الأشخاص الذين يتمتّعون بأفضل المهارات التحليلية – وتعتبرونهم عاملاً أساسياً لنجاحك.
  5. لا تطبّقون تحليل البيانات الضخمة في كل وظيفة وقسم تقريباً فحسب، وإنما تولونها أهمية استراتيجية كبيرة إلى حد أنكم تديرونها على مستوى المؤسسة وليس على مستوى القسم.
  6. لا تكونون خبراء في استيعاب الأرقام الهائلة فقط، وإنما تبتكرون مقاييسكم الخاصّة بكم لتستعملونها في عملياتكم الداخلية.
  7. لا تستعملون البيانات الغزيرة والتحليلات الداخلية في الشركة فحسب، وإنما تتقاسمونها أيضاً مع الزبائن والمورّدين.
  8. لا تستهلكون البيانات بشراهة فحسب، وإنما تغتنمون كل فرصة لتوليد المعلومات، مرسّخين بذلك ثقافة “الاختبار والتعلّم” التي تستند إلى عدد هائل من التجارب الصغيرة.
  9. لم تلتزموا بالمنافسة المبنية على تحليل البيانات الضخمة فحسب، وإنما كنتم تعملون منذ سنوات على بناء قدراتكم.
  10. لا تشدّدون على أهمية تحليل البيانات الضخمة داخل صفوف الشركة فحسب، وإنما تجعلون القدرات الكمية أيضاً جزءاً من القصّة التي تفخر مؤسستكم بأن ترويها في تقريرها السنوي وبأن تناقشها مع المحللين الماليين.

غير أن هناك حالات قد تستدعي اتخاذ قرار سريع بخصوص تغيير أمر ما أو تجريب شيء جديد مع عدم وجود وقت كافٍ لإجراء تحليل شامل، أو قد لا يكون بالإمكان جمع البيانات مسبقاً. على سبيل المثال، رغم أن جيف بيزوس في أمازون يفضّل أن يحدّد كمّيّاً ردود أفعال المستخدمين تجاه أي ميزة جديدة قبل إطلاقها، إلا أنه لم يكن قادراً على اختبار ميزة البحث داخل الكتب إلا إذا طبّقها على كتلة حرجة (أي كمية كبيرة بما يكفي) من الكتب (120.000 كتاب مبدئياً). وكان تطوير هذه الميزة باهظ التكلفة، ممّا زاد من حجم المخاطر. في هذه الحالة، كان بيزوس واثقاً من حدسه فقرر المغامرة متكلاً على إحساسه. وقد أثبتت هذه الميزة شعبتيها عندما أطلقت.

الأشخاص الصحيحون. توظف شركات التحليل أشخاصاً تحليليين – وكما هو حال جميع الشركات التي تتنافس على المواهب، فإنها تبحث عن الأفضل. فعندما احتاجت أمازون إلى رئيس جديد لسلسلة التوريدات العالمية فيها، مثلاً، قامت بتوظيف جانغ يو، وهو أستاذ جامعي في مجال علم الإدارة ورائد أعمال في البرمجيات، ويُعتبر مرجعية بارزة في مجال تحليل البيانات للوصول إلى الحالة المثالية. ويتطلّب نموذج الأعمال في أمازون إدارة تدفق دائم في المنتجات الجديدة، والمورّدين الجدد، والزبائن الجدد، والعروض الترويجية الجديدة، إضافة إلى تسليم الطلبيات في التواريخ المحددة. ومنذ أن وصل يو إلى منصبه، عمل هو وفريقه على تصميم وبناء أنظمة متطورة لسلسلة التوريد للوصول بهذه العمليات إلى الحالة المثالية. ورغم أنه يلقي على مسامع المدراء التنفيذيين في أمازون أحياناً عبارات من قبيل “عمليات عشوائية للأشياء غير الثابتة”، إلا أنه يجيد شرح المنهجيات الجديدة لهؤلاء المدراء بتعابير تجارية واضحة.

