الأماكن المزدحمة تجعل الناس يفكرون بالمستقبل أكثر

4 دقائق
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio
قام أوليفر سنغ، الحاصل على زمالة بحثية في جامعة ميشيغان، وعدد من زملائه في جامعة مدينة أريزونا بمقارنة أرقام الكثافة السكانية على مستوى الولاية بالبيانات المتعلقة برغبة السكان في الاستثمار في التعليم، والتوفير لمرحلة التقاعد، والتخطيط للمستقبل. حيث كشف التحليل الذي أجروه أنّ الناس في المناطق ذات الكثافة السكانية الأعلى أظهروا رغبة أكبر بالانخراط في الأنشطة ذات العائد طويل المدى، وتوصل فريق الباحثين إلى هذه الخلاصة:

سنغ: نعتقد بوجود وجود رابط بين الكثافة السكانية وما يدعوه علم الأحياء “استراتيجية الحياة والتاريخ”. والفكرة العامة هنا هي أنّ الكائنات إما أن تعيش “بسرعة” مع التركيز على الحاضر، وتتكاثر مبكراً بأعداد كبيرة ولا تستثمر بما يكفي في كل طفل ولا في أنفسهم، أو “بتأنّ” بحيث يكون التركيز على المستقبل وتنمية الذات والعلاقات طويلة المدى، مع عدد أقل من الأطفال. فسرعة استراتيجية الحياة والتاريخ لدى البشر هي أكثر بطئاً مقارنة بالحيوانات الأُخرى، لكن ثمة اختلافات بيننا نحن البشر في هذا الصدد. إذ يعود جزء من هذا التباين إلى أسباب جينية، إلا أنّ الإنسان ربما يتطور ويتكيف مع البيئة التي يعيش فيها. ففي الأماكن المزدحمة، والتي يكون فيها تنافس أكبر على الموارد، يمكن أن نشعر بالحاجة إلى الاستثمار بشكل أكبر في أنفسنا وأطفالنا من أجل تحقيق النجاح. وهذه هي الفرضية التي رغبت مع رفاقي المشاركين في البحث، ستيفن نوبيرغ، ومايكل فارنوم، ودوغلاس كنريك باختبارها.

هارفارد بزنس ريفيو: وهل ثبتت صحة هذه الفرضية؟

سنغ: نعم. حيث في الدول ذات الكثافة السكانية الأعلى كنا نرى مستوى أقل من التحرر الجنسي، ومستوى أقل من الخصوبة، ومعدلات أعلى لتسجيل الأطفال في الحضانات، وتركيز اجتماعي على التخطيط للمستقبل يفوق الاهتمام بالمشاكل اليومية. حيث ضمن الولايات الأميركية ذات الكثافة السكانية الأعلى، كان الناس يتزوجون في سن متأخرة، وينجبون عدداً أقل من الأطفال، وكان هنالك ميل أكبر للحصول على درجة البكالوريوس والانخراط في خطط تأمين التقاعد. جميع هذه الإجراءات ذات الوجهة المستقبلية تقوم الواحدة منها على الأخرى، ولكن يبدو أنّ لمسألة الكثافة السكانية دوراً أساسياً هنا. وكانت النتائج مماثلة حتى حين تغيرت بعض العوامل مع عدد السكان، أو الازدهار الاقتصادي، أو مستوى التحضر.

ألا يمكن أن يكون الأشخاص أصحاب النظرة البعيدة يفضلون العيش في أماكن ذات كثافة سكانية أعلى؟

هذا هو السبب الذي دفعنا للقيام بهذه الدراسات التجريبية. إذ طلبنا في الدراسة الأولى من نصف المشاركين، وهم أشخاص تم التواصل معهم إلكترونياً من كافة أرجاء الولايات المتحدة قراءة مقال صحفي مفبرك عن تزايد السكان في الولايات المتحدة بطريقة غير مسبوقة. ثم طلبنا منهم الإجابة على أسئلة تم إعدادها من أجل معرفة توجهاتهم المستقبلية. وكانت الأسئلة من شاكلة: “هل تود تحصيل 100 دولار غداً أم 150 خلال 90 يوماً؟”. أما النصف الثاني من المجموعة، فلم نقدم لهم المقال المفبرك، وأجابوا على الأسئلة ذاتها. ووجدنا أنّ الأشخاص الذين قرؤوا ذلك المقال أظهروا ميلاً للحصول على قدر أكبر من المال على المدى الطويل. فعبر توضيح فكرة الكثافة العالية للسكان، يبدو أننا دفعنا الناس للتفكير بطريقة تركز على المستقبل بشكل أكثر.

ربما كانت قراءة ذلك المقال هي التي حفزتهم في تلك اللحظة للتفكير بهذه الطريقة واتخاذ قرارات أكثر حرصاً؟

ولذلك قررنا في الدراسة التالية عدم عرض المقال، وطلبنا من المشاركين بدل ذلك الاستماع إلى مقاطع صوتية، لعدد كبير من الأشخاص يتحدثون، وأُخرى فيها امتزاج لأصوات اعتيادية، قبل الإجابة عن الأسئلة. وما حصل هو أنّ المجموعة التي استمعت للمقطع الذي فيه تداخل لأصوات عدد كبير من الناس، أظهروا كذلك تفضيلاً للعائدات على المدى الطويل.

