يقول أبراهام لينكون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأميركية: "عليك أن تمحق عداء عدوك بجعله صديقاً". يبدو أنّ الرئيس السادس عشر في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية تطرق ضمنياً لمنطق الأعمال الذي انتشر منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو سيادة منطق التعاون بدل منطق التنافس القائم بين المؤسسات، وهذا المنطق المبني على المنفعة المتبادلة موجود بين العديد من المخلوقات المختلفة والمتنافسة في بعض الأحيان. فقد لاحظ العلماء مؤخراً تعاون الذئاب مع الضباع من أجل الصيد معاً في صحراء النقب بالشرق الأوسط، فالذئاب لديها مهارات صيد فائقة ضمن مجموعات، ويتميزون بالسرعة والرشاقة، بينما تتميز الضباع بحاسة شم قوية وقدرة كبيرة على كسر العظام الصلبة، وبالتالي استفاد كل طرف من نقاط قوة شريكه من أجل الحصول على الطعام في بيئة يندر فيها هذا الأخير. يقول فلاديمير دينتس من جامعة تينيسي في هذا الصدد: "غالبا ما يكون السلوك الحيواني أكثر مرونة مما هو مذكور في الكتب المدرسية، عند الضرورة يمكن للحيوانات التخلي عن استراتيجياتها المعتادة وتعلم شيء جديد وغير متوقع، إنها مهارة مفيدة للمجتمعات الإنسانية أيضاً".

بالنسبة لمجال الأعمال، فالمؤسسات تتعاون بطرق مختلفة من أجل تحقيق أهداف مشتركة معلنة وغير معلنة، ويتخذ هذا التعاون أشكالاً مختلفة يُطلق عليها في مجملها اسم "شراكات استراتيجية". ولإبراز أهمية التعاون المؤسساتي نذكر على سبيل المثال قيام مؤسسة جنرال إلكتريك بإبرام ما يزيد عن 100 شراكة استراتيجية في الكثير من المجالات. كما دخلت آي بي إم في حوالي 400 تحالف استراتيجي، أما مؤسسة أوراكل فقد دخلت فيما يزيد عن 15,000 شراكة في مجال برمجيات الكمبيوتر و غيرها من المجالات، في حين تنشط تويوتا ضمن شبكة واسعة من العلاقات التعاونية. ما يميز هذه الاتفاقات عن اتفاقات التوريد العادية هو اختيار المؤسسات الكبيرة لموردين أو شركاء قادرين على التعلم والإبداع وتصميم مدخلات أو منتجات جديدة تساير التطورات الحاصلة في السوق ومتطلبات الشريك.

بالعودة إلى مثال تعاون الذئاب مع الضباع، نجد أنّ في علاقات التعاون القائمة بين المؤسسات ما يشبه طريقة تعاون هذه الحيوانات التي تعتمد على نقاط قوة شريكها، فالاتفاق الذي أبرم في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بين مؤسستي جنرال ميلز ونستله (الشركتان الناشطتان في مجال صناعة المواد الغذائية) يوضح هذا التشابه، فمجال التعاون كان محدداً بدقة (حبوب الإفطار فقط)، ما عدا ذلك بقيت كل مؤسسة مستقلة وتسوق منتجاتها الخاصة المنافسة لمنتجات المؤسسة الأخرى، لاسيما مشتقات الحليب والبسكويت والوجبات الجاهزة، ومن أجل تفعيل هذه الشراكة ساهمت جنرال ميلز بمعظم المنتجات بالإضافة إلى المهارات التسويقية، بينما ساهمت نستله بوسائل الإنتاج وشبكة التوزيع خاصة على مستوى أوروبا وهي مساهمات غير متماثلة تمثل نقاط قوة كل شريك.

