يُعتبر سمع الأطفال مختلف عن سمع الآخرين، ويمثل ذلك إحدى الغرائب العديدة لعلم الأحياء. كما إنّ هناك ترددات لا يمكن سوى للشباب والمراهقين فهمها. ويبدو في الآونة الأخيرة أنّ الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 20 عاماً يسمعون درجة عالية واحدة أفضل بكثير من بقيتنا، بما في ذلك معظم قادة الأعمال: وهو الإنذار الذي أطلقه علماء المناخ.

تأمل الشابة السويدية غريتا ثونبرج التي بلغت عامها السادس عشر في يناير/كانون الثاني الماضي. توقفت ثونبرج في العام الماضي عن الذهاب إلى المدرسة للاحتجاج على عدم القيام بأي إجراءات حيال تغير المناخ، مصرحة أنه لم يكن هناك فائدة تذكر في الدراسة لمستقبل قد لا يكون موجوداً. وحثت ثونبيرغ في غضون أشهر على اتخاذ إجراءات فورية من قبل قادة الأعمال في المنتدى الاقتصادي العالمي، وأبلغت الأمين العام للأمم المتحدة وغيرهم في قمة المناخ العالمية في بولندا أنهم "يسرقون مستقبل الأطفال أمام أعينهم". وبدأ ما قالته يؤتي ثماره، ورُشّحت لجائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها.

كما يسير الآلاف من الشباب البلجيكي كل أسبوع إلى مبنى الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وشهد يوم 15 مارس/آذار أكبر الاحتجاجات التي يقودها الشباب في التاريخ، حيث خرج ما يقدر بنحو 1.6 مليون طالب في 300 مدينة حول العالم من المدرسة للتظاهر بشأن اتخاذ إجراءات حول المناخ. شاركتُ في مسيرة نيويورك وكان الحماس متّقد، والتقيت مع بعض زملائي مع مجموعة من المراهقين الذين دعونا "بكبار السن الذين يجب عليهم القيام بشيء ما"، لكنني لم آخذ الأمر على نحو جدّي شخصياً.

وهناك ما هو أكثر من ذلك، إذ عقدت مجموعة شبابية جديدة، أُطلق عليها حركة "صن رايز موفمينت" (Sunrise Movement)، مؤخراً اجتماعاً مثيراً للجدل إلى حد ما مع السناتور ديان فاينشتاين من كاليفورنيا بشأن دعمها لسياسات المناخ. وقامت مجموعة من المراهقين بمقاضاة الحكومة الأميركية لفشلها في حمايتهم من تغير المناخ. ويعمل السياسيون الأصغر سناً أيضاً على إبداء رأيهم. انظر أيضاً إلى ما حققته النائبة أليكساندريا ألكسيو كورتيز البالغة من العمر 29 عاماً في نيويورك خلال أشهر قليلة فقط من توليها منصبها. حيث دفعت أصغر امرأة منتخبة في الكونغرس الأميركي على الإطلاق شروط المناقشات حول المناخ بشكل كبير من خلال طرح مجموعة واسعة من أهداف المناخ وعدم المساواة تحت شعار "الصفقة الجديدة الخضراء".

تأمل دور الشباب في الحركات الاجتماعية السابقة قبل أن تعتبر هذه القضية ضجة كبيرة. لقد قاد مواليد جيل الطفرة السكانية الحركة المناهضة للحرب عندما كانوا أطفالاً ومراهقين. وقاد الاعتصام الشهير على طاولات الغداء في غرينسبورو أربعة شبان أعمارهم 17 و 18 و 19 عاماً. ووضع أطفال أميركيون من أصل أفريقي حداً لسياسة الفصل العنصري في المدارس بشجاعة، وكان أول شخص يتم اعتقاله لرفضه التخلي عن مقعدها في الحافلة هي كلوديت كولفين البالغة من العمر 15 عاماً، ولم تكن روزا باركس في الواقع. في الحقيقة، من الصعب التفكير في أي حركة اجتماعية جوهرية لم يكن بها شباب لا يعرف الخوف في صميمها.

وتتسارع وتيرة الحركات الاجتماعية اليوم بفضل الأدوات القوية لوسائل التواصل الاجتماعي والاتصال المتاح على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع. إذ اجتذب شباب "باركلاند تيينز" (Parkland Teens) الناجون من حادثة إطلاق النار المروعة في المدرسة في فلوريدا العام الماضي الملايين من متابعي تويتر خلال أيام. ودعوا في غضون أسابيع قليلة إلى المسيرات التي حضرها أكثر من مليون شخص في جميع أنحاء العالم. وأقر مجلس النواب الأميركي بعد انقضاء سنة على ذلك أول تشريع للرقابة على الأسلحة منذ عدة سنوات.

هل ستنتهي حركة المناخ هذه بنفس القدر من الأهمية التي مُنحت للحركات المناهضة للحرب، والحقوق المدنية؟ من الصعب التنبؤ الآن. ولكن من الواضح أننا في منتصف عملية إعادة ترتيب كبيرة للقيم المحيطة بالمناخ. فقد أصبح من غير المقبول الآن بالنسبة للناشطين الشباب، وملايين الأشخاص الذين يلهمونهم، تبني إنكار المناخ أو لعب بطاقة "التريّث". إذ لا يقدرون تسلّمهم لكارثة سيتعيّن عليهم التعايش معها لمدة 70 إلى 80 عاماً القادمة.

وهذا ما يقودني إلى الشركات، والتحذير بأنه لا يمكن لأي مؤسسة تجنب التغيرات في القيم. تذكر أنه كانت هناك لحظات في التاريخ كان من المقبول فيها عموماً استخدام العبيد أو الأطفال في سلاسل الإمداد، والغمز في التحرش الجنسي المتفشي في المكاتب، والتخلص من النفايات في الأنهار والهواء بحريّة.  ولم تُحل أي من هذه المشكلات اليوم، وقلة قليلة من الشركات لا تعتبر هذه القضايا على أنها مشاكل. لكن الأخلاق تغيرت وكذا القوانين.

وبينما يتجه المسؤولون التنفيذيون بشكل متزايد نحو اتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لإرضاء هذا الجيل التالي من الزبائن والموظفين، مع الأخذ في الاعتبار أن تصريحاتهم العلنية بشأن خفض انبعاثاتهم أو شراء الطاقة المتجددة أصبحت بمثابة العرف في الشركات الكبيرة. في الواقع، يبدو أنّ الشركات أكثر راحة في اتخاذ مواقف صريحة بشأن قضايا مثل العرق والهجرة والعنف المسلح قبل التحدث بقوة عن البيئة.

ولكن هذا يحتاج إلى التغيير الآن. لقد حان الوقت على حد تعبير السيناتور الأميركي شيلدون وايتهاوس "لرجال الأعمال الطيبين" "من أجل الظهور في الكونغرس للضغط من أجل الإجراء المناخي". كما نحتاج إلى رؤساء تنفيذيين في قاعات السلطة على مستوى الولايات وعلى المستوى الفيدرالي للحث على سياسة عدوانية.

ولا تُعتبر هذه فكرة جديدة بالطبع، لكن تاريخ الضغط على المناخ ضئيل. نظمت بعض المؤسسات غير الحكومية المركزة فعاليات "لزيارة العاصمة واشنطن" على أمل إيجاد حلول مناخية ترضي الحزبين. لكن في الواقع، كانت الشركات الأصغر حجماً فقط على استعداد للمشاركة هناك، مع استثناءات قليلة. بينما يوقع كبار اللاعبين على بيانات عامة مثل "ما زلنا معكم"، وهي بداية جيدة، لكنها غير كافية لمستوى التغيير المطلوب. بل يجب عليهم إضافة بعض الحماس في اللعبة وأن يصبحوا أكثر صخباً وعدوانية.

وسينطوي ذلك على الاختلاف مع السياسيين في الممارسة العملية، وحتى مع الرئيس الذي قال أن اتخاذ الإجراءات سيكون مكلفاً، أو أن تغير المناخ هو مجرد خدعة. في الواقع، أظهر استطلاع حديث رغبة 76% من الأميركيين أن تتخذ الشركات موقفاً تجاه ما يعتقدون، حتى لو كان مثار جدل سياسي.

وقد يتطلب الأمر مجرد شباب أميركيين لجعل الشركات تتخذ موقفاً حقيقياً وعلنياً لاتخاذ إجراءات عالمية صارمة بشأن تغير المناخ؛ لكن إذا لم يفعلوا ذلك، فإنهم يخاطرون بالتعارض مع جيل كامل من الموظفين والزبائن.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!