ما الولاية الأميركية التي يركز فيها السكان على الأهداف طويلة المدى؟

«تقييم الحياة والتاريخ» الذي يجمع بين متوسط سن الزواج ونسب الخصوبة والالتحاق بالتعليم العالي ووضع الأطفال في الحضانة والانخراط في برامج التقاعد، يظهر أنّ الناس في الولايات ذات الكثافة السكانية الأعلى يميلون للتركيز على الاستراتيجية “المتأنية” (الاستثمار في المستقبل)، أما سكان الولايات الأقل كثافة سكانية فيميلون إلى الاستراتيجية “السريعة” (التي تركز على الحاضر).

هل يمكن للشركات استغلال هذه التوجهات لدى الناس في التسويق مثلاً؟

لم أفكر كثيراً بخصوص التطبيقات العملية لهذا البحث، ولكن أظنه يساعد في عملية تصميم المنتج والخدمات والتسويق. إذ عليك التركيز على المنافع المستقبلية لما تعرضه من منتجات وخدمات لجذب الناس في الأماكن المكتظة، أما في الأسواق غير المزدحمة، فيمكن التركيز بدل ذلك على الرضا الفوري الذي تقدمه للعملاء.

في حال رغبت الشركات في أن ينتقل الموظفون من التركيز على المدى القصير إلى التركيز على المدى الطويل، فهل يجدر بها نقل مقر عملها من منطقة ريفية إلى منطقة مدنية؟ أم هل يكفي أن تحشرهم في مكاتب ضيقة يرتفع فيها مستوى الضوضاء؟

ربما يكون لمثل هذه التغييرات أثر طفيف على بعض الناس. لكن هنالك بعض الجوانب التي لا بد من التنبيه إليها، أولاً: تذكّر أنّ أولى الدراستين ركزتا على المقارنة بين الدول والمقارنة بين المدن.، وليس المقارنة بين المدينة والريف.. إذ لاحظنا في واقع الأمر ارتباطاً بين الكثافة في عدد الناس والتمدّن، لكن نتائجنا بشكل عام كانت ثابتة حين كان المشاركون من المجموعة الثانية. ثانياً: كانت الآثار بالمعايير الأكاديمية محدودة. ثالثاً: لقد حرصنا على عرض النمو السكاني بطريقة محايدة. فلو شعر الناس أنّ الكثافة السكانية تخلق بيئة فوضوية لا يمكن التحكم بها، فقد ينتقلون إلى اعتماد استراتيجية أسرع، وليست أبطأ، ولتشكل لديهم هذا السؤال: “هل هذا وضع يمكن تحقيق التقدم فيه عبر بناء المهارات والمعرفة أم عن طريق التنازع والصراع؟”.

لكن العديد منا يفكر بالأماكن المزدحمة باعتبارها فوضوية وتولد الضغط وتشعر بالخطر أيضاً.

أخبرني أحدهم مرة بأنّ هذا تحيّز شائع لدى الأميركيين. فهنالك ميل لربط الكثافة السكانية مع المدن، والمدن مع الجريمة، أو مع الناس الذين ينحدرون لطبائعهم الدنيا. لقد نشأت في سنغافورة، وهي ثالث أكثر دول العالم كثافة سكانية (بعد ماكاو وموناكو)، إلا أنها تتمتع بقدر كبير من الانضباط. ولست أدعي هنا أنّ الأماكن المزدحمة ليست فوضوية أو خطيرة، فهذا أمر وارد ولكنه ليس قاعدة ثابتة.

ثم انتقلت إذن إلى الولايات المتحدة الأميركية والتي تأتي في المرتبة 161 بين 214 دولة ضمن العالم في الكثافة السكانية. هل ستعيش بوتيرة أسرع هنا؟

لقد تزوجت العام الماضي وكان عمري 32 عاماً، لذا لا أتوقع ذلك. ولكني أتوقع أن الكثافة السكانية تؤثر في “استراتيجية الحياة والتاريخ” حين يكون الإنسان أكثر شباباً. ومن أحد الأمور التي اختبرناها في تجربتين أُخريين هي ما إذا كان لدى طلبة الجامعات رد فعل مختلف بشأن مسألة ارتفاع الكثافة السكانية مقارنة بالأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 40 عاماً. ووجدنا أنّ الطلبة الذين قرؤوا المقال المفبرك عن تزايد الكثافة السكانية في الولايات المتحدة، أشاروا إلى تفضيلهم للعلاقات طويلة المدى، ولكن لم يجعلهم هذا أكثر تفضيلاً لإنجاب عدد أقل من الأطفال. كما أظهر المشاركون في فئة العشرينات والثلاثينات تفضيلاً أكبر لإنجاب عدد أقل من الأطفال، ولكن لم يغير ذلك من خطط العلاقات الزوجية. وهكذا يبدو أنّ الكثافة السكانية تؤثر على تفكيرنا المتعلق بالأهداف المستقبلية الأكثر أولوية.

كم تريد أن تنجب من الأطفال؟

ربما اثنان، ولكن ليس الآن، فحياتي مزدحمة جداً حالياً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!