في كتاب بعنوان "لم لا نكون جميعاً على وفاق؟" (?Why Can’t We All Just Get Along) ناقش هنري ليبرمان وكريستوفر فراي، عالمان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لماذا نعاني من الحروب والفقر واسع النطاق وآفات اجتماعية أخرى. كما أوضحا أننا لا نتعاون مع بعضنا البعض لحل مشاكلنا الرئيسية لأن مؤسساتنا وشركاتنا قد تشبعت بروح التنافسية. إلا أنّ ليبرمان وفراي لديهما بعض الأخبار السارة، وهي أنّ التقنيات الحديثة تستطيع معالجة جذور المشكلة. ويعتقدان أنه بالإمكان التنافس في حالة ندرة الموارد وأنّ التطورات التقنية الحديثة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي ستقضي على تلك الندرة واسعة الانتشار. وبالتالي، سيظهر عالم جديد ما بعد الندرة يقوم على التعاون.  

ولكن هل يمكننا القضاء على هذه الندرة؟

نعتقد أنّ رؤية ما بعد الندرة للمستقبل تنطوي على مشاكل معقدة لأنها تعكس فهماً للتقنية والاقتصاد قد يزيد المشاكل التي تسعى إلى معالجتها سوء. وهذه أخبار سيئة، وإليك السبب:  

تصل التقنيات الحديثة لمستهلكيها كمنتجات نهائية يمكن مبادلتها بالمال. ولكن، ما لا يدركه المستهلكون غالباً أنّ التبادل النقدي يخفي بين طياته حقيقة أنّ العديد من هذه التقنيات موجودة على حساب أشخاص وبيئات محلية أخرى في مكان آخر في الاقتصاد العالمي. إنّ الاعتقاد البديهي بأنّ التقنية يمكن أن تنبع فقط من المال، كما يخبرنا علماء الأنثروبولوجيا، لهي فكرة متجذرة ثقافياً وتخفي حقيقة أنّ الندرة التي يعاني منها البعض ترتبط بالوفرة التي لا يتمتع بها سوى عدد قليل.  

يعتقد العديد من الناس أنّ المسائل المتعلقة بالندرة يمكن حلها باستخدام طرق إنتاج أكثر كفاءة. إلا أنّ هذا الطرح قد يتجاهل التبعات غير المقصودة في تحسين الكفاءة. وتعكس "مفارقة جيفونز" وهي نتيجة رئيسية تنسب إلى عالم الاقتصاد البريطاني في القرن التاسع عشر ستانلي جيفونز، كيف يمكن أن يؤدي تحسين الكفاءة إلى زيادة مطلقة في الاستهلاك نظراً لانخفاض أسعار الوحدة وإلى زيادة لاحقة في الطلب. على سبيل المثال، يؤدي اختراع محركات قطار أكثر كفاءة إلى الحصول على خدمات نقل أرخص، ما يحفز الثورة الصناعية. ولكن ذلك لم يقلل من معدل استخدام الوقود الأحفوري بل على العكس زاد من معدله. وهذا يعني أنه عندما تستخدم الماكينات طاقة أقل تكون تكلفتها أيضاً أقل ما يشجعنا غالباً على استخدامها أكثر، ما يؤدي إلى زيادة الصافي في استهلاك الطاقة.  

تؤكد لنا التجارب السابقة أنّ التقنيات عالية الكفاءة تشجع على زيادة إنتاجية المواد الخام والطاقة بدلاً من تقليلها. وتشير البيانات حول الاستخدام العالمي للطاقة والمواد الخام إلى أنّ الكفاءة المطلقة لم تحدث أبداً، فقد زاد استخدام الطاقة والمواد عالمياً ثلاثة أضعاف منذ سبعينيات القرن التاسع عشر. وبالتالي، نستطيع أن نفهم مسألة الكفاءة بشكل أفضل على أنها إعادة ترتيب لمصروفات الموارد بحيث تؤدي تحسينات الكفاءة في أحد جوانب الاقتصاد العالمي إلى زيادة مصروفات الموارد في الجانب الآخر.

ولعل الخبر السار في ذلك هو وجود البدائل. فقد أدى الانتشار الواسع لأجهزة الحاسوب المتصلة بشبكة الإنترنت إلى ظهور نماذج جديدة للأعمال بموارد مجتمعية ومفتوحة. على سبيل المثال: تأمل موسوعة  ويكيبيديا، وهي موسوعة حرة ومفتوحة استطاعت أن تكون في مكان موسوعة بريتانيكا ومايكروسوفت إنكارتا.

ويقوم على إعداد ويكيبديا والعمل عليها مجتمع من المتحمسين في أرجاء شتى تحركهم في المقام الأول دوافع أخرى غير منطق الربحية. بالإضافة إلى ذلك، لدينا في مجال البرمجيات نظام جي إن يو لينكس (GNU/Linux) الذي يقوم بتشغيل أفضل 500 حاسوب عملاق وأغلب المواقع الإلكترونية، أو مثال خادم ويب الأباتشي (Apache Web Server) الذي يعتبر برمجية متقدمة في سوق خوادم الويب. وهكذا تثبت ويكيبيديا والأباتشي ونظام جي إن يو لينكس كيف يمكن للتعاون غير القسري حول الموارد المتقاسمة عالمياً (أي الموارد المشاع) أن ينتج آثاراً مبتكرة كالتي أنتجتها الرأسمالية الصناعية، إن لم تكن أكثر.

وبنفس الطريقة، أدى ظهور المصانع متناهية الصغر المتصلة بشبكة الإنترنت إلى ظهور نماذج لأعمال جديدة مفتوحة المصدر في مجال التصميم والتصنيع. وهذه المساحات إما تكون مساحات مفتوحة للمبدعين أو معملاً للتصنيع أو غيرها من مساحات العمل المشترك المزودة بتقنيات التصنيع المحلية مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد وماكينات التحكم الرقمي باستخدام الحاسوب أو الأدوات والحرف اليدوية التقليدية ذات التقنية البسيطة. كما توفر تلك المساحات فضلاً عن ذلك بيئات تعاونية يمكن للأشخاص من خلالها الالتقاء وجهاً لوجه وخلق صداقات والتعاون المشترك فيما بينهم.

هذه هي البيئة التي يظهر فيها نمط جديد للإنتاج. يستند هذا النمط على التقاء الموارد الرقمية المشاعة من أجل المعرفة والبرمجيات والتصميم بتقنيات التصنيع المحلية. ويمكن تصنيف هذا النمط تحت شعار "التصميم العالمي بصناعة محلية" اتباعاً لمنطق أنّ ما يكون خفيفاً (المعرفة والتصميم) يصبح عالمياً بينما ما يكون ثقيلاً (الماكينات) يكون محلياً ويتم مشاركته بطريقة مثالية. ويبرهن هذا الشعار كيف يمكن لمشروع تقني تطوير المنتجات الإلكترونية المشاعة لضمان مشاركة المجتمع العالمي في تطويره وإعلان أشكال جديدة للتعاون. وعلى عكس الصناعات التحويلية واسعة النطاق، يؤكد نموذج "التصميم العالمي بصناعة محلية" على إمكانية التطبيق الذي يتسم بضيق النطاق واللامركزية والمرونة والخضوع للرقابة المحلية. وذلك انطلاقاً من قدرة هذا النموذج على تحديد حالات الندرة التي تفرضها الموارد المحدودة وتنظيم أنشطة المواد وفقاً لذلك. وهذا النموذج يقلل أولاً من الحاجة إلى شحن المواد لمسافات طويلة لأن جزء كبيراً من التصنيع يتم محلياً. كما أنّ التصنيع المحلي يجعل الصيانة أسهل بل ويشجع المصنعين على تصميم منتجات تدوم لأطول فترة ممكنة. وأخيراً، يعزز هذا النموذج تبادل المعرفة والتصميم، حيث لا توجد تكاليف ينبغي دفعها لبراءات الاختراع.    

هناك بالفعل نسيج غني بمبادرات التصميم العالمي بصناعة محلية في الاقتصاد العالمي، والتي لا تحتاج إلى أساس مادي موحد لأن القائمين عليها حاضرون في شتى أنحاء العالم. على سبيل المثال، هنالك لاتيلييه بايزان (L’ATELIER PAYSAN) في فرنسا وفارم هاك (Farmhack) في الولايات المتحدة، وهي مجمعات تصنع بشكل تعاوني الماكينات الزراعية مفتوحة المصدر للزراعة على نطاق ضيق، أو مشروع ويكيهاوس (Wikihouse) الذي أضفى الطابع الديموقراطي على إنشاء المساكن المستدامة بموارد بسيطة، أو مشروع أوبن بيونكس (OpenBionics) الذي ينتج تصميمات مفتوحة المصدر ومنخفضة التكلفة لأجهزة الروبوت والأجهزة البيونية، أو مجمع ريبراب (RepRap) الذي يبتكر هو الآخر تصميمات مفتوحة المصدر للطابعات ثلاثية الأبعاد التي يمكن أن تستنسخ نفسها ذاتياً. وهكذا تزدهر فرص تجارية جديدة حول تلك الموارد الرقمية المشاعة، تزامناً مع مشاركة الأشخاص في الإنتاج التعاوني الذي توجهه دوافع مختلفة.  

ماذا يعني هذا بالنسبة لمستقبل الأعمال غداً ومستقبل الاقتصاد العالمي ومستقبل العالم الطبيعي؟

أولاً، لا بدّ من الإقرار أنّ كل كائن بشري يحمل بداخله أسطورة الرجل الاقتصادي الذي يبحث عن مصلحته والمنشغل بزيادة أرباحه إلى أقصى حد – وسيستمر في تعايشه مع الكائن الاجتماعي الأكثر إيثاراً للغير والذي يحب أن يتواصل ويعمل من أجل المتعة والمشاركة. بيد أنّ مؤسساتنا متحيزة عن قصد لأنها تؤيد سلوكيات معينة دون الأخرى. وعندما نتأمل الرأسمالية الصناعية الحديثة، سنجد أنّ الأساس الذي بنيت عليه مؤسساتنا هو أننا جميعاً نملك في داخلنا تلك الأسطورة للرجل الاقتصادي. وبالتالي، فإننا بحاجة إلى بناء مؤسسات من شأنها أيضاً استغلال الكائن الاجتماعي وتمكينه من أجل حياة جيدة لا تنعكس دائماً في معدلات النمو والمؤشرات المالية الأخرى.  

ثانياً، ينبغي أن نقر بالتكاليف الاجتماعية والبيئية الخفية لتلك التقنيات. وأنّ ما يسمى "المجتمع الرقمي" يستند في الحقيقة إلى بنية تحتية كثيفة المواد والطاقة. ومن المهم إدراك ذلك حتى لا نعرّض حياة الأجيال الحالية والمستقبلية للخطر بتشجيع عدم الاستقرار البيئي الخطير والمشاكل الاجتماعية المرتبطة بها عن غير قصد.

وأخيراً، ستواصل شبكة جديدة من الشركات المترابطة التي ترتكز على أعمال مشتركة الظهور، ولن يكون الهدف من المشاركة زيادة الأرباح فحسب وإنما خلق أشكال جديدة من الأعمال من شأنها تمكين الكثير من المشاركة والاهتمام والتعاون على المستوى العالمي. وكلما أدرك المجتمع العالمي أنّ الوفرة التي يحصل عليها تعتمد على أناس آخرين وبيئات مستقرة أخرى، كلما أصبح أكثر إدراكاً لحقيقة أنّ الأعمال المستندة على الموارد المشتركة هي الطريق نحو المستقبل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!