دراسة حالة: هل يجب إيقاف مشروع ليس له مستقبل مضمون؟

13 دقيقة
التعامل مع المشاريع غير المضمونة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تعرض دراسات الحالة التي تصيغها هارفارد بزنس ريفيو على هيئة قصص خيالية لمشاكل يواجهها القادة في الشركات الحقيقية وتقدّم الحلول التي يراها الخبراء.

تستند هذه القصة إلى دراسة حالة في كلية هارفارد للأعمال بعنوان “الساحة البيضاء: عاصفة كبرى في موسكو” (White Square: A Perfect Storm in Moscow) من تأليف كودي إيفانز، وبريان بيترسون، وكريس ماهولد. والتي تدرس كيفية التعامل مع المشاريع غير المضمونة.

كان أليكس كوزاك جالساً في شقته في موسكو بانتظار اتصال من زميله نيكولاي كريلوف عبر تطبيق “زووم”. عندما ظهرت نافذة الفيديو أمامه أعلن نيكولاي مبتسماً: “لدي بشرى سارّة!”.

كان قد مر على أليكس وقت طويل لم يسمع خلاله ما يسر قلبه. في واقع الأمر، كان قد أمضى عدة أسابيع محتجزاً في شقته بسبب حالة الحجر العام المفروضة بسبب جائحة فيروس كورونا، وبدأ يشعر وكأن العالم يتداعى من حوله.

“لدي مشتر محتمل”، قال نيكولاي. كان هو وأليكس يعملان معاً منذ أكثر من ست سنوات على تطوير مبنى مكاتب تجارية تبلغ مساحته 65 ألف متر مربع في موسكو، كانوا قد أطلقوا عليه اسم “الساحة الشرقية”. كان أليكس يقود المشروع نيابة عن شركته العقارية “إي بي إم” (EPM) التي تعمل انطلاقاً من نيويورك، في حين كان نيكولاي يمثل شريكتها في شركة مشتركة محلية تدعى “كرازني إنفست” (Krasny Invest). كانت “كرازني” قد قايضت قطعة أرض رئيسية بالقرب من منطقة بريزينسكي وخبرتها في التعامل مع البيروقراطية الروسية في مقابل امتلاك حصة في المشروع تبلغ الثلث.1 في أواخر مارس/آذار، كان الرجلان قد اضطرا إلى إيقاف العمل، وكان أليكس يعتقد أنهما سيغتنمان فرصة هذا الاجتماع عبر الإنترنت لمناقشة سبل استئناف العمل من جديد في المشروع، ولم يكن بيع المشروع قد خطر في باله قط.

“إنها شركة استثمارية مقرها كازاخستان، وهم متحمسون جداً”، قال نيكولاي متابعاً حديثه إما متجاهلاً للصدمة التي بدت على وجه أليكس أو لأنه لم يلاحظها أصلاً. كان أليكس يعلم أن “كرازني إنفست” تتهاوى جرّاء الجمود المفاجئ الذي أصاب الاقتصاد الروسي، تماماً كما كان حال العديد من الشركات الأخرى، لكنه كان يعتقد إنهما سيتمكنان هو ونيكولاي من الوصول بهذا المشروع حتى النهاية. كان الجدول الزمني قد مُدد بطبيعة الحال، لكنهما كانا على بعد عام واحد فقط من الانتهاء من إنجاز المشروع بفضل فرق العمارة والهندسة والإنشاءات القوية التي كانا قد كوّناها، وكان لديهما مستأجر أساسي مهم، هو عبارة عن شركة أميركية تفتتح أول مكتب لها في روسيا.2

شرح نيكولاي الأمر بمزيد من التفصيل. فبحسب الصفقة المقترحة مع الكازاخستانيين، فإنهم سيقدّمون مبلغاً نقدياً لقاء رأس المال الأساسي المستثمر في المشروع يبلغ 100 مليون دولار إضافة إلى ربح صغير. ولم يكن ذلك إلا جزءاً صغيراً من الربح الذي كان كل من أليكس ونيكولاي قد توقعاه بثقة في يناير/ كانون الثاني الماضي ويبلغ 475 مليون دولار، ما يمثل زيادة مجزية عن الربح البالغ 200 مليون دولار الذي كان متوقعاً عندما طرح المشروع للمرة الأولى.