توظف الشركات الراسخة في مجال تحليل البيانات مثل كابيتال وان جيشاً من المحللين لإجراء التجارب الكميّة. وبعد أن يحصل هؤلاء المحلّلون على النتائج، يقومون بتصميم البطاقة الائتمانية وغير ذلك من العروض المالية. وتستدعي هذه الجهود مجموعة من المهارات المتخصّصة، كما ترون من هذا التوصيف الوظيفي (وهو من النماذج الشائعة لوظيفة محلل في كابيتال وان):

قدرات فكرية عالية في مجال حلّ المشاكل والتحليل الكمّي… خلفية تعليمية/ عملية في مجال الهندسة، و/أو الاستشارات، و/أو غير ذلك من مجالات التحليل الكمي. القدرة على تعلّم كيفية استعمال التطبيقات البرمجية بسرعة. امتلاك خبرة في مجال نماذج إكسل. يفضل من لديه شهادة دراسات عليا ولكنه ليس شرطاً ضرورياً (مثل ماجستير في إدارة الأعمال). يفضّل أن تكون لديه بعض الخبرة في منهجية إدارة المشاريع، وأدوات تحسين العمليات (تقليل الهدر، الحيود السداسي (معايير سيغما)) أو الإحصاء.

توظف الشركات الأخرى أناساً يحملون هذا النوع من المهارات، لكن الشركات المتنافسة في مجال تحليل البيانات توظّفهم بأعداد أكبر بكثير. ويبلغ عدد المحللين الذين تبحث كابيتال وان عنهم حالياً ثلاثة أضعاف عدد موظفي العمليات –وهي ممارسة غير شائعة في المصارف إلا في ما ندر. وقد قال أحد المدراء التنفيذيين في البنك مرّة: “نحن شركة من المحللين. هذه هي الوظيفة الأساسية في هذا المكان.”

كما أن المحللين الجيدين يجب أن يتمتّعوا بالقدرة على التعبير عن الأفكار المعقّدة بكلمات بسيطة، وأن يحظوا بالمهارات الاجتماعية التي تسمح لهم بالتفاعل الجيد مع صنّاع القرار. تقول إحدى شركات المنتجات الاستهلاكية التي تملك مجموعة مؤلفة من 30 شخصاً من محللي البيانات الضخمة أنها تبحث عمّا تسمّيه “حملة شهادات الدكتوراه ذوي الشخصيات المتميّزة – أي الناس الذين يمتلكون الخبرة في الرياضيات، والإحصاء، وتحليل البيانات والقادرين في الوقت ذاته على الحديث بلغة قطاع الأعمال والمساعدة في تسويق عملهم داخلياً، وأحياناً، خارجياً. ويصف رئيس مجموعة تحليل البيانات الضخمة الخاصّة بالزبائن في واتشوفيا بنك Wachovia Bank نوع الألفة التي تسعى مجموعته إلى تحقيقها مع الآخرين كما يلي: “نحن نحاول بناء موظفي مجموعتنا ليكونوا جزءاً من فريق الشركة. نريدهم أن يجلسوا إلى طاولة الاجتماعات، وأن يشاركوا في مناقشة القضايا الأساسية، ويقرّروا المعلومات التي يجب أن تكون متاحة لرجال الأعمال، ويوصوا شركاءنا التجاريين بالإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها. نريد لمجموعة تحليل البيانات هذه ألا تمثّل فائدة عامة فحسب، وإنما أن تكون جزءاً فعّالاً وأساسياً من نجاح الوحدة التجارية في المؤسسة.”

اقرأ أيضاً: استخدام “بلوك تشين” يحافظ على شفافية البيانات

قد يكون من الصعب، بالطبع، العثور على شخص واحد يتمتّع بهذه التوليفة من المهارات في مجالات التحليل، والأعمال، والعلاقات الشخصية. فعندما عندما تعلم شركة ساس SAS (وهي الجهة الراعية لهذا البحث إلى جانب إنتل Intel) أنها ستحتاج إلى خبير في أحدث ما توصّل إليه العلم من تطبيقات في مجال الأعمال مثل برامج النمذجة التنبؤية predictive modeling أو التقسيم التكراري recursive partitioning (وهو شكل من أشكال تحليل شجرة القرارات الذي يطبّق على مجموعة معقّدة جداً من البيانات)، فإنها تبدأ بالبحث قبل 18 شهراً من التاريخ الذي تتوقّع فيه ملء الشاغر الوظيفي.

لا يكتفي أكثر الممارسين لتحليل البيانات كفاءة بقياس العناصر التي تهمّهم، وإنما يساعدون الزبائن والمورّدين أيضاً في قياس عناصرهم الخاصّة بهم.

في الحقيقة، قد يكون وضع المواهب في مجال تحليل البيانات الضخمة خلال مطلع العقد الأول من الألفية الثالثة مشابهاً تماماً لما كان عليه وضع المواهب في مجال البرمجة في مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين. فأسواق العمل الأميركية والأوروبية لا تزخر، للأسف، بالمرشحين ذوي المهارات التحليلية المتطورة. وتحاول بعض المؤسسات التأقلم مع هذا الوضع من خلال تعهيد العمل إلى بلدان مثل الهند، التي تعتبر موطناً للعديد من الخبراء الإحصائيين. قد تنجح هذه الاستراتيجية عندما يحاول المحللون الأجانب في الخارج حل مشاكل منفصلة وقائمة بذاتها. ولكن عندما تكون هناك حاجة إلى نقاش تفاعلي مع صنّاع القرار، فإن بعد المسافة يمكن أن يصبح عائقاً كبيراً.

التكنولوجيا الصحيحة

التنافس على تحليل البيانات يعني التنافس على التكنولوجيا. وفي الوقت الذي يبحث فيه المنافسون الأكثر خطورة عن أحدث ما تم التوصل إليه في مجال اللوغاريتمات الإحصائية وعلم اتخاذ القرار، فإنهم لا يكفّون أيضاً عن رصد الجديد في تكنولوجيا المعلومات وتوسيع نطاق استخدامها. فمجموعة تحليل البيانات الضخمة في إحدى شركات المنتجات الاستهلاكية مضت إلى حد بناء الحاسب الفائق supercomputer الخاص بها، لأنها رأت أن النماذج المتوفرة تجارياً غير قادرة على تلبية احتياجاتها. ولا يُعتبر هذا النوع من المآثر البطولية ضرورياً، لكن التحليل الجدّي للبيانات يتطلّب ما يلي:

استراتيجية للبيانات

استثمرت الشركات عدّة ملايين من الدولارات في الأنظمة التي تلتقط المعلومات من كل مصدر يمكن تخيُّله، حيث أن أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP)، وإدارة العلاقات مع العملاء (CRM)، ونقاط البيع، وغير ذلك من الأنظمة التي تكفل ألا تحصل أي عملية أو تبادل مهم دون أن يترك أثراً. ولكنّ تنافس الشركات بناء على تلك المعلومات يحتّم عليها أن تعرضها بنماذج قياسية، وأن تدمجها، وتخّزنها في مستودع للبيانات، وأن تسهّل على أي كان الوصول إليها. وهي ستحتاج إلى الكثير منها. ، فقد تضطر شركة ما، على سبيل المثال، إلى قضاء سنوات عدّة في مراكمة البيانات الخاصّة بعدد من المناهج التسويقية قبل أن تكون قد جمعت ما يكفي للسماح لها بإجراء تحليل موثوق لفعالية حملة إعلانية معيّنة. فقد لجأت شركةُ ديل (Dell)، إلى توظيف DDB Matrix وهي وحدة تابعة للوكالة الإعلانية العالمية (DDB Worldwide) لكي تضع، على مدى سبع سنوات، قاعدة بيانات تشمل مليون ونصف المليون سجلّ يضم جميع ما يخصّ إعلانات هذه الشركة الصانعة للحواسب بجميع أشكالها المطبوعة والإذاعية والتلفزيونية وشبكات التلفزيون المنزلي وقنوات الكيبل، مقرونة ببيانات حول مبيعات ديل في كل منطقة ظهرت فيها الإعلانات (قبل ظهورها وبعد ظهورها). تسمح هذه المعلومات لشركة ديل بالضبط الدقيق لإعلاناتها الترويجية في كل وسيلة إعلانية من هذه الوسائل وفي كل منطقة.

برمجيات الاستخبارات التجارية

يشمل تعبير “الاستخبارات التجارية”، (والذي يُسمّى بالإنكليزية “business intelligence”) الذي ظهر للمرّة الأولى في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، مجموعة واسعة من العمليات والبرمجيات المُستعملة لجمع البيانات، وتحليلها، ونشرها بهدف تحسين عملية صنع القرار. وتسمح الأدوات الخاصّة بالاستخبارات التجارية للموظفين باستخراج البيانات وتحويلها إلى أشكال أخرى وتحميلها بغية تحليلها، ثمّ إتاحة هذه البيانات ضمن تقارير، وبيانات تحذيرية، ومصفوفات تنفيذية. وشعبية المنافسة في مجال تحليل البيانات هي، جزئياً، جواب على ظهور رزم متكاملة من هذه الأدوات.

الجهاز الخاصّ بعمليات الحساب (hardware)

قد تحدّ الأحجام الكبيرة للبيانات المطلوبة لتطبيقات تحليل البيانات من قدرة الحواسب والمخدمات (servers) ذات المواصفات العادية على العمل. لذلك يقوم العديد من المتنافسين في مجال تحليل البيانات بتحويل أجهزتهم إلى معالجات تدعم نظام (64-bit) القادرعلى معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة كبيرة.

رحلة المستقبل الطويلة

تمتلك غالبية الشركات في معظم الصناعات أسباباً وجيهة لانتهاج استراتيجيات تَحْكُمُها عمليات تحليل البيانات. فجميع الشركات التي عرّفناها على أنها شركات شديدة التنافس في حقل تحليل البيانات الضخمة تقريباً هي من الشركات الرائدة في مجالها، وهي تعزو معظم نجاحها إلى استغلالها المُتقن للبيانات. فتنامي المنافسة العالمية يعزّز الحاجة إلى هذا النوع من الإتقان. والشركات الغربية غير القادرة على هزيمة منافساتها الهندية أو الصينية في مجال تكلفة المنتج، مثلاً، يمكنها أن تسعى لتكون لها اليد الطولى من خلال إيصال عملياتها الداخلية إلى الحالة المثالية.

غير أن الشركات التي بدأت تبنّي هذه الاستراتيجيات لتوّها، ستجد أنها تحتاج إلى بضع سنوات كي تصل إلى حالة من الفعاليّة في العمل. وقد تحدّثت المؤسسات التي شملتها دراستنا عن رحلة طويلة، بل شاقةّ أحياناً. على سبيل المثال، قضى قسم البطاقات والقروض الاستهلاكية التابع لبنك باركليز في المملكة المتحدة خمس سنوات في تنفيذ خطّته الخاصة بتطبيق تحليل البيانات على البطاقات الائتمانية وغير ذلك من المنتجات المالية. وقد تعيّن على البنك إجراء تغييرات في العمليات في كل جانب تقريباً من جوانب قسم البطاقات والقروض الاستهلاكية: اكتتاب المخاطر، تقرير الحدود الائتمانية القصوى، وخدمة الحسابات، والحد من الاحتيال، وبيع الخدمات عبر الأقسام الأخرى، وما إلى هنالك. أمّا في الجانب التقني، فقد اضطر البنك إلى تحقيق التكامل بين البيانات الخاصّة بعشرة ملايين زبون لدى باركلي كارد Barclaycard، وتحسين جودة البيانات، وبناء أنظمة لتطوير جمع البيانات وتحليلها. إضافة إلى ذلك، أطلقت الشركة سلسلة طويلة من الاختبارات الصغيرة لكي تبدأ بمعرفة كيفية اجتذاب الزبائن بأخفض الأسعار والاحتفاظ بهم. وقد توجّب عليها تعيين أشخاص جدد يتمتّعون بأرفع المهارات في جانب التحليل الكمي.