في الحقيقة، إنّ اللجوء إلى التعاون لا يعني إلغاء المنافسة، بل إنّ كثيراً من المؤسسات تستخدم التعاون من أجل اكتساب مزايا تنافسية جديدة أو تطوير المزايا الحالية، لذلك، يقضي التعاون باختيار شريك يمكّن من تطوير (أو الحفاظ على) المركز التنافسي للشركاء أو حرمان منافسين آخرين من شريك مفيد. لتوضيح هذا الخيار، يمكن سرد الشراكة التي أُقيمت بين جنرال موتورز الأميركية وشركة سنيكما الفرنسية (أصبح اسمها سافران الآن) في مجال صناعة محركات الطائرات، حيث كان الشريكان يطمحان لتحسين مركزهما التنافسي مقارنة بمنافسين آخرين مثل رولز رويس (Rolls-Royce)، واستغلال الموارد الخاصة بكل شريك والمكملة لبعضها البعض، والتي لا يمكن شراؤها أو الحصول عليها بطريقة أخرى مثل العلاقات المتميزة مع حكومات بلديهما، بالإضافة إلى تجنب المنافسة المباشرة بينهما على المستوى الدولي، وبالتالي يمكن اعتبار التعاون "هدنة" تهدف إلى الحد من شدة المنافسة. في هذا السياق، وبالعودة إلى عالم الحيوانات المدهش، طورت مجموعة محددة من الدلافين في بحيرة لاجونا البرازيلية مهارات غير متوقعة لمواجهة المنافسة الشرسة على الأسماك المتوفرة، حيث لجأت إلى التعاون مع الصيادين المحليين من البشر عن طريق توجيه جموع الأسماك نحوهم ثم إعطائهم إشارة لرمي شباكهم بواسطة تحريك رؤوسها وضرب زعانفها على الماء، وتستفيد هي في المقابل من التشويش الحاصل في حركة الأسماك بسبب الشباك ما يسهل من عملية صيدها. يصف الدكتور ماوريسيو كانتور هذا السلوك في مقاله المنشور بمجلة "السلوك الحيواني" (ماي 2018) بقوله: "توجد منافسة بين الدلافين مثل المنافسة التي توجد بين البشر الصيادين". نلاحظ من المثال السابق أنّ مساهمة الشركاء غير متماثلة ومكملة لبعضها البعض، وهو ما يطلق عليه في عالم الأعمال "شراكات الربط أو التكامل" (Link Partnerships).

من جهة أخرى، وعلى الرغم من التنافسية الكبيرة التي تتميز بها المؤسسات متعددات الجنسيات، إلا أنها تلجأ إلى خيار التعاون بصفة دائمة، حيث تأكد الدراسات أنّ ما لا يقل عن 20% من إيراداتها تأتي من الشراكات، ويرجع هذا إلى المزايا التي يوفرها التعاون لاسيما مع المؤسسات المحلية في البلدان النامية مثل: إقامة علاقات متميزة مع السلطات المحلية والتعرف على عادات المستهلكين واختراق أسواق محمية من طرف حكومات بلدانها وغيرها من المزايا، بينما تحصل المؤسسات المحلية في المقابل على مزايا أخرى مثل الوصول إلى التكنولوجيا المتطورة وتعلم مهارات الشريك واستغلال سمعة الشريك وعلامته التجارية؛ وتعتبر الشراكة الإماراتية الجزائرية الألمانية خير دليل على هذا النوع من التعاون المؤسساتي، والذي أفضى إلى إنشاء عدد من المؤسسات المشتركة لتركيب تشكيلة واسعة من عربات مرسيدس العالمية في الجزائر، على أن يتم إنتاجها محلياً في المستقبل.

تجدر الاشارة إلى أنه عندما يكون التعاون قائماً بين شركاء متنافسين مثل العديد من الشراكات في مجال صناعة السيارات، يُطلق على هذه الوضعية اسم "تعاون – تنافس"(coopetition)، وهو مصطلح مركب يعني أنّ الاتفاق القائم ينطوي على علاقات تعاون وتنافس في ذات الوقت، هذه المنافسة ليست التي تحدث على مستوى السوق أي منافسة المنتجات، وإنما يقصد بها منافسة من نوع آخر، تلك التي تتعلق بالموارد الخاصة والمهارات التي يمكن الحصول عليها من الشريك، أي أنّ كلا الشريكين يسعى للتعلم أكثر من الشريك، وعادة ما يكون هذا التعلم ضمن الأهداف الضمنية غير المعلن عنها.

كخلاصة لما تم التطرق إليه، يعتبر التعاون خياراً استراتيجياً تلجأ إليه المؤسسات – شأنها شأن العديد من المخلوقات – لتحقيق أهداف مشتركة، لكنها تسعى في نفس الوقت إلى تحقيق أهدافها الخاصة مع بقاء كل طرف حراً غير خاضع للطرف الآخر، ولا يتم إلغاء المنافسة من جهتها، إنما تستمر بطرق أخرى مثل المنافسة على التعلم، وهنا يمكن الاقتباس من مقولة المنظر الاستراتيجي العسكري فون كلاوسوفيتز: "التعاون المؤسساتي هو استمرار للمنافسة لكن بطرق أخرى".

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!