من المتوقع أن يتحسن أداء المدراء في المؤسسات التي تعتمد على نظام الترقية والفصل بحسب التطور، فأولئك الذين لا يتحسن أداؤهم الوظيفي يتم فصلهم عن العمل في أسوأ الأحوال، أو يُنقلون إلى أقسام المؤسسة الأقل أهمية أو يُكلّفون بأدوار هامشية في أفضل الأحوال. يولّد هذا النوع من البيئات ضغطاً مستمراً للتنافس مع زملاء العمل من أجل الحصول على أفضل المناصب وفرص الترقية. ويرفع العديد من أصحاب المؤسسات (بما في ذلك، الجيش الأميركي) وطأة المنافسة بين الموظفين من خلال هيكل تقييم تنافسي يُقيّم الموظفين مقارنة ببعضهم البعض لتمييز أصحاب الأداء الأفضل عن الباقين. لهذا النهج عيوبه بالطبع: إذ يمكنه دفع الموظفين لتعزيز الذات واستنزافهم ذهنياً وجسدياً وتركيزهم على الأداء الفردي، بدل التركيز على أداء المجموعة، وتعمّد التقليل من شأن زملائهم. لهذا السبب، يفكر البعض من المسؤولين في الجيش الأميركي في تغيير سياستهم في ما يخص الترقية أو الفصل بحسب تحسّن الأداء الوظيفي. ولهذا السبب تجري شركات مثل كولوركون (Colorcon) وديلويت (Deloitte) إصلاحاً شاملاً لأنظمة إدارة الأداء الخاصة بها. لكن في الوقت ذاته، ما الذي يمكنك فعله في مثل هذه البيئة لتبني مسيرتك المهنية من دون التعرض لأضرار جانبية؟ بصفتنا مدراء من المستوى المتوسط لشركات منفصلة (مجموعات مكونة من 140 إلى 210 شخصاً) تابعة للفرقة ذاتها من الجيش الأميركي، تم تقييمنا مقارنة ببعضنا البعض. إذا كنا قد نظرنا إلى بعضنا البعض نظرة متشددة كمتنافسين، ربما كنا سنميل إلى الدفاع عن نجاحاتنا وإخفاء عيوبنا وتجنب التعاون معاً. لكن كانت لدينا نظرة مختلفة، إذ أدركنا أنّ نجاح الآخرين لا يقلل من إنجازاتنا، وبالتالي تجنبنا التفكير بعقلية "الندرة". كنا نعتقد أنّ التعاون من أجل تحقيق نجاح فردي مشترك سيعود بالنفع علينا وعلى الشركة، واتضح أنّ ذلك كان صحيحاً. وبينما كنا نقود شركاتنا، ونخضع لتقييمات وترقيات تنافسية، أخفق كل منّا في عمليات التفتيش عالية المستوى التي تجري لشركاتنا. يجري فريق التقييم والصيانة التابع لقيادة الجيش الأميركي عمليات التفتيش تلك لتقييم الإجراءات والنظم الإدارية للصيانة والخدمات اللوجستية والاتصالات. كنا حديثي العهد نسبياً في مناصبنا كرؤساء شركات وواجهنا تدقيقاً شديداً. وبالتالي، كان من الأفضل لنا أن نحتفظ بنتائج التفتيش السيئة لأنفسنا، بل ونقدم الأعذار لها. لكن واحداً منّا، وهو دان، كان يملك الشجاعة لكشف نتائج التفتيش الخاصة به. لقد أخبرني بنتائج تقييمه، إذ أدرك دان أنّ أخطاءه لا تحدد قدراته كقائد. ونظراً لأنه عمل من قبل معي في منصب آخر، كان دان يثق بأنّني لن استغل هذه المعلومات أو أستخدمها ضده. وأدرك أيضاً أنّني زميل مشابه له في التفكير وأقدّر أداءه. الأهم من ذلك، رأى دان إمكانية للتعاون والعمل معاً للحصول على مكافأة مشتركة، وكان الكشف عن هذه المعلومات لزميل، أمراً يستحق المجازفة. لقد قدرت هذه الأمانة وقمت بردها بالمثل، ونتج عن ذلك مستوى أعلى من الثقة المتبادلة بيننا، وفتح الباب أمام التعاون المشترك. وبدلاً من الاستسلام للرغبة الفطرية في كبح مشكلة نتائج التفتيش السيئة، وحدنا جهودنا وساعدنا بعضنا البعض لمعالجة النتائج السيئة من خلال تبادل الأفكار التي ستعود بالنفع على كل منّا. على سبيل المثال، شارك دوغ مع دان بعض المفاهيم الجديدة لتحويل قائمة ضرورية من المتطلبات إلى معايير وأولويات قابلة للإدارة، والتي كان قد طورها بعد إجراء مراجعة شاملة لعمليات شركته. وشارك أيضاً أنظمة لضبط العرض قللت أوجه القصور الشائعة. ولقد طبق دان هذه الأفكار على مجموعته، وشرح خطته (مستلهماً انفتاح منافسه) لدمج التقييمات الجيدة التي منحها له فريق التفتيش. ونظراً لتأثرها الشديد بالمتطلبات الأخرى، تجاهلت شركات الفرقة فريق التفتيش كثيراً حتى حان وقت التقييم النصف السنوي، لكن فريق التفتيش كان سعيداً للغاية لإصدار تقييمه مسبقاً. وتُعد هذه الخدمة، التي تُعرض على نطاق واسع لكن نادراً ما تُستخدم، بمثابة نظرات متكررة على متاجر السلع في الشركات (الفرق الوظيفية الصغيرة التي تركز على إدارة الموارد البشرية وصيانة المعدات واللوازم وما إلى ذلك). وحدد دان موعداً لإجراء تفتيش أولي لكل متجر سلع في يوم مختلف، وبالتالي يكون من الأسهل تحديد المشكلات بأدق تفاصيلها. وقد تبنى دوغ هذه الفكرة، وأوضح بدوره كيف كانت شركته تستخدم المقاييس واجتماعات مجموعة العمل لتحقيق تحسن ملموس في كل جانب من جوانب التفتيش. كان كل هذا التعاون في صالحنا، ونتيجة لتبادل المعرفة بيننا والتقييمات النزيهة التي منحناها لبعضنا البعض، ازدادت كفاءة الشركات في كل جوانب التفتيش، وارتفعت التقييمات من "غير مدرب" إلى "جدير بالثناء". يذكرنا نهجنا هذا كيف تعاون فريقا جاكسونفيل جاغوارز (Jacksonville Jaguars) ونيو إنغلاند باتريوتس (New England Patriots)، وهما المتنافسان ضمن الرابطة ذاتها في الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية، من خلال تدريبات ومباريات مشتركة خلال معسكرات الإعداد للموسم الجديد في العام 2017. وفي 21 يناير/كانون الثاني الماضي واجه الفريقان بعضهما البعض ضمن منافسات رابطتهما، لكنه لم يكن صراعاً صفرياً، بل استفاد الفريقان من العمل معاً في معسكر الإعداد قبل الموسم. هل خسر فريق جاغوارز في ذلك اليوم؟ نعم، لكنهم كانوا أفضل كمنظومة مما كانوا عليه قبل عام حين لم يفشلوا في الوصول إلى مرحلة التصفيات فحسب، بل فازوا بثلاث مباريات فقط وخسروا 13 مباراة. علاوة على ذلك، أعطت هذه التدريبات المشتركة لمحة أولية لفريق باتريوتس عن فريق جاغوارز الذي أُعيدت هيكلته تماماً وكان يضم العديد من اللاعبين الموهوبين تحت قيادة مدرب جديد وهو دوغ ماروني، ومدير إداري جديد وهو توم كافلين. ونتيجة لهذه التدريبات المشتركة، عرف فريق باتريوتس كيف يحترم فريق جاغوارز ويراقبه طوال الموسم، وهو الأمر الذي من شأنه أن يساعدهم في منافسات رابطة المؤتمر الأميركي لكرة القدم بعد أشهر عدة. وبالمثل، ومن خلال تعاوننا المشترك، ساعدنا بعضنا البعض على تحسين أدائنا وأطلقنا شرارة ثقافة الثقة والإصلاح المتبادل. وتفاعل أفراد شركتنا مع سلوكنا وبدأوا بناء علاقاتهم الخاصة مع كل صفوف الفريق. وشارك كبار مدراء التموين لدينا معلومات عن تنقيح العمليات الوظيفية للاستفادة من نظام تتبع رقمي لممتلكات للجيش. ومن خلال توفير الوقت في إدارة الأسلحة والمعدات، ربح هؤلاء المدراء وقتاً للابتكار في نواحي أخرى، وواصل كل منهم الأداء الجيد ليحصلوا على تقييمات ممتازة في عمليات التفتيش، بجانب ترقيات في المرتبة الوظيفية والأجور. وفي وقت لاحق، في أثناء اختبارنا التدريبي الشامل السنوي (وهو اختبار شاق لمدة 30 يوماً في صحراء موهافي بولاية كاليفورنيا الأميركية) واصلنا الاستفادة من تعاوننا الوثيق. كشف دوغ لدان عن تصميم مبتكر لمركز العمليات الخاص به، وهو مركز رئيسي مخصص للعمليات والاتصالات، ونتيجة لذلك، أصبحت كلتا الشركتين أكثر كفاءة. وشملت الخطط أنظمة تتبع تناظرية ورقمية لإدارة سلسلة الإمداد والتوريد بالإضافة إلى منصة اتصالات استكشافية صُممت بواسطة أحد أعضاء فريق دوغ، التي من شأنها أن تسهّل تفكيك وتجميع أجهزة الراديو عندما كان من الضروري أن تتنقل وتعيد إنشاء اتصال في ساحة المعركة. ساعد دان في تحسين هذا التصميم، وكشف عن مفهوم استخدمه مركز عملياته لحماية الأنواع الأخرى من المعدات لتسهيل نقلها. ما أدى إلى جعل كلا المركزين أكثر استكشافية وخلق قدرة حاسمة للاختبار التدريبي وما بعده. يمكن أن يكون قرار الكشف عن الإخفاقات الشخصية وإخفاقات الفريق للمنافسين بهدف التعاون صعباً. يتوجب عليك أن تعلم من يمكنك الوثوق به، لكن بمجرد أن تكتشف ذلك، يمكن للقادة الأفراد الاستفادة بشكل كبير بالإضافة إلى المؤسسة ككل. وفي حين تم تصنيفنا مقارنة ببعضنا البعض في نهاية المطاف، استفاد كل منا من عملنا الجماعي. وفي مجال تنافسي يضم أكثر من 30 مديراً، كان هناك متسع كبير لكل منّا للنجاح لأننا لم نقيد أنفسنا بحدود قدراتنا.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!