تسعى المؤسسات إلى استغلال إمكانات التعهيد الجماعي من خلال طلب أفكار من الأشخاص من جميع أنحاء العالم. لكن ما الذي يجعل التعهيد الجماعي ناجحاً؟ قمنا بإجراء مشروع بحثي واسع النطاق لفهم السبب وراء نجاح بعض المؤسسات في جذب الجماهير في الوقت الذي تفشل فيه مؤسسات آخرى.

بُذلت جهود كثيرة على مدار مئات السنين للاستفادة من المعارف المتوفرة لدى مساهمين خارجيين. فعلى سبيل المثال، استخدم البرلمان البريطاني التعهيد الجماعي لإيجاد حل لمشكلة تحديد خطوط الطول التي كانت تعد بمثابة إحدى أبرز المشاكل العلمية في القرن الثامن عشر. وعلى نحو مشابه، حاول نابليون جاهداً أن يمد قواته التي تقاتل في حروب بعيداً عن بلادها بأطعمة مغذية، ولجأ إلى التعهيد الجماعي ليجد حلاً.

ومنذ وقت قريب، أدى الإنترنت إلى حدوث نهضة واعتماد واسع على التعهيد الجماعي. وقد استثمرت بعض المؤسسات إمكاناتها في ذلك، حيث قامت نتفليكس مثلاً باستخدام التعهيد الجماعي لتحسين محرك الاقتراحات الخاص بها بنسبة 10%، لتجذب أكثر من 44,000 فكرة لفيلم ومسلسل جديد. وفي عام 2008، أطلقت ستاربكس موقعها الإلكتروني MyStarbucksIdea.com للحصول على آراء العملاء، وقد استقبلت حتى الآن أكثر من 100,000 ملاحظة من عملائها حول العالم.

هذه الأمثلة ليست صعبة على الفهم، لذا لنذهب إلى نموذج آخر وهو نجاح وكالة ناسا باستخدام التعهيد الجماعي في تقليل التعرض للأشعة الكونية في محطة الفضاء الدولية، حيث عرض أكثر من ألف شخص حلولاً محتملة لهذه المشكلة، حصل أربعة منهم على جائزة نقدية مقابل أفكارهم الإبداعية. هذه الأمثلة تبين أن الكثير من المؤسسات قامت بترجمة التعهيد إلى سيل غني بالأفكار، يساعدها على تحسين منتجاتها وخدماتها.

ولكن لم تنجح جميع المؤسسات في جذب الجماهير. خذ على سبيل المثال حزب القراصنة في ألمانيا (نعم، هذا حزب سياسي ألماني حقيقي). في عام 2012، قرر الحزب أنه يرغب بتعهيد برنامجه السياسي جماعياً بدلاً من تحديده على المستوى الداخلي. كان عمر الحزب ستة أعوام فقط في ذلك الحين، ووجد طريقه إلى عالم السياسة الألمانية متعددة الأحزاب كشكل من أشكال الاحتجاج على الأشكال السياسية التقليدية في ألمانيا وكحالة تأييد للثورة الرقمية. قرر الحزب الاستفادة من الآراء على موضوع حظر ختان الإناث المتداول على نحو مثير للجدل. واستجاب 20 فقط من بين المستهدفين في الاستطلاع، وهم سكان منطقة شمال الراين وستفاليا الذين يصل عددهم إلى 18 مليون شخص، وحصد الحزب 7.8% من الأصوات في الانتخابات المحلية الأخيرة. ولم تخفف مجلة دير شبيغل حدة انتقادها للحزب، حيث قالت: "إنها ديمقراطية شعبية لا يشارك فيها أحد".

قمنا بإجراء بحثنا الذي صدر مؤخراً في هيئة ورقة بالتعاون مع شركة يوزر فويس (UserVoice). هذه الشركة تدعم مدراء المنتجات في عملية تعهيد أفكارهم ووضعها على سلم الأولويات. وقمنا بدراسة جهود التعهيد الجماعي لأكثر من 20,000 من المؤسسات الممثلة.

يكشف بحثنا أن نجاح المؤسسات في التعهيد الجماعي أو فشلها يمكن تفسيره بالإجراءات التي تتخذها هذه المؤسسات. ويبين بحثنا على نحو خاص أن المدراء الذين تنجح مؤسساتهم في التعهيد يتخذون نوعين من الإجراءات.

الاهتمام المسبق: اعط لتأخذ

تقوم المؤسسات الناجحة بوضع الأفكار بنفسها ثم تدعو الناس لمناقشة هذه الأفكار، بدلاً من الانتظار حتى يتم تقديم الأفكار لها. يوفر أخذ زمام المبادرة في تقديم معلومات قيمة للمساهمين الخارجيين من خلال إظهار نوع الأفكار التي تهتم بها المؤسسة. وهو يعرض الثقة للخطر لأن المؤسسات تمنح المساهمين لمحة عن مسارات الابتكار المحتملة لديها. وفي نهاية المطاف، فإن ذلك يمكّن المساهمين الخارجيين من تقييم أفكار المؤسسة. ولذلك يساعد الاهتمام المسبق في تكوين نمط تواصل متبادل ويعزز مشاركة المعرفة. فيكون المساهمون أكثر دافعية لتقديم أفكارهم الشخصية.

يعتبر تشجيع المساهمين على مشاركة أفكارهم الخاصة بالغ الأهمية بشكل خاص في المراحل الأولى من التعهيد. فلا يرغب أحد المساهمين بأن يكون أول من يقدم اقتراحاً، لذا يجب أن تضع المؤسسات أفكارها الخاصة للنقاش المبكر حولها. وفي واقع الأمر، يظهر بحثنا بالفعل أن تأثير المساهمة في أفكار المؤسسة نفسها يتضاءل بمجرد نجاح المؤسسة في جذب المساهمين.

الاهتمام التفاعلي: أظهر اهتمامك

يظهر بحثنا أيضاً أن المؤسسات التي تستجيب علانية للاقتراحات المقدمة لها (الاهتمام التفاعلي) تحصل من المساهمين الخارجيين على اقتراحات أكثر بكثير من تلك التي يحصل عليها من لا يفعلون ذلك، وهو ما يعزز ثقة المساهمين الخارجيين، ويشجعهم على المساهمة بشكل أكبر. كما يشير إلى نوع الاقتراحات التي تقدرها المؤسسة، ويبين لأصحاب الاقتراحات الأخرى ما هو ملائم للمؤسسة.

ويأتي الاهتمام بالقادمين الجدد على وجه الخصوص بنتائج مذهلة. فهم لا يعلمون بالفعل فيما إذا كانت المؤسسة ستستمع إلى أفكارهم. ولو علموا أن المؤسسة تهتم بأفكارهم من خلال التجاوب معهم، فسيستخدمون وجهات نظرهم الجديدة ويقدمون العديد من الأفكار.

وبأخذ هذه النتائج معاً، وجدنا أن المدراء الذين يقومون باتخاذ إجراءات صحيحة يمكنهم زيادة فرص النجاح بصورة ملحوظة. فقد يكون القليل من الاهتمام المسبق والتفاعلي هو كل ما تحتاجه المؤسسة لضمان نجاح مساعيها في التعهيد الاجتماعي.

من باب الحيطة والحذر

تبدو هذه الإجراءات الفعالة إجراءات مباشرة، لكنها قد تأتي بنتائج معاكسة للتوجه الطبيعي للمؤسسة. وبينما يمكن أن تتوقع الشركات استقبال أفكار قبل استعدادها لمشاركة أفكارها، إلا أن بحثنا يقترح أن مشاركة الأفكار قبل استقبالها يزيد من فرص النجاح. كما يبين بحثنا أن المؤسسات تفضل التركيز على المساهمين المعروفين الذين سبق لها أن تعاملت معهم، ولكن يجب عليها أن تركز على المساهمين الجدد بدلاً من أولئك.

يقع على عاتق المدراء إنجاح التعهيد الاجتماعي من خلال مكافحة هذه الميول، حيث إنّ تشغيل مضخة قبل إمدادها بالماء من قبل قد يكون معاكساً للتوقعات البديهية، وبنفس الطريقة يجب أن تولي المؤسسات انتباهاً للجمهور قبل أن يقوم بتقديم أفكاره.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!