تابعنا على لينكد إن

كنت أعتقد أنّ أكبر تحدّ ثقافي عندما تضطرنا مهمة في العمل إلى السفر خارج البلاد والاستقرار هناك، حيث سيكون التأقلم مع الثقافة الأجنبية التي ننتقل إليها أمراً صعباً. فمن المعروف جيداً، بعد كل شيء، أنّ حياة الاغتراب تجبر الناس على كسر قوقعة الراحة الثقافية التي اعتادوا عليها. وسواء انتقلت من برشلونة إلى بكين، أو من سان فرانسيسكو إلى شتوتغارت، سوف تواجه هذه التحديات الثقافية. يمكنك عموماً أن تتوقع مثل هذه التحديات وتستعد لها، وما يساعدك في هذا أنك تحصل على قدر من الدعم وموارد القوة، سواء من خلال شركتك أو مجتمع المغتربين المحليين هناك. لكنك ستفاجأ بأنّ ما لم تكن مستعداً له على الأرجح، وما يمكن أن يكون في بعض الأحيان أكثر صعوبة هو التكيف الثقافي للعودة إلى الوطن مجدداً؟

بدلاً من الاندماج بسلاسة مرة أُخرى في الحياة التي تركتها وراءك، تكتشف أنك الآن تشبه مربعاً يحاول الدخول في حفرة مستديرة. يمكن أن يؤدي هذا الأمر إلى كل أنواع الصراع الداخلي البشعة، وما يزيد الطين بلة أنك هذه المرة، لا تتوقع حدوث هذا وليس لديك أي نوع من أنواع الدعم. فبعد كل شيء، أنت تعود إلى وطنك. فما مقدار المساعدة والدعم الذي تحتاجه حقاً؟

وكما يتضح فإننا نصادف هذه الظاهرة مراراً وتكراراً في عملنا كأخصائيين عبر الثقافات. لنفرض أنّ شخصاً من الصين أو الهند، ينتقل إلى الولايات المتحدة ويكافح ويعاني في البداية، ولكنه يتعلم في نهاية المطاف أن يتصرف بطريقة أكثر حزماً وانفتاحاً وثقة بالنفس، بل ربما يصل إلى مرحلة إتقان الترويج للذات. ولكن هذا الشخص يتعرض لصدمة هائلة عند عودته إلى دياره، حيث لا يتم تقدير هذه السلوكيات هناك، بل وفي بعض الحالات، يتم معاقبته عليها. أو يمكنك أن تتخيل العكس: شخص أمريكي يذهب إلى الصين، ويتعلم أن يتصرف بطريقة تخلو من التعبير عن المشاعر وتندمج مع الوعي الجمعي، ومن ثم يعود إلى الوطن، لكنه يكتشف أنّ زملاءه يسيئون الحكم على هذه السلوكيات وأساليب الاتصال فيصفونها بأنها غير مهنية أو غير مؤهلة.

وبطريقة ما، يمكنك أن تدعو هذا الأمر تناقض النمو الشخصي: النمو الشخصي ضروري للعيش والعمل والازدهار في بيئة أجنبية، ولكن هذا النمو نفسه يمكن أن يصبح مسؤولية كبيرة عند العودة إلى الديار. ربما يصعقك الذهول عندما تشعر بالغربة في ثقافتك الخاصة، حيث يفترض أنك تتصرف “بشكل طبيعي” على أساس جوانب ثقافة جديدة كنت تعلمتها للتو. ربما تتألم أيضاً إذ ترى أنك لا تتوافق مع عائلتك وأصدقائك وزملائك الذين ليس من الضرورة أن يحبوا أو يقدّروا هذا الإصدار الجديد الذي عدت لهم به.

عندما تضربك صدمة الثقافة العكسية، يمكن أن يكون الأمر مثبطاً، ولكن إذا عرفت كيف تتعامل معها بشكل صحيح، فقد يتحول هذا الألم المتنامي إلى أمر منتج بدلاً من أن يكون حالة عذاب دائمة. ومن المؤكد أنّ الوقت يشكل أحد العناصر الرئيسية في حل هذا الصراع الداخلي، ولكن ماذا يمكنك أن تفعل في هذه الأثناء لتهدئة الأعراض، ولتخفّف من شعورك بالغربة في وطنك الأم، وتجهز نفسك لمرحلة انتقال أكثر نجاحاً؟

أولاً، وقبل كل شيء، تهيأ واستعدّ لعودتك إلى الوطن بطريقة مماثلة للطريقة التي تهيأت بها عندما غادرت وطنك. وهذا يعني أن تأخذ على محمل الجدّ صورة بلدك لشخص ما من بلدك المضيف، وأن تعترف بأنك في بعض النواحي، سوف ترى الآن من خلال هاتين العينين. كما أنك ينبغي أن تكون أيضاً على بيّنة من الكيفية التي يجب أن تنظر من خلالها إلى وطنك باستعمال نظارات ملونة زهرية جميلة بالإضافة إلى محاولة مزج ما تراه ببعض التوقعات الواقعية.

ثانياً، ابدأ بالتفكير في الطريقة التي تريد من خلالها دمج الأنماط الثقافية الجديدة التي تعلمتها وصرت تقدّرها مع ذخيرتك الخاصة في وطنك. على سبيل المثال، ربما تعلمت أن تكون أكثر صراحة في الخارج، ولكنك عدت إلى ثقافتك الأصلية الخاصة بك، حيث لا يلاقي هذا السلوك استحساناً. تملك خيارين في هذه الحالة:

  • حاول انتهاج نمط ثقافي مختلط

طوّر لديك نمطاً ثقافياً جديداً يمثل هجيناً من الأسلوبين، وهو شيء مختلف قليلاً عن الطريقة التي كنت تتصرف بها في الأصل عندما كنت في وطنك قبل مغادرتك إلى الخارج، ولكنه ليس شديد الاختلاف بحيث يشبه سلوكك عندما كنت متكيفاً تماماً مع الثقافة الجديدة. ليس هناك طريقة صحيحة أو خاطئة هنا. يمكن أن يتّخذ هذا المزيج أشكالاً مختلفة بحسب ما تفضّله، وبحسب الدرجة التي تكيفت بها، وما تجده مقبولاً في الوطن، سواء لنفسك أو في السياق الذي تعمل فيه وتختلط ضمنه مع الآخرين.

  • حاول إنشاء أنماط ثقافية مجزأة

حاول تطوير شخصيات ثقافية متعددة ومتمايزة. واحدة تمثل ما كنت عليه في وطنك قبل سفرك، وأسلوباً جديداً بما يتفق مع ما تعلمته عندما كنت تعيش وتعمل في الخارج. وبدلاً من اتباع هذه الأنماط في الأماكن التي لا تكون فيها مناسبة (وربما يؤدي ذلك إلى خليط غير متجانس خلال ممارسة ذلك)، افصلهما تماماً كما تفصل الملابس لمناسبات مختلفة. على سبيل المثال، عند اجتماع في العمل مع أشخاص من ثقافتك المحلية، تصرف وفقاً للنمط الثقافي النموذجي الافتراضي الخاص بك. ولكن عند مقابلة عملاء جدد من الثقافة التي غادرتها للتو، تتبنى شخصية ثقافية مختلفة تماماً.

لا يتعين عليك بالضرورة اتخاذ قرار بشأن نهجك على الفور، ولكن مع مرور الوقت، تفيدك مشاهدة الخيارات المختلفة المتاحة لديك لمعالجة التغيير الذي اختبرته كي تحوله إلى ذخيرة ثقافية وسلوكية جديدة.

يتوجب عليك أن تعمل على الصعيد الداخلي أيضاً لتجد وسيلة لتقدير واحترام وفهم “شخصيتك” الجديدة. لقد تغيرت. ومن الأهمية بمكان أن تستوعب هذه الحقيقة وتقبلها. يُعتبر فهمك الواضح لنفسك وما تعنيه هذه التحولات بالنسبة لك أمراً بالغ الأهمية خصوصاً عندما لا يقدّر الآخرون في حياتك هذه التحولات التي طرأت عليك أو العبء الشديد الذي ترزح تحته داخلياً خلال محاولتك استيعاب الأمر برمته. على سبيل المثال، لنفترض أنك أتقنت اللغة اليابانية عندما كنت تعمل في طوكيو وبدأت في اتباع أسلوب أكثر دقة وغير مباشر من التواصل، ولكن عندما عدت إلى مكتبك في فرانكفورت، وجدت أنّ الآخرين يتفاعلون بشكل سيء مع هذا الأسلوب. أو تكون تواقاً لإخبار أصدقائك الكثير من القصص عن رحلاتك في الخارج، ولكنّ تبدأ عيونهم في الشرود كلما بدأت تخبرهم عن الحياة في البرازيل.

بدلاً من الاعتماد على الآخرين لتزويدك بالميناء الآمن من السلوك والاتصال الذي تبحث عنه، ابحث عن الطرق التي يمكنك من خلالها خلق هذا الميناء بنفسك. على سبيل المثال، يمكنك الانضمام إلى ناد للأشخاص المهتمين بالثقافة أو اللغة اليابانية، أو خصص وقتاً لزيارة حديقة يابانية محلية للتأمل، أو ابحث عن الآخرين في مؤسستك الذين يشاطرونك اهتمامات مماثلة. ابعث الحياة في مساحة العمل الخاصة بك ببضعة تذكارات من الوقت الذي أمضيته في الخارج، تذكير خفيف أنه على الرغم من أنك قد تكون عدت إلى بلدك، ولكنّ تجربة الاغتراب ما تزال معك. أو استخدم وسائل التواصل الاجتماعية للتواصل مع الآخرين الذين يشاركونك ذات الحماس والاهتمام.

سوف تحتاج إلى بعض الوقت لمعرفة كيفية استخدام العقلية الثقافية والمهارات الجديدة لصالحك. ربما يستغرق الأمر وقتاً طويلاً على المدى البعيد لإيجاد طريقة مثمرة لدمج الأساليب الثقافية المتعددة التي تحاول موازنتها. ولكن المفتاح الأساسي هنا هو التعامل مع عملية التكيف مرة أُخرى ضمن ثقافتك الخاصة بنفس النهج المدروس الذي اتبعته عندما تعلمت التكيف مع الثقافة الجديدة التي تركتها للتو. لم يكن أحد يقول إنّ الاغتراب من جديد أمر سهل، ولكن مع النصائح التي اقترحناها جنباً إلى جنب مع عقلية إيجابية استباقية ستكون في وضع جيد لجني ثمار الحياة والخبرة المهنية المتغيرة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz