لا يُفضل الموظفون المدير الذي يتفحص العمل بشكل مفرط ويحاول التحقق من كل شيء باستمرار. حيث يُعتبر التركيز على التفاصيل أمراً مزعجاً من جهة، ويُضعف النمو المهني من جهة أُخرى. وإذا كان لديك مدير يحب السيطرة، عليك القيام ببعض الخطوات التي تخفف من الإجهاد الناتج من تركيزه على التفاصيل الصغيرة مع ضمان استقلاليتك لتطوير عملك والنهوض بحياتك المهنية.

ما يقوله الخبراء

بات التركيز على التفاصيل الصغيرة أمراً منتشراً بكثرة في المؤسسات اليوم، إلا أنه لا يؤثر على تطوير الأداء. فتقول جيني تشاتمان (Jenny Chatman) أستاذة إدارة الأعمال ضمن جامعة كاليفورنيا في بيركلي والتي تدرّس وتقدّم استشارات في مجال الثقافة المؤسساتية: "يتعلق الأمر بالقلق المتزايد لدى مدرائك، لا بأدائك أنت". لكن الخبر السيء هنا يكمن في أنّ محاولتك التمرد عليه سترتد سلباً عليك بحسب كلمات جان فرانسوا مانزوني (Jean-François Manzoni)، أستاذ الإدارة في إنسياد (INSEAD) ومؤلف مشارك لكتاب "متلازمة الفشل: كيف يتسبب المدراء الجيدون في فشل الأشخاص العظماء" (The Set-Up-to-Fail Syndrome: How Good Managers Cause Great People to Fail). فربما لست قادراً على تغيير طريقة أداء رئيسك، لكن يمكنك تغيير الطريقة التي تتبعه فيها باستخدام هذه التكتيكات.

تقييم السلوك

يحذر مانزوني من أنّ المدراء المتسلطين لا يشبهون بعضهم البعض، فمن جهة، لديك المدراء أصحاب المعايير المرتفعة جداً والذين يرغبون بدرجة من السيطرة، ويطلبون منك إعادة العمل على شيء لا يرتقي إلى معاييرهم. إذ يقدم مانزوني ستيف جوبز كمثال على هذا النوع من المدراء الذين يولون قدراً كبيراً من الاهتمام بالتفاصيل ويمارسون درجة معينة من السيطرة، دون خنق من يعملون من أجلهم. وفي الواقع، ربما تتعلم الكثير منهم.

من جهة أُخرى، يتحدث مانزوني عن هؤلاء الذين لديهم تركيز جيد على التفاصيل وتلك الرغبة الملحة بإظهار أنه هو المسؤول أمام نفسه وأمام الآخرين، ويضيف: "يعطيك مثل هؤلاء القادة القليل من الاستقلال الذاتي هذا إن أعطوه أصلاً، ويُصرّون على مشاركة كل تفاصيل عملك، ويقلقون بشأن تفاصيل صغيرة جداً مثل حجم الخط، بدل رؤية الصورة الكبرى". ويملك هؤلاء المدراء هاجس السيطرة. وستعرف أنك تعمل لدى واحد منهم إذا رأيت أنه يشارك في مستوى من التفصيل أقل من مستواه أو مسؤوليته.

لا تقم بمقاومة ذلك

يتفق الخبيران على أنّ مقاومة مديرك الذي يهتم بالتفاصيل سيتسبب في نتائج عكسية. فيقول مانزوني: "إذا حاولت مقاومة ذلك بطريقة أو بأُخرى، وخصوصاً إذا كانت بشكل سلبي وقوي، فقد يستنتج مديرك بأنه لا يمكن الوثوق بك ويقلل من التواصل معك". إذ يمكن أن يكون من المغري تقديم شكوى، لكن يفضّل عدم القيام بذلك. حيث يقول مانزوني: "إذا شعرت بأنك تُعامل بازدراء، لديك الحق وقتها في القيام بما يجب عليك القيام به لتعديل الأمور وإعادة العلاقة إلى نصابها. إلا أنه في الوقت ذاته، حاول فهم سبب سلوك رئيسك. هل هو واقع تحت ضغوط هائلة؟ هل يرى أنها الطريقة البديهية للإدارة؟ هل تُشجع ثقافة الشركة وتكافئ هكذا سلوك؟ فمن خلال التعرف على الأسباب الكامنة وراء ذلك، يمكنك معرفة كيفية الاستجابة".

زيادة الثقة

بحسب تشاتمان، عادة ما تكون الإدارة المغرقة في التفاصيل مستندة إلى "رؤية عامة مفادها أنّ المعايير العالمية أقل مما هو لازم". بالتالي، حاول بذل جهداً واعياً وصادقاً لكسب ثقة مديرك عبر النجاح في الأبعاد التي يهتم بها. وعليك أن تتعامل بطريقة إيجابية وبشكل لا يتسبب في زيادة الضغوط الموجودة على رئيسك. وحاول القيام بالأمور التي تقلل من الضغوط الملقاة على عاتقه". حيث يقترح مانزوني في نفس الوقت أن تقول لمديرك "أرى أنك تحت ضغط لا يصدق، كيف يمكنني مساعدة؟".

عقد اتفاقيات مسبقة

من الأساليب الأُخرى التي يمكنك القيام بها هي: التحدث إلى رئيسك قبل بدء المشروع حول كيفية انخراطه فيه. إذ يقول مانزوني: "حاول الاتفاق مع المدير على المعايير والنهج الأساسي، واشرح ما تظن أنه خطة العمل المثالية ثم اسأله عن رأيه". وتأكد من أنك تفهم مقدماً ما هي المبادئ التوجيهية للعمل، وليس فقط العناصر التكتيكية. فيجب أن تناقش هذه المبادئ مع رئيسك. مثلاً، إذا كنت تعمل على حملة تسويق داخلية، تأكد من ذكرك للرسالة التي تريد إرسالها، لا الخط الذي تريد الكتابة به. فإذا أصبحت العملية غارقة في تفاصيل لا داع لها، حاول إعادتها إلى المبادئ والنهج الذي وافقتما عليه. ويمكن أيضاً للمديح أن يقدم الفائدة. لذلك، حاول تذكير رئيسك بأنه من الأفضل عدم مشاركته في صغائر الأمور لأن وقته وجهده أكبر من هذا ويفضّل توفيره للصورة الأكبر.

إبقاء رئيسك على اطلاع

تذكر أن سبب تركيز المدراء على التفاصيل الصغيرة غالباً ما يكون نابعاً من القلق. إذ تقول تشاتمان: "إنهم يشعرون بالتوتر إزاء أي شخص آخر قادر على القيام بالأشياء أيضا أو بالطريقة التي سيعملون بها". حيث يمكنك في كثير من الأحيان معالجة هذا القلق عبر إبقاء مديرك على علم بالتقدم المحرز في المشروع. ويمكنك جدولة سجلات قوائم المراجعة التي ستساعده على الشعور بأنه جزء من العملية، أو يمكنك إرسال نسخة عن الرسائل الإلكترونية المتصلة بالمشروع ليشعر أنه مشارك في التفاصيل. وفي حال أوضح مديرك رغبته في معرفة التفاصيل، عليك تقديمها دون تردد. وربما تكون العملية مزعجة لك الآن، إلا أنك ستوفر الكثير من الوقت مقارنة بمعرفته لاحقاً وطلبه منك إعادة العمل على المشروع. أما العامل الأهم من ذلك، كما يقول مانزوني، فهو أنه إذا كان لديك أسئلة أو كنت تريد مزيداً من التوضيحات، لا تنتظر حتى اللحظة الأخيرة لأن ذلك سيتسبب في زيادة قلق المدير إلى حد كبير.

اعطِ الملاحظات فقط عندما يكون ذلك مناسباً

لن يتسبب إخبار المدير المركز على التفاصيل الصغيرة أنك غير معجب في سلوكه إلا في زيادة هذا السلوك أكثر. لكن ربما يكون بعض المدراء ممن يريدون صالح المؤسسة راغبين في سماع مداخلاتك. فيقول مانزوني: "حاول التواصل مع رئيسك في لحظة مثالية، مثل استخدام الوقت الخاص بمراجعة الأداء، ثم محاولة قول شيء على غرار (اسمع، أُحب العمل معك لكن هناك شيء من شأنه تحسين الأمور إلى الأفضل)". كما يمكنك أيضاً إشراك طرف خارجي موثوق به، مثل مدير الموارد البشرية، والذي يمكنه مساعدتك على التعبير عن وجهة نظرك.

إضافة إلى ذلك، كن حذراً في حال كان لديك مدير يستمتع بإظهار سلطته، إذ سيؤدي انتقاده إلى ارتداد ذلك سلباً عليك. وإذا لم تنجح أي من الاستراتيجيات المذكورة أعلاه، اسأل نفسك: "هل أريد حقاً العمل هنا؟". فيقول مانزوني: "إذا كان تصرف مديرك مرضياً، عليك التفكير في الانتقال إلى قسم آخر من الشركة أو العثور على وظيفة أُخرى".

مبادئ عليك تذكرها

قم بالتالي:

  • القيام بكل ما في وسعك للحصول على ثقة مديرك الذي يتدخل بكل التفاصيل

  • معرفة ما يحفز مديرك وما يخشاه، ومحاولة تهدئة مخاوفه

  • تقديم تحديثات منتظمة ومفصلة لكي يعلم مديرك بالتقدم المحرز الخاص بك


لا تقم بالتالي:

  • اعتبار كل شخص يمارس درجة صغيرة من التحكم على أنه يتدخل في كل التفاصيل

  • تحدي المدير الذي يتدخل في التفاصيل والذي قد يزيد من السلوك الذي تريد تجنبه في المقام الأول

  • محاولة إخبار مديرك أنه يتدخل بشكل مفرط مالم يكن منفتحاً على الاستماع إلى هكذا كلام


دراسة حالة رقم 1: إبقاء المدير المغرق في التفاصيل على اطلاع

عمل هاني في مجال جمع التبرعات لمؤسسة غير ربحية ناشطة في أوستن، وذلك فترة 4 سنوات ونصف قبل أن تحل سمية كمديرة له. حيث كان يُنظر إليه على أنه الخبير في المكتب عندما يتعلق الأمر بجمع التبرعات، كما أنّ زملاءه كانوا يلجؤون إليه بانتظام للحصول على المشورة. بينما كان هاني يتوقع بعض التغييرات عندما تولت سمية المنصب، لم يكن يتوقع أن تكون من النوع المركز على التفاصيل. إذ يقول: "أرادت رؤية كل ما أُنتجه والموافقة عليه قبل انتقالي إلى المهمة التالية، وصولاً إلى ردود البريد الإلكتروني التي كنت أُرسلها إلى الجهات المانحة تجاه أي أسئلة تخطر لها حول أنواع التبرعات العينية التي نتلقاها". وامتد تدخل سمية إلى قضايا مثل كمية الطوابع اللازمة للرسائل البريدية الورقية وكيفية وضع الورق في طابعة المكتب. ويضيف: "مهما كانت المهمة التي كنت أؤديها ومهما كان مستوى خبرتي فيها، كنت أشعر دائماً أنها تشك في طريقة أدائها لعملي ولا تثق به ما لم تراه وتوافق عليه".

حاول هاني التحفيف من سوء سلوك سمية عبر إبقاءها على علم تام بكل شيء، حيث كان يرسل لها تحديثات منتظمة عن المشاريع مرة واحدة في اليوم للبنود ذات الأولوية العالية، ومرة واحدة في الأسبوع للمبادرات المستمرة. وكان يُبقي الملاحظات موجزة، ويسرد المهمة التي أكملها للتو والخطوة التالية المقترحة، والتي كانت دائماً شيء يمكنه إكماله قبل إرساله التحديث التالي لكي تتمكن من رؤية تقدم واضح. وأدى هذا النهج إلى التخفيف من قلق سمية بشكل كبير.

لكن في الوقت ذاته، أضافت تلك التحديثات المستمرة عملاً إضافياً إلى هاني. فيقول: "زاد ذلك من عملي وبالتالي لم تعد المهام تُنجز بالسرعة التي تتوقعها سمية". وكان هاني قلقاً من عدم انفتاح سمية على سماع كيفية تأثير سلوكها على عمله، بالتالي تحدث مع مدير