سيكون معظم الوقت الذي تحتاجه الشركات المتنافسة في مجال تحليل البيانات الضخمة، وما يقابل ذلك من مصاريف، مخصّصاً للمهام التكنولوجية: أي تنقيح الأنظمة التي تنتج بيانات العمليات، وإتاحة البيانات في أماكن تخزينها، واختيار البرمجيات التحليلية وتنفيذها، وإنشاء بيئة التجهيزات الحاسوبية والاتصالات. وبما الشركات التي لا تدوّن التاريخ محكومة بألا تتعلّم منه، فإن الشركات التي جمعت معلومات قليلة، أو جمعت النوع الخاطئ من المعلومات، ستحتاج إلى مراكمة كمية كافية من البيانات لكي تدعم الشركة في وضع توقعات مستقبلية موثوقة. يقول أحد مدراء قسم تحليل البيانات الخاصّة بالمستهلكين في (UPS): “نحن نقوم بجمع البيانات منذ ست أو سبع سنوات، لكنها لم تصبح قابلة للاستعمال إلا آخر سنتين أو ثلاث سنوات، لأننا كنّا بحاجة إلى الوقت والخبرة للتحقّق من الاستنتاجات التي تستند إلى هذه البيانات.”

وبالطبع، يتعيّن على الداخلين حديثاً إلى حقل المنافسة على تحليل البيانات الضخمة ضخ دماء جديدة في عروق شركتهم (عندما أصبح غاري لوفمان كبير المسؤولين الماليين، ثم الرئيس التنفيذي لهاراهز، استقطب مجموعة في الخبراء الإحصائيين القادرين على تصميم وتنفيذ حملات تسويقية وبرامج للولاء تقوم على أسس كمّية). وفي هذه الأثناء، سيحتاج الموظفون الحاليون إلى تدريب شامل. فهم بحاجة إلى معرفة ما هي البيانات المتاحة وكافة الطرق التي يمكن استعمالها لتحليل هذه البيانات؛ كما أنهم يجب أن يتعلّموا تمييز بعض الحالات الشاذة والعيوب من قبيل: البيانات المفقودة، والبيانات المُكرّرة، ومشاكل الجودة. وقد أشار أحد المدراء التنفيذيين المنحازين إلى تحليل البيانات في بروكتر آند غامبل إلى أن الشركات يجب أن تبدأ بالاحتفاظ بالمدراء في مناصبهم لفترات زمنية أطول بسبب الوقت المطلوب لإتقان استعمال مقاربات التحليل الكمي في أعمالهم.

أطلق عالم الأمراض الألماني رودولف فيرتشوف يوماً تصريحاً شهيراً قال فيه إن واجب العلم يكمن في “توسيع حدود ما يمكن معرفته”؛ والشركات المتنافسة بناءً على تحليل البيانات الضخمة تسعى إلى تحقيق هدف مُشابه، رغم أن العالم الذي تحاول التعرّف عليه هو عالم مقيّد اكثر بسلوكيات الزبائن، وحركة المُنتجات، وأداء الموظفين، وردود الأفعال المالية. إن التقدّم الحاصل في التقنيات والأساليب يمنح الشركات كل يوم قدرات أفضل على التحكّم بالتفاصيل الدقيقة لعملياتها.

ليس فريق أوكلاند أيز هو الوحيد الذي يلعب بـ”كرة المال”، بل إن جميع الشركات، وفي كافة القطاعات، تريد أن تكون جزءاً من اللعبة المتعلقة بتعزيز مفهوم التنافس المبني على البيانات.

اقرأ أيضاً: استخدم هذه الطريقة للتأكد من نجاح مشاريعك المعتمدة على البيانات الكبيرة

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .