يُقنع كبار القادة أنفسهم بأنّ تفويض المهام عمل غاية في السهولة. كل ما عليك القيام به هو توفير بعض التوجيهات الواضحة لترتاح فوراً من مسؤولية المهمة وتتفرغ لمهمة أخرى في برنامج عملك. هذا في الحلم. أما في الواقع فكلنا نعرف أنّ من المستحيل تقريباً التفويض بهذه الطريقة. أنت في معظم الأحيان مجبر على التدخل في اللحظات الأخيرة للوفاء بموعد أعطيته للآخرين. لكنك بتدخلك هذا تمنع الموظفين من مواجهة عواقب عملهم وتحرمهم من فرصة التعلم واكتشاف حلول مبدعة. أضف لهذا أنّ معنوياتهم تضعف ويتشكل لديهم اعتقاد أن جودة عملهم لن تتحسن مهما حاولوا. على سبيل المثال: نأخذ حالة جابر الرئيس التنفيذي لمؤسسة تقدّر قيمتها بملايين الدولارات. يتضمن جزء مهم من مسؤوليات جابر بناء شبكة علاقات مع العملاء والشركاء، لهذا يبعث برسائل إلى داعميه الخارجيين عدة مرات في السنة. وبسبب جدول أعماله المزدحم يقوم جابر بتفويض كتابة الرسائل إلى رامز نائبه للشؤون الإعلامية. عندما يرسل رامز الرسائل إلى جابر للمراجعة النهائية يعيدها جابر إليه مليئة بالتغييرات المعلّمة باللون الأحمر. ويأمل جابر أن تساعد تعديلاته رامز على التعلم في المرة القادمة، إلا أنّ عدد الأخطاء الحمراء يبقى على حاله في كل مرة ما يجبر جابر في النهاية لكتابة معظم الرسائل بنفسه. بالنتيجة، يغضب جابر كثيراً لأنه يجد نفسه مجبراً على ترك إجازته كي يصلح الأمور في اللحظات الأخيرة. أما رامز فيشتكي من أنّ عمله لا يعجب جابر مهما فعل. باختصار، تستهلك هذه العملية وقت الرجلين وتصيب كليهما بالإحباط. بصفتي مدرباً للمدراء التنفيذيين، سمعت الكثير من القصص المشابهة لقصة جابر تحدث في كبرى الشركات المئة بحسب تصنيف فورتشن، حيث يشتكي القادة من مآزق التفويض ومن دورة الإحباط الناتجة عن عدم حصولهم على مبتغاهم. إلا أنّ المشكلة تكمن في أنّ مجرد إيكال مهمة لشخص ما لن يعود عليك بنتائج عظيمة مهما كانت التعليمات المبدئية واضحة. الأمر يتطلب تحليلاً وتقييماً وتعديلات تصاعدية حتى يتمكن الشخص المفوّض من الاضطلاع بالمهمة الجديدة. قد يبدو غريباً القول أنّ التفويض يتطلب تخصيص وقت إضافي لتدريب شخص على مهمة أنت بالأصل لا تجد لها وقتاً، لكن هذا الاستثمار في توطيد أسس التفويض السليم لابدّ سيؤتي ثماره في توفير الوقت وفي توفير موظفين مؤهلين أكثر. باستخدام دراسات شهيرة تتناول التعليم وتسلسل الكفاءة، قمت بتطوير "آلية التفويض" لمساعدتك في تقييم مهارات الموظف وتوجيه المهمة، بينما تعمل في نفس الوقت على تمكين الموظف كي يكون مسؤولاً عن المنجزات المستهدفة. تتضمن الآلية خطوتين: أولاً، قيّم كم من المعرفة لدى الموظف عن المهمة أو المشروع. اسأله بعض الأسئلة المباشرة: ما مستوى اطلاعك على هذه المهمة؟ ما الأسلوب الذي ستستخدمه للتعامل مع هذه المهمة؟ هل هناك خطوات في المهمة لديك شك حيالها؟ بعدها، قم بتفويض المهمة اعتماداً على مستوى كفاءة الموظف. إليك هنا كيف تطبّق الآلية اعتماداً على خبرة الموظف: افعل. إن كان الموظف تنقصه الخبرة في المؤسسة أو المهمة ولم يطور المهارات المطلوبة للعمل، فهو على الأغلب ضمن فئة "غير كفء عن غير دراية" في تسلسل الكفاءة. في هذه الحالة، أظهر للموظف كيف يتم العمل: قم به أول مرة بينما يلازمك الموظف عن قرب كي يتعلم منك من أجل المرة القادمة. أخبر. إن كان الموظف يُدرك أنه لا يعرف كيف ينجز المهمة للوصول للنتيجة المطلوبة، يكون بهذا "غير كفء عن دراية". يمكنك تسريع عملية تعلميه ليتقن المهمة بتشجيعه على المراجعة الذاتية. سيساعده هذا على توليف عملية التعليم بشكل مفهوم له. علّم. إن كان موظفك يعرف كيف يقوم ببعض الخطوات المطلوبة للمهمة لكنه يعاني في خطوات أخرى بما يضعه بين فئة "الغير كفء عن دراية" فركز على معرفة السبب. علّم الموظف كيف ينجز المهمة بالتوضيح له لماذا تفعل الأمور بطريقة محددة دون غيرها. سيُظهر فعل كل خطوة على حدة المنطق الذي يشرح أسلوبك في إنجاز المهمة. اسأل. إن كان موظفك يعرف كيف يُنفّذ، لكنه بدل العمل تلقائياً بحاجة لمن يضع له خطة يمشي عليها، يكون الموظف عندها في فئة "كفء عن دراية". لزيادة فهم الموظف لموضوع المهمة اسأله ما الذي تعلمه. سيساعده توجيه أسئلة محددة مثل "ما أهم ما تعلمته من هذه العملية والذي يمكنك استخدامه لاحقاً؟" في إدراك أنه يعرف أكثر مما يعتقد. ادعم. حتى لو كان الموظف قادراً على القيام بكامل المهمة، فهذا لا يعني أنّ بإمكانك تركه دون توجيه، فقد تتغير مواعيد التسليم أو قد يضع المشاركون في المشروع أولويات جديدة أو تظهر عقبات جديدة. أعلمه أنك موجود لدعمه عند الحاجة. بأخذ ما سبق في الاعتبار، دعونا نعود إلى مثال جابر. بعد أشهر من تكرار نفس الأسلوب على أمل حدوث تحسّن في النتيجة، أخبرني جابر بهذه المشكلة خلال أحد جلساتي التدريبية معه. حددنا أنا وهو ما هي المرحلة التي وصل إليها رامز في تعلم كتابة الرسائل. بحسب جابر، يعرف رامز أنه يرتكب الكثير من الأخطاء لكنه لا يعرف كيف يصلحها. كان جابر في وضع "افعل" من آلية التفويض وهي لا تتماشى مع المرحلة التعلم التي كان فيها رامز. وبدل أن يساعده جابر على التعلم كان يتولّى المهمة عنه ويغضب لاضطراره القيام بكل العمل بنفسه. اقترحت أمرين على جابر: أولاً، ابدأ عملية كتابة الرسائل في وقت أبكر آخذاً في الاعتبار تخصيص وقت لتعليم رامز. ثانياً، بدل وضع التغييرات بالخط الأحمر في المستند، استخدم تعليقات تكون كملاحظات على النصوص التي لا تعجبك واشرح السبب. لقد أدى هذا لوضع جابر في وضع "علّم". تطلب الأمر الإعادة أربع أو خمس مرات، لكن رامز أصبح المنجز الفعلي للمهمة في النهاية. وخلال السنة التالية تعلم رامز كتابة الرسائل بالشكل الذي يتماشى مع توقعات جابر. للتفويض فائدة كبيرة، خاصة عندما نأخذ بالاعتبار الوقت الكبير الذي يوفره علينا. لكن المهام المفوّضة لن تعود إليك دائماً منجزة ومتقنة. فالتفويض مهمة تشاركية. حدد المرحلة التي وصل إلبها موظفك وقسّم العمل على هذا الأساس. قد يستغرق الأمر بعض الوقت في البداية، لكنك ستحصل على نتائج أفضل على المدى الطويل.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!