لكي يكون المرء مفاوضاً استراتيجياً ناجحاً، فهو يحتاج إلى مصلحة ذاتية محسوبة بدقة فضلاً عن جرعة عالية من القدرة على التضليل. أو بالأحرى هذه هي الافتراضات المعتادة حول التفاوض. إذ يفترض الناس أنهم كي ينجحوا، فإنّ عليهم أداء دور معين – مثل أداء دور الشرطي الخير أو الشرطي الشرير – أو أن يجسّدوا اللقب الوظيفي الذي يحملونه (مدير، رائد أعمال، مندوب مبيعات). ولكن ماذا لو كان بوسعك أن تحقق نتائج أفضل، وأن تزيد القيمة التي تحصل عليها، وأن تقوّي العلاقات بمجرد كونك على سجيتك؟

إنّ تحطيم الحواجز الفاصلة بين الأدوار التي تعتقد أنك يجب أن تؤديها أو لا تؤديها في العمل يعني الدمج بين مختلف الأدوار (المهنية والشخصية على حدّ سواء) التي تتولاها في الحياة: المدير التنفيذي ورائد الأعمال والمحامي والأب والزوج والرياضي والصديق وما لا يعد أو يحصى من الأدوار الأخرى. فهذه المقاربة لا تعني أنك ستكون أكثر راحة عند المفاوضات فحسب (على الرغم من أنّ ذلك يحصل أيضاً)، وإنما هي ستحقق لك الاستفادة من الموارد وتوليد أكبر قدر من القيمة. فعندما تفاوض بصدق فإنك ستحقق ما يلي:

ستزيد من قدراتك الإبداعية: عندما تكون صادقاً، تستطيع الاستفادة من ذخيرة أوسع من المعرفة والحكمة. فالجمع والدمج بين أدوارك المختلفة يطلق العنان لأنماط جديدة من الأفكار، والمشاعر، والآراء. وهذا الأمر يوقد إبداعك وقدرتك على التوصّل إلى حلول مبتكرة، لأنّ ذلك يحرّرك من القيود التي يفرضها عليك الدور الواحد. ربما تتمكّن من العثور على حل لمشكلة اندماج مع شركة أخرى من خلال الاتكاء على تجاربك كمهندس، أو نادل في مطعم، أو رحّالة يهوى السفر.

ستظهر نقاط قوتك الفريدة والكبيرة: فكل دور تؤدّيه في الحياة ينطوي على الكثير من نقاط القوة والقدرات المختلفة، التي تتجاهلها أو لا تلتفت إليها عندما تكون في خضم العمل. على سبيل المثال، بوصفك مدرب كرة قدم، قد تكون صبوراً مع طفلة عندما ترتكب خطأ ما، ولكن في مكان العمل قد تفترض بأنّ هذا الصبر والتفهم سيجعل الآخرين يعتقدون بأنك قائد شديد الليونة. إذاً، لماذا لا تقلب الأمر رأساً على عقب: إذ إنّ نقاط قوّتك المتمثلة بالصبر والتفهم قد تكون هي تماماً ما تحتاجه للتفاوض بنجاح مع شخص يريد زيادة راتبه، أو في التعامل مع شخص فشل في الالتزام بالموعد النهائي لأحد المشاريع. فمن خلال تفاوضك "انطلاقاً من ذاتك" كما أسميه أنا، ستكون بذلك مدرّب كرة القدم والمدير في الوقت ذاته. والآن بوسعك الاستفادة من مزيج أدوارك الفريدة والاستعانة بها، ليس لإبداء نقاط قوتك فحسب، وإنما لإدماجها بأكثر الطرق ملاءمة.

ستكون منسجماً مع بوصلتك الأخلاقية الشخصية: إنّ قيمك تسود في مكان العمل وخارجه. أما في المفاوضات، فقد تشعر أنك معرّض للضغوط لاتخاذ قرار معين لأن هذه هي الطريقة التي "يلعب الناس بها هذه اللعبة". بيد أنّ القرار قد يتعارض مع قيمك الأخلاقية. وإحدى الطرق التي بوسعك أن تنظر من خلالها إلى هذا الأمر هي أن تفكّر ما إذا كنت أنت الشخص ذاته في تعاملاتك المهنية وحياتك الشخصية. فهذا النوع من التأمل والتفكير يمكنه أن يحميك وأن يمنحك القوة التي تحتاجها. إذ سيسمح لك بقاؤك ملتزماً بجميع قيمك بأن تعرف متى تنشأ حالات التضارب. ومن ثم ستكون قادراً على إعادة تقويم ثقتك في صياغة استجابة تؤمن بها، وتجدّد هذه الثقة.

ستكون قادراً على تحقيق أهدافك وبناء علاقات أساسية: عندما تدخل في مفاوضة ما، إما ممثلاً نفسك أو مؤسستك، فإنه يكون لديك هدف ما، وبالتأكيد سيكون لدى نظيرك في هذه المفاوضات هدفه الذي يسعى إلى تحقيقه أيضاً. وكل منكما يحتاج إلى الطرف الآخر لتحقيق هدفه. وبالتالي، فإنّ جوهر المفاوضات يقوم على التعاون أكثر من التنافس. والناس بحدسهم يعتقدون أنّ الأمر هو إما تعاون أو تنافس، أو أنه عبارة عن استراتيجيات متتابعة: تعاون في البداية ومن ثم تنافس. إلا أنّ التفاوض القائم على الصدق يسمح لك بأن تتقبّل التوتر الذي تتضمنه عملية التعاون مع التنافس في الوقت ذاته. على سبيل المثال، أنت وأنا نربط سعر المنتج الذي تحاول بيعه لي (حيث يكون الدولار الذي تكسبه أنت هو دولار أخسره أنا) بتصرف يجلب قيمة أكبر إلى أحدنا (فطلاء المنتج الأبيض باللون الأزرق قد يرتّب عليك تكلفة إضافية طفيفة، لكنه ينطوي على قيمة هائلة بالنسبة لي أنا). فإذا ما قمنا معاً باختيار اللون الأزرق، فإنني أتقاسم بعضاً من تلك القيمة من خلال دفع سعر أعلى لك. نحن نتعاون لاختيار الأزرق وفي الوقت ذاته نتنافس على كيفية تقسيم الأرباح النسبية التي يولّدها اللون الأزرق. كما أنّ اعترافنا بتنافسنا مع نظرتنا لبعضنا البعض على أننا شركاء حقيقيين يقوي علاقتنا.

لكن تجسيد المرء لذاته الحقيقية المتكاملة أثناء التفاوض هو ليس بالأمر السهل على الإطلاق. فأنت معتاد على أن تكون شخصاً معيناً في اجتماعك الصباحي مع فريقك، وشخصاً آخر مع أعضاء مجلس الإدارة لديك، وشخصاً ثالثاً في المنزل. وكما هو الحال في معظم المساعي القيمة في الحياة، فإنّ الجمع بين أدوارك في عملك وأدوارك في حياتك الشخصية يتطلّب انضباطاً وينطوي على قدر كبير من العواطف. وهذه العواطف يمكن أن تكون في مصلحتك عندما تتفاوض انطلاقاً من ذاتك. كما أنّ تصرّفك بناء على طبيعتك الحقيقية يجعلك تمثّل نفسك بالطريقة المثلى ويقودك إلى تحقيق النجاح في كافة المجالات، المالية والشخصية والمهنية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!