تابعنا على لينكد إن

تقول دراسة هامة، نُشرت في مجلة المناخ الطبيعي المتغير (Nature Climate Change)، أن تغيّر المناخ سوف يكون أمراً مكلفاً للغاية، واتضح بأنّ العبث بمنظم درجات الحرارة في الكوكب له انعكاسات سلبية على الاقتصاد والاستثمارات. لا يتعلق الأمر بالدببة القطبية فحسب، ربما تكون المعاشات وصناديق التقاعد في خطر.

هذه ليست المرة الاولى التي يُحذرنا فيها خبراء الاقتصاد من التكاليف المترتبة على تغيّر المناخ. قامت بعض الدراسات السابقة عن اقتصاديات المناخ، مثل تقرير ستيرن الشهير قبل عقد من الزمن، بتقييم المخاطر على المستوى الكلي نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وقامت دراسات أخرى باستكشاف أثر التحرك العالمي لتقليل انبعاثات الكربون على الاستثمارات في الوقود الأحفوري على الخصوص. يُقدّر هذا التقرير الجديد بأن المخاطر ستمتد إلى جميع المحافظ والأصول المالية، الأمر الذي يجب أن يُثير انتباه المستثمرين.

تتنبأ الدراسة، إذا استمر المسار الحالي للانبعاثات، بأنّ القيمة المعرضة للمخاطر في المحافظ العالمية تتراوح ما بين 2 إلى 25 تريليون دولار، وحسب تصريح لجريدة الجارديان، أفاد سيمون دايتز، من كلية لندن للاقتصاد، والمؤلف الرئيسي للتقرير بقوله: “ستكون الاستثمارات طويلة المدى، في وضع أفضل في عالم تنخفض فيه انبعاثات الكربون”.

يزداد شيوع التقديرات التي تتنبأ بأنّ مخاطر التغيّر المناخي ستُكلّف العالم تريليونات الدولارات، حيث أُصدرت تقرير “سيتي” حول التكاليف والفوائد المترتبة على تحويل نظام الطاقة نحو التقنيات منخفضة الكربون، وحسب التقرير فإنّ التغير المناخي، إن ُترك على حاله، سيُكلّف العالم 72 تريليون دولار بحلول منتصف هذا القرن. ولكن المفاجأة في هذا التقرير هي تكلفة بناء اقتصاد منخفض الكربون، حيث أفاد التقرير بأنه يمكن للعالم توفير مبلغ 2 تريليون دولار في المجمل على تكاليف البنية التحتية للطاقة والتكاليف المستمرة للوقود، مقارنة بسيناريو ترك الأمور كما هي عليه. إذاً، نوفر 2 تريليون دولار، ونتجنب خسارة 72 تريليون دولار من الأنشطة الاقتصادية.

وبقدر ما هي مقنعة، فإنّ الأرقام في تقرير “سيتي” قد تكون شمولية بقدر لا يحصل على اهتمام المستثمرين. عندما ينظر المستثمرون إلى مخاطر المناخ (إذا فعلوا ذلك) ينصب جل تركيزهم على تأثير الجهود العالمية للحد من انبعاثات الكربون على صناعة الوقود الأحفوري. وتتطلب محاولة الحد من الاحتباس الحراري إلى 2 درجة مئوية، الاحتفاظ بكميات كبيرة من الوقود الأحفوري في الأرض، وبالتالي أصبحت “الأصول المجمدة” الموجودة في الميزانيات العمومية للشركات النفطية، بلا قيمة، وبالتالي صارت قيمة تلك الشركات مبالغ فيها بشكل كبير.

تبدو جدلية الأصول المجمدة مخيفة من الناحية المالية، لكن ليس إلى درجة تحويل تدفقات الأموال الرأسمالية باتجاه الاقتصاد النظيف. ربما يؤدي بحث “ديتز”، الذي يُفيد بأن التغير المناخي يهدد جميع الأصول، إلى تحول في اتجاهات المستثمرين، حيث بدأ بعض المستثمرين على المدى الطويل، كصناديق التقاعد والصناديق السياسية، بالشعور بالقلق وشرعوا في اتخاذ الخطوات المناسبة. على سبيل المثال، قام الصندوق السيادي للنرويج بقيمة 900 مليار دولار بالتحول عن الاستثمار في الفحم الحجري. إذاً، يتوجب على هذه الصناديق التخطيط لعقود في المستقبل، الأمر الذي يحمل في طياته بعض التأثيرات المناخية المخيفة.

هناك دراسة علمية ذات تداعيات ضخمة على أي شخص يعيش أو يستثمر في العقارات الساحلية. خلُص بعض العلماء البارزين أنّ ارتفاع مستوى سطح البحر، الذي كان من المفترض أن يحدث على مدى قرون، من المرجح أن يحدث الآن في غضون عقود قليلة. المعنى الضمني الواضح هو أنّ أي استثمارات مرتبطة بالأصول المادية الساحلية يمكن أن تكون في خطر حقيقي. هذه الأطر الزمنية ليست ذات قيمة نظرية لأصحاب الأصول طويلة الأجل. على سبيل المثال، مُعلمة مدرسة في العشرين من العمر لها إسهامات في صندوق التقاعد اليوم، تتوقع دفع تعويضاتها بعد 50 عاماً من الآن. في ذاك الوقت سيكون هناك مساحات شاسعة من بوسطن ونيويورك وميامي ونيو أورليانز في الولايات المتحدة الأميركية غير صالحة للعيش.

ينبغي على أي شركة كبيرة إعادة النظر في اتجاهات رأس المال الخاصة بها ولا يقتصر الأمر على مجتمع الاستثمار. هناك أسئلة هامة ينبغي التفكير بها:

  • هل لديك، أو لدى مورديك، أصول ساحلية هامة؟ وما هي مخاطر انخفاض القيمة؟ بعبارة أخرى، هل من المنطقي أن تقوم شركة للضيافة أو شركة عقارية ببناء فندق جديد، أو شقق، أو مجمع للمكاتب على الساحل في ميامي في الولايات المتحدة الأميركية؟ أو أن تقوم بتشييد مصنع يتطلب احتياجات كبيرة من المياه في منطقة تعاني من شح المياه؟ هل سيكون هذا الاستثمار مجدياً أو يحافظ على قيمته خلال فترة الاستهلاك العادية؟
  • أين تستثمر الأصول المالية الخاصة بك وفي أي الفئات؟ هل هناك تعرض كبير للفحم الحجري أو الوقود الأحفوري؟ ماذا عن معاشات موظفيك أو خطط التقاعد الخاصة بهم؟ إذا قمت بتجاهل التحذيرات التي أطلقت قبل بضع سنوات حول الانتهاء الوشيك لصناعة الفحم، فلربما قد فات وقت التراجع.
  • من ناحية أخرى، ما هي الفرص التي قد تنشأ من فقاعة الكربون؟ سيكون هناك رابحون وخاسرون، لذلك أين سيكون أولئك الفائزين؟

لا توجد إجابات سهلة على هذه الأسئلة، وهناك عدد قليل جداً فقط من الشركات التي تفكر بالمخاطر النظامية التي تمتد على مدى عقود، لاسيما في ظل مناخ “الخطيط قصير المدى” السائد اليوم.

وضع قيمة على المخاطر أو الفرص هو أول خطوة هامة لإيصال الرسالة إلى رجال الأعمال، والأرقام التي تطرحها المصارف والأكاديميين ستساعد على تحريك نفوس (أو محافظ) مجتمع المستثمرين. ولكن تبدو هذه الأرقام كأنها غير معقولة، فعندما تصل إلى عشرات التريليونات، فكأنك تقول إلى ما لا نهاية. تُعتبر الآثار السلبية لمثل هذه المبالغ كبيرة جداً، وتستحق الجهد والعمل لتلافيها. دعونا نأمل بأن يقوم قادة الأعمال وصناع القرار بالالتفات للتحذيرات واغتنام الفرصة لبناء عالم منخفض الكربون أكثر مرونة وربحية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz