أتلقّى كل بضعة أشهر اتصالاً من أحد الرؤساء التنفيذيين يطلب الاجتماع بي على انفراد، للحديث عن مدير التسويق الحالي في شركته. وعادة ما يكون هذا الرئيس التنفيذي قد ضاق ذرعاً بهذا المدير ويفكّر في تغييره. ولكنّه يريد مناقشة مختلف الخيارات المتاحة، وإجراء استعراض سريع لتحديد أفضل الأشخاص الموهوبين ليحلّ مكانه. وكان أكثر ما يقلقني من هذا الأمر أنه كان متكرراً. ربما يبدو هذا الكلام غير منطقي، بما أنّ نشاط الأشخاص المعنيين بتوظيف المدراء التنفيذيين يعتمد على وجود درجة معيّنة من التقلب في الوظائف. لكنّني وزملائي لا نشعر بالسعادة لرؤية هذا الفشل المتكرّر في منصب مدير التسويق.

إذ عندما يفشل هؤلاء المدراء يكون ذلك ناجم إلى حدّ كبير عن الإدارة السيئة للتوقعات. فالرؤساء التنفيذيون يريدون من مدراء التسويق لديهم أن يكونوا مسؤولين عن تحقيق النمو، لكن ليس جميع المدراء التنفيذيين بالضرورة يتمتّعون بالقدرات والخبرات وأساليب القيادة المطلوبة لزيادة الإيرادات والأرباح. كما يتمثّل جزء من التحدّي في دفع الجميع إلى التركيز على المواصفات الدقيقة للوظيفة. ففي غالب الأحيان تتحوّل عملية التوظيف إلى سباق للشعبية ويصب هذا في مصلحة المرشّحين ذوي الكاريزما. والكاريزما هي شيء مهم، ولكنّها إذا دفعت شركة ما إلى توظيف شخص لا تتناسب مهاراته مع ما هو مطلوب لأداء الدور، فإنها تزيد من احتمالات الفشل.

وحينما تُسند إليّ وزملائي مهمّة حضور هذه الاجتماعات، فإننا نناقش القضايا والمشاكل التي تخصّ الشركة المعنيّة بالتحديد. غير أنّ معظم النقاشات تنصبّ على السياق الأوسع الذي يوجد فيه مدراء التسويق، بما في ذلك هوية الأشخاص الأنسب لشغل المنصب، وأين يمكن العثور على أفضل الأشخاص الموهوبين في هذا المجال.

ويُعتبر واحد من أوائل الأسئلة التي أطرحها هو: ما نوع مدير التسويق الذي يريده "الرئيس التنفيذي" حقاً؟ هل يريد شخصاً تقتصر مهمّته على الإشراف على الإعلانات؟ هل يريد شخصاً يمتلك مهارات في زيادة التفاعل مع الزبائن باستعمال تقنيات التسويق الرقمي الحديث؟ هل يريد شخصاً يمتلك خبرة سابقة في مجال الأرباح والخسائر، ويستطيع إطلاق منتجات جديدة مُبتكرة وتنمية الإيرادات والأرباح؟ يتمثّل هدفي في مساعدة الرئيس التنفيذي على فهم أنّ الأدوار التي يؤدّيها مدراء التسويق تتباين كثيراً من شركة إلى أخرى ومن قطاع لآخر. وغالباً ما أعرض عليهم شكلاً توضيحياً يمثّل هذا التنوّع في المهارات والكفاءات، وأطلب منهم تحديد أكثر الأدوار أهمية بالنسبة لهم في شركاتهم.

وبوصفي أعمل كمسؤول عن توظيف المدراء التنفيذيين، فقد أسهمت في تعيين أكثر من 500 مدير تسويق تقريباً في مناصبهم خلال العقدين الماضيين. وأصبحت قريباً منهم، وكنت شاهداً على نجاحاتهم وإخفاقاتهم على حدّ سواء. وبناء على ما سبق، أعتقد بأنّ منصب مدير التسويق شهد تغيّراً هائلاً وعميقاً أكثر من أيّ منصب آخر في نادي كبار المدراء التنفيذيين.

وفي الحقيقة، حصل نمو مضطرد وهائل في حجم العديد من فرق التسويق. فبعض مدراء التسويق اليوم يعمل تحت رايتهم آلاف الموظفين، وهو أمر كان نادر الحدوث في تسعينيات القرن الماضي. وبما أنّ التسويق توسّع ليشمل البيانات وتحليلها، فإنّ تركيبة الفرق أيضاً باتت شديدة التنوّع الآن. وهي غالباً ما تشمل حملة شهادة الدكتوراه في الرياضيات، وعلماء الاجتماع، والمصمّمين إضافة إلى غيرهم من موظفي التسويق التقليديين. وفي العديد من القطاعات، حصل تضخّم هائل أيضاً في حجم مسؤوليات مدير التسويق. حيث في شركات الطيران، على سبيل المثال، أصبح مدراء التسويق يتمتّعون بمسؤولية تجارية واسعة النطاق، تخصّ كلّ شيء تقريباً خارج نطاق أبواب قمرة قيادة الطائرة، من عمليات تسعير التذاكر التي تتسم بالحيوية والتعقيد، إلى الائتمان، والشراكات، وبرامج الولاء والمكافآت وأميال الطيران، فضلاً عن الميزات الإضافية مثل الإنترنت اللاسلكي وتوفير مساحة إضافية ليمد الركاب أرجلهم.

أما التغيّر المهم الآخر، فهو حالة الضبابية المتنامية التي باتت تطبع الحدود الفاصلة بين أقنية التسويق والحدود الناجمة عن نمو التجارة الإلكترونية وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي. إذ تمنح أدوات التسويق الجديدة مدراء التسويق المزيد من الطرق لكسب الزبائن، لكنّ هذه الأدوات ذاتها تشكّل منصّة للزبائن ذوي القريحة المفتوحة أو الغاضبين أحياناً، ليعبّروا عمّا يجول في خاطرهم. وهذا الأمر يمكن أن يخلق تهديداً جديداً للعلامات التجارية ومدراء التسويق المسؤولين عن إدارتها.

كما يُعتبرُ العديد من الناس الذين يخفقون في منصب مدير التسويق مدراء تنفيذيين أذكياء وموهوبين بحق، وهذا بالضبط ما يجعل فشلهم أمراً مُحبطاً. ولزيادة احتمالات نجاح مدراء التسويق الجدد في مناصبهم، فإننا نساعدهم في وضع خطط استراتيجية تعينهم في التعرّف على ثقافة شركاتهم ومتطلبات العمل في منصبهم، ما يضمن انطلاقهم في العمل بسرعة ويكفل زيادة إنتاجيتهم. كما ننصحهم بتوثيق علاقاتهم مع نظرائهم في نادي كبار المدراء التنفيذيين ضمن الشركة. ونقدّم المشورة للرؤساء التنفيذيين لتحديد توقعات طموحة من مدير التسويق على أن تكون التوقّعات قابلة للتحقيق.

أخيراً، إنّ وضع مدير التسويق المناسب في المنصب المناسب ضمن الشركة يمكن أن يكون عاملاً محفّزاً كبيراً لها. كما أنّ النتائج التي سيحصل عليها الرئيس التنفيذي، والمساهمون، والزبائن يمكن أن تكون دراماتيكية. وبطبيعة الحال، تُعتبر مساعدة الزبائن على التفكير في مستقبل التسويق ضمن شركاتهم ومؤسساتهم وإيجاد الشخص المناسب ليقودهم إلى هذا المستقبل، بالنسبة لي، واحداً من أكثر الجوانب التي تبعث على الرضى في نفسي.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!