بطبيعة الحال، وكما كان أليكس يعلم تمام العلم، فإن الأشهر القليلة الماضية كانت قد شهدت ظهور العديد من المخاطر الجديدة. كيف سيكون شكل السوق العقارية في موسكو بعد عام من الآن؟ هل سيتعافى الاقتصاد بسرعة كبيرة؟ هل سيرتاد الناس مكاتبهم حتى؟ أم أن الشركات ستدرس تقليل مساحات مكاتبها وستترك الموظفين يعملون من منازلهم؟3 كان الفريق قد تمكن من التعامل مع التراجع الذي شهدته السوق العقارية في موسكو في عام 2017. لكن هذه الأزمة كانت وبكل وضوح مختلفة.

“أحتاج إلى التفكير في الأمر”، قال أليكس لنيكولاي.

“أنظر يا أليكس. نحن جميعاً نعاني،” قال نيكولاي، ثم أضاف: “بيني وبينك، شركتي بحاجة إلى سيولة. ولكن نظراً للطريقة التي تغيّر بها العالم هذا العام – وتحديداً التغيرات التي طالت مكان العمل – فإنني أعتقد أن من الذكاء بمكان التخارج الآن. قد لا نحظى بعرض مشابه مجدداً. تحدّث إلى أليسيا”.

كانت أليسيا هي العضوة المنتدبة في شركة تأمين مقرّها لندن تبلغ قيمة استثماراتها في العالم 150 مليار دولار، بما في ذلك حصة تبلغ 33% في مبنى “الساحة الشرقية”.

“أنا بحاجة إلى التحدث إلى مديري أيضاً وإلى فريق الإنشاءات”، قال أليكس.

حدّق أليكس عبر نافذة غرفته. كان بوصفه مغترباً أميركياً تعود جذوره العائلية إلى بولندا قد صار يحب موسكو، وكان يكره رؤية كل هذه المعاناة في مدينته وفي أنحاء العالم. كان يعتقد أن مشروعه سيصبح محفزاً لنمو المدينة مستقبلاً، وعمل بكل جوارحه على تحقيق هذا الهدف. فإذا ما أنجزت عملية البيع الآن، فإن شركته وشركاءه لن يخسروا المال، ولكنه بذلك سيكون قد أهدر ست سنوات من عمره. لا بل أكثر من ذلك، سيكون مضطراً إلى التخلي عن حصة أكبر حجماً من أرباحه المحتملة. هل كان يريد حقاً أن يبدأ بمشروع جديد في هذا الاقتصاد؟

نستطيع استكمال المشروع

في ذلك المساء، أجرى أليكس اتصاله المرئي الأخير لذلك اليوم وكان مع أليسيا، الشريكة المؤثرة في الشركة، علماً أنها تدير محفظة عقارية بقيمة تبلغ 30 مليار دولار ولطالما أكدت على التزامها الكامل بمشروع “الساحة الشرقية”. لكنها كانت تشعر بقلق الآن، حالها حال الجميع.

“قبل أن نناقش مقترح نيكولاي، أريد الحصول على المزيد من المعلومات عن الحالة التي وصلت إليها عملية الإنشاء الآن”، قالت أليسيا.

شرح لها أليكس آخر المستجدات قائلاً: “عقدنا اجتماعاً دام ساعتين مع المشرف على العمال في وقت أبكر اليوم، وهو وفريقه مستعدون للانطلاق بالعمل من جديد حالما يحصلون على الضوء الأخضر من البلدية. لكن هناك نقصاً في أعداد العمال وهناك توجيهات جديدة بخصوص الحد من عدد الأشخاص الذين يحق لهم التواجد في الموقع. وبحسب تقديراتهم، فإن التأخير سيصل إلى عام واحد على الأقل في أفضل الأحوال”.

“وفي أسوأ الأحوال؟”

“ذكر ثلاث سنوات”.4

بدت الدهشة الشديدة على محيا أليسيا التي أخذت نفساً عميقاً. “حسناً، قد يكون التأخير في صالحنا، على الرغم من التكلفة العالية للفوائد. فهذا سيمنح الاقتصاد الوقت الكافي لكي يتعافى، وسيفسح المجال أمام تطوير لقاح، وأمام عودة الموظفين إلى مكاتبهم. وماذا عن المستأجر الأساسي؟”

“تحدثت إلى مديرة العمليات اليوم، وقالت لي إنهم في خضم إجراء مراجعات عميقة لخططهم لكنهم مازالوا حتى الآن يأملون في المضي قدماً في عملية التوسع والدخول إلى موسكو. لكنهم قد لا يكونون بحاجة إلى المكتب بأكمله. وقد طرحت فكرة شغل نصف المساحة فقط”.

صمتت أليسيا لبرهة وظل أليكس ينتظرها.

ثم خرقت صمتها قائلة: “كما تعلم، نحن نعمل على المدى البعيد. لطالما كان قطاع المكاتب التجارية في موسكو غير مخدم على النحو الكافي، ولاسيما بهذه الجودة”. كان هذا هو السبب الذي أقنعها في بادئ الأمر للانخراط في المشروع. فالمدينة لم تكن تضم إلا قلة من مباني المكاتب التجارية ذات الجودة العالية ما جعل المنافسة على المخزون المتوفر منها حالياً تحتدم. وكان مبنى “الساحة الشرقية” هو أهم مشروع تطوير قيد الإنجاز حتى عام 2025.

تابعت أليسيا حديثها: “السؤال المطروح هو: هل سيكون هناك طلب عندما تتعافى السوق؟”

رد عليها أليكس قائلاً: “كلامك صحيح طبعاً. من الصعب أن يتنبأ المرء بما سيحصل. هناك بعض الجوانب المالية الإيجابية مثل تراجع معدلات الفائدة، وتكاليف اليد العاملة الأرخص – لكننا بحاجة إلى المحافظة على مستأجرنا واستقطاب مستأجرين آخرين أيضاً. أعتقد أننا سنظل قادرين على تحقيق أرباح تزيد على 400 مليون دولار إذا ظل تركيزنا منصباً على المدى البعيد، كما قلت”.

أجابته أليسيا: “قد تكون هناك فرصة لتوفير بعض المزايا الجديدة جداً مثل فلترة الهواء ونظام الدخول إلى المبنى دون ملامسة. فهذه قد تكون ميزات أساسية تميزنا عن غيرنا.5 إذا كنت تؤيد هذه الفكرة بقوة، أعتقد أن بمقدوري إقناع الناس هنا على تفهّم الأمر بعد تقديمك لمقترح مدعوم منك بالكامل بخصوص الكيفية التي سنتعامل بها مع هذه العاصفة. فالأمور قد تسوء قبل أن تتحسن”.

هز أليكس رأسه مبتسماً وقال: “بوسعي فعل ذلك”. لكنه حالما أغلق نافذة تطبيق زووم، سأل نفسه: هل بوسعي فعل ذلك حقاً؟ إذ لم يكن بوسعه أن يهرب من عناوين الأخبار المقلقة التي ترد من مدن مختلفة في أرجاء المعمورة. فإذا كان يجد صعوبة في إقناع نفسه أصلاً، فكيف سيكون بوسعه إقناع الآخرين؟6 بل ما كان يقلقه أكثر هو ما إذا كان يجب عليه أن يحاول أصلاً.

تجارب الماضي

كانت الساعة تقترب من الثانية ليلاً وكان أليكس ما يزال مستيقظاً عندما اتصل بمرشده وأستاذه السابق في كلية إدارة الأعمال جاي هوانغ، الذي كان قد أمضى مسيرته المهنية في قطاع التطوير العقاري قبل أن ينضم إلى العالم الأكاديمي.

“هل أنت قادر على أن تخلد إلى النوم؟” سأله جاي.

“أنال قسطاً من الراحة”، أجابه أليكس كاذباً. “أتمكن من النوم لبضع ساعات بين جلسات تخطيط السيناريوهات”.

كان جاي يعرف موسكو عن ظهر قرب. فبعد أن فتحت روسيا أبوابها أمام المستثمرين الأجانب، بادر جاي على الفور إلى شراء الأراضي وبناء عدد كبير من العقارات الفخمة في البلد. كان قد غادر المدينة في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008 مباشرة.7

“ما الذي تراه؟” سأله جاي.

“من الواضح أن نطاق النتائج المحتملة واسع”، قال أليكس. وقد شرح أن الافتراضات المتعلقة بالإيجارات وتكلفة رأس المال يمكن أن تصمد أو قد تسجل تراجعاً إضافياً إلى ما دون تقديراته الأولية بكثير، إذا تدهورت الأمور. فمعدل شغور العقارات في موسكو كان قد سجل قفزة كبيرة من 0.5% إلى 7% عملياً بين عشية وضحاها بكل ما للكلمات من معنى.

قدّم أليكس لجاي المزيد من التفاصيل حول عرض المستثمر الكازاخستاني. “يقول نيكولاي إنهم يرون في هذا المشروع فرصة للحصول على عقار فخم بسعر ممتاز. وهم متحمسون لإبرام الصفقة في أسرع وقت ممكن، ما سيمنح “كرازني إنفست” السيولة التي تحتاجها. كما سنحصل أنا وأليسيا على عوائد لا بأس بها على استثمارنا. لن يكون الرفاق في “إي بي إم” غاضبين، لكنهم لن يكونوا سعداء أيضاً. فقد كان يفترض بهذا المشروع أن يكون مشروعنا الأبرز لعام 2021. وإذا تبين أنني أبيعه بأقل من قيمته فإن هذا التحرك سيبدو تصرفاً سيئاً”.

“ما رأي مديرك؟”

“هو مشغول جداً بإدارة مشاريع أخرى في محفظة “إي بي إم”. بصراحة معظم نظرائي في وضع أسوأ من وضعي. وعلاوة على ما سبق، أنت تعلم كيف تدار الأمور في “إي بي إم”. أنا الشخص الموجود في الميدان، لذلك فإن القرار هو قراري: فإما أن أنجح المشروع أو أن أتخلص منه بسرعة”.

“إذا كانت أليسيا مستعدة للوقوف إلى جانبك، فهل بوسعك أن تقنعها بشراء حصة نيكولاي في الشركة؟ أم أن “إي بي إم” يمكن أن تشتري الحصة؟”

“نحن؟ كلا. ليس الآن. ربما تشتريها أليسيا. لكنني لست واثقاً من قدرتي على إنجاز المهمة دون نيكولاي. أعتقد أن المشروع لم يصل إلى هذه المرحلة بكل سلاسة إلا لأن نيكولاي على صلة بنصف مسؤولي المدينة”.

“أرجوا ألا تقسوا على نفسك يا أليكس”، قال جاي. “أقل ما يقال هو أننا نمر بأوقات غريبة”.

“أدرك أن لا يد لي في غالبية ما يحصل، لكنني أتمنى أن أكون الشخص الذي يجترح المعجزات رغم كل الصعاب. لا أنكر أن ذلك سيخدم مصلحتي من الناحية المالية وسيعزز مسيرتي المهنية”.

“أنت قريب جداً من خط النهاية. والأزمة سوف تضع أوزارها. والاقتصاد العالمي سيتعافى. والشركات ستنشط من جديد. وستبدأ سوق موسكو بالنمو مجدداً.8 حتى في أعقاب أزمة 2008، كان النجاح حليف مشاريعي. هذا النوع من المصاعب ينجلي على الدوام”.

“أنت تتحدث كمطور عقاري حقيقي”.

ضحك جاي وقال: “أنت واحد منا”.

هل أبدأ من الصفر مجدداً؟

في صباح اليوم التالي، وعندما كانت الشمس بالكاد قد أشرقت، وضع أليكس كمامته على وجهه وغادر شقته باتجاه موقع مبنى “الساحة الشرقية”. قبل بضعة أشهر كانت هذه الشوارع تغص بالناس عن بكرة أبيها. أما اليوم، فإن الأشخاص القليلين الذين مر بهم كانوا إما من الطاقم الطبي أو من الشرطة وكانوا يغطون وجوههم أيضاً. شعر وكأنه يعيش في مستقبل بائس. هل ثمة مدينة ستكون قادرة على العودة إلى الحياة الطبيعية من جديد؟ هل كان هو وأليسيا مجنونين عندما راودتهما فكرة أن مشروع بناء مكتبي في وسط المدينة سيظل قادراً على النجاح؟

وصل إلى وجهته. لو لم تكن جائحة فيروس كورونا قد حصلت البتة، لكان عمال البناء الآن يصلون إلى المكان معتمرين خوذاتهم، ومطلقين العنان لرافعاتهم ومصاعدهم ليبدؤوا نهاراً جديداً. لكن السكون كان يخيم على المكان. نظر إلى هيكل المبنى وشعر بضيق في صدره. كان قد تمكن من الاستعانة بمستثمر ممول، وشريك محلي يمتلك علاقات جيدة مع المتنفذين، وفريق إنشاءات موثوق، وضمن الحصول على موقع ممتاز ومستأجر عالمي المستوى. كان ما بدا يوماً ما أكثر مشروع واعد في مسيرته المهنية معرّضاً الآن للخطر.

كان مشروع تطوير هذا العقار هو محور حياته لست سنوات، وكان من الصعب عليه أن يتقبل الآن فكرة التخلي عنه. ولو تمكن من إنقاذ المشروع، فإن قيمة حصة شركته في الاستثمار ستكون بالملايين، في حين أن البيع الآن يعني بدء هذا الفصل من مسيرته المهنية من الصفر.

ملاحظات على دراسة الحالة

1- يوصي الخبراء المتخصصون بقطاع الأعمال في روسيا أن يستعين الأجانب العاملون هناك بشريك محلي ليساعدهم على التعامل مع التعقيدات التي تتسم بها تلك السوق.

2- رغم تزايد العقوبات المفروضة على روسيا منذ 2016، إلا أن آلاف الشركات الأميركية لديها مكاتب أو منشآت في تلك الدولة.

3- وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة غالوب في أبريل/ نيسان 2020، فإن 55% من المدراء الأميركيين توقعوا تغيير سياساتهم الخاصة بالعمل عن بعد في أعقاب جائحة “كوفيد-19”.

4- هل يمكن للجدول الزمني الأطول أن يكون مفيداً للمشروع إذا كان ذلك يعني افتتاح المجمع في أجواء اقتصادية أفضل؟

5- أوصى خبراء الصحة بعدم إعادة فتح المكاتب إلا إذا كانت مجهزة لتوفر الحماية من انتشار العدوى بفيروس كورونا.

6- بما أن مصالح أليكس تختلف عن مصالح شركائه – حيث ستكون خسائره المالية أقل إذا فشل مشروع مبنى “الساحة الشرقية” – فكيف يجب عليه أن يدرس آراءهم؟

7- تعرّض الاقتصاد الروسي إلى ضربة قوية في 2008 عندما انهارت أسعار النفط وسحب المستثمرون الأجانب رؤوس أموالهم من ذلك البلد.

8- وفقاً لأحد الخبراء في القطاع، فإن قيمة صفقات العقارات التجارية في روسيا ازدادت بواقع 34% في 2019 لتصل إلى قيمة إجمالية تبلغ 3.8 مليار دولار.

 

رأي الخبراء

هل يجب على أليكس أن يدفع بالمشروع قدماً أم يجب عليه أن يقبل بالصفقة؟

شايلا بوتينع (Sheila Botting): رئيسة قسم الخدمات الاحترافية للأميركيتين في شركة العقارات التجارية “آفيسون يونغ” (Avison Young).

عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة.

يجب على أليكس أن يقبل الصفقة المعروضة عليه من المستثمرين الكازاخستانيين، وأن يستفيد من القيمة التي تمكن من مراكمتها حتى الآن. هل بوسعه الانتظار وتحقيق أرباح إضافية؟ هذا أمر محتمل. لكنه قد يخسر كل شيء. وهذه مجازفة غير مقبولة في المرحلة الحالية.

في منصبي الذي أشغله في “أفيسون يونغ”، أقدّم المشورة بانتظام إلى أشخاص يريدون اتخاذ قرارات مشابهه. هذا مشروع عقاري دولي معقد، ونجاحه يعتمد على الحصول على تراخيص محلية من الجهات المعنية بالتخطيط، وعلى فرق إنشائية، ومستأجرين يحتاجون إلى مساحات مكتبية جديدة، وكل ذلك وسط جائحة وحالة من التراجع الاقتصادي. هناك العديد من المعطيات المتغيرة التي يجب أن تتحقق معاً.

إضافة إلى ما سبق، وخلال هذه الفترة التي يعمل الناس فيها من منازلهم، باتت المؤسسات والموظفون يدركون أنهم ليسوا بحاجة في الحقيقة إلى التواجد في المكتب كل يوم. وها هو مفهوم العمل المرن يفرض نفسه على نحو متزايد. لقد بات الكثير من الموظفين قادرين على العمل من أي مكان وفي أي وقت طالما أن لديهم التكنولوجيا المناسبة. لا تزيد نسبة الاستفادة من المكاتب في أميركا الشمالية عادة على 50%، وحتى قبل الأزمة كانت الشركات أصلاً تطرح أسئلة بخصوص تكاليفها العقارية. أنا أعتقد أنها ستواصل تخفيض مساحاتها وضمان تحقيق الاستفادة القصوى منها.

أرجوا ألا يفهمني القارئ خطأ. فأنا لا أقول إن فكرة المكاتب قد ماتت لكن دورها سيتغير ويتطور؛ وستصبح أماكن العمل مراكز للابتكار والتعاون يحصل فيها تمازج بين الناس، والثقافات، والأفكار، وليس أماكن نرتادها كل يوم. وستكون جداول العمل الزمنية المرنة عاملاً أساسياً في الحرب على استقطاب أصحاب المواهب.

بطبيعة الحال، كل مشروع فريد من نوعه. وقبل أن يقرر أليكس ما يريد فعله، هو بحاجة إلى إجراء عملية تقويم مخاطر بالاستناد إلى البيانات والتحليلات المالية، إضافة إلى مراجعة هيكلية الصفقة المقترحة على أن يأخذ بحسبانه رأي كل شريك ومتطلباته للتخارج من المشروع.

بعد ذلك يجب عليه أن يدرس البيئة الإجمالية من الناحيتين الجيوسياسية والاقتصادية، بما في ذلك الاقتصادان الروسي والعالمي الآخذان بالانكماش. في يونيو/ حزيران، توقع البنك الدولي حصول انكماش في الاقتصاد العالمي بنسبة 5.2% في 2020.

كما يجب على أليكس أيضاً تقصّي أساسيات سوق العقارات المكتبية في موسكو، من عرض وطلب وأسعار. فكما هو الحال في مدن عديدة في أنحاء العالم، تسببت أزمة “كوفيد–19” بتزايد أعداد العقارات الشاغرة، وهذا ليس بالخبر السار بالنسبة لمشروع “الساحة الشرقية”.

كما توضح أليسيا، فإن الاقتصادات المتراجعة غالباً ما تعني تكاليف تطوير أدنى. لكن السؤال هو: هل ستكون هناك أيد عاملة كافية لإتمام المشروع؟ هل سترتفع تكاليف المواد؟ هل سيخفض المستأجر الأساسي من حجم التزامه أم أنه سيتخلى عن فكرة الاستئجار؟ وماذا عن عملية الحصول على التراخيص والموافقات المطلوبة من الجهات التخطيطية المعنية؟ هل بوسع أليكس العثور على بديل لدور “كرازني” وحصتها من رأس المال؟

يحتاج أليكس إلى تحديد حجم هذه المخاطر كمياً وإجراء تحليل حساسية لجانبي التكلفة والإيرادات. كما يجب عليه أن يجمع البيانات من الوسطاء العقاريين والمحللين الذين يفهمون ديناميكية السوق وكيفية تطور احتياجات المستأجرين.

من الطبيعي أن يكون لدى أليكس دافع شخصي للوصول بهذا المشروع إلى خواتيمه. لكنه إذا قبل بالصفقة الآن، فإنه سيكون قد اتخذ بذلك قراراً ذكياً لحماية رأسمال شركته. وعوضاً عن أن تشكل هذه الخطوة ضربة قاتلة لمسيرته المهنية، فإنها يمكن أن تكون بمثابة إنجاز مهني كبير يُحسب له. وستكون هناك فرصة أخرى. فالقطاع العقاري لا تنضب فيه الفرص.

بريان باترسون (Brian Patterson): مؤسس “وايت ستار ريل إيستيت” (White Star Real Estate)، وهو مطور عقاري ومستثمر يعمل انطلاقاً من أوروبا الوسطى والشرقية.

عندما تشهد ظروف السوق تغيراً دراماتيكياً، غالباً ما تكون هناك ضغوط للبيع في أسوأ الأوقات.

عوضاً عن أن يوقف أليكس العمل بالمشروع، يجب عليه أن يركز على الحصول على المزيد من المعلومات، وخيارات التقويم، مع دراسة الحلول المتاحة. في الأوضاع التي تنطوي على مخاطر وفرص كبيرة، غالباً ما تقود العواطف إلى التخارج قبل إغلاق الباب. لكن الباب نادراً ما يُغلق بالكامل، وليس من الحكمة إطلاقاً اتخاذ قرارات لا تستند إلى معلومات كافية ووافية.

تشبه هذه القصة إلى حد كبير تجربتي خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 مع مشروع تطوير عقاري مشابه في موسكو. كان الزمن وقتها مختلفاً – وكانت الأزمة مختلفة – لكن العديد من الاعتبارات هي ذاتها ولم تتغير. كان السؤال الذي واجهته هو: “هل بوسعي أنا وشركائي التعامل مع حالات عدم اليقين التي نجمت عن الأزمة والتوصل إلى نتائج جيدة تناسب الأطراف المعنية كلها؟”

لكي أجيب عن ذاك السؤال، فعلت ما كان المرشدون دائماً ينصحوني بفعله عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات في الأوقات التي تخرج الأمور عن طورها في السوق. فقد جزأت المشاكل الكبيرة إلى مشاكل أصغر، ومارست العصف الذهني بحثاً عن الحلول مع الفريق، ثم درسنا إلى أي مدى تعتبر هذه الحلول عملية ومجدية. اجتمعنا مع الجهات الأساسية المعنية التي نتعامل معها، وتعمقنا بفهم المشاكل الفريدة من نوعها التي كانت تواجهها كل واحدة منهم. ثم فكرنا معاً للوصول إلى طريقة تمكننا من مساعدتها بحيث يكون بمقدورها المحافظة على مسيراتها.

احتاج شريكنا الروسي إلى بيع حصته، لذلك بدأنا على الفور بالبحث عن مستثمر بديل. وأبرمنا الصفقة مع الشريك الجديد بعد مرور ستة أشهر، لنضمن بذلك لشريكنا الأصلي سعراً أعلى بكثير من السعر المعروض الذي كان ينطوي على خصم، تماماً كما هو حال العرض المقدم من المستثمر الكازاخستاني. فقد عملنا خلال هذه الشهور الستة على التوازي بغية حل المشاكل الأخرى التي واجهتنا.

بدأنا بما رأيته الخطر الأكبر، ألا وهو التخلف عن سداد قرضنا المصرفي ونزع ملكية عقارنا. وللحيلولة دون حصول ذلك، اضطررنا إلى تلبية مطالب المستأجر الأساسي لدينا. كبّدنا هذا الشيء تكاليف إضافية هائلة لكنه ضمن لنا دفعة مالية ضخمة محتملة لاحقاً. ثم كان لدينا أموال احتياطية مستقبلية هي عبارة عن تدفقات نقدية سنحصل عليها بعد استكمال المشروع، لنضمن الرسوم والعلاوات الكبيرة التي يتقاضاها المقاولون الذين نعمل معهم، ويستحق سدادها بعد أن نكون قد بدأنا بالحصول على الدخل من الإيجارات، ما كان سيبقيهم على قيد الحياة. في واقع الأمر، تقاسمنا الأرباح مع الجهات المعنية الأخرى لمعالجة مشاكلها. فوقت الأزمة ليس الوقت الذي يظهر المرء فيه جشعه.

يجب على أليكس اتباع عملية مشابهة. فبعدما يكون قد حدد مساراً مستقبلياً، بوسعه تقديم شرح يقنع به مديره، وكل من أليسيا ونيكولاي والمقاول والمستأجر أن بوسعهم الانتقال من “عالم يتداعى” إلى “بوسعنا أن نحول هذا المشروع إلى مشروع ناجح”.

يحتاج ذلك إلى الكثير من الوقت والجهد بطبيعة الحال. ففي عام 2008، عقدنا عشرات الاجتماعات المخصصة لوضع الاستراتيجيات، ويجب على أليكس فعل الشيء ذاته. لكن مقاربتنا نجحت. والسوق استقرت. وتمكنا من الاحتفاظ بالمستأجرين لدينا. وحققنا أربعة أضعاف الأرباح التي كنا قد توقعناها في بادئ الأمر.

أعتقد أن هذا ما سيحصل لأليكس أيضاً، ولاسيما إذا ما تمكن من إدماج المزايا الحديثة الخاصة بالصحة والسلامة التي تقترحها أليسيا وتسويق مجمع “المساحة الشرقية” على أنه مبنى المستقبل. فحتى في زمن يتزايد فيه عدد الناس الذين يعملون من المنزل، سيظل هناك طلب على العقارات التجارية ذات الجودة العالية، وخاصة أن ثمة حاجة الآن إلى مساحات أكبر للمحافظة على سلامة الموظفين وإنتاجيتهم. فعندما يكون المرء غائصاً في الأزمة، ويكون الجميع في حالة ذعر، أفضل شيء يمكن فعله هو الصمود حتى يبدأ الناس برؤية بوارق أمل وعلامات الحياة تظهر من جديد. وهي لا شك ستظهر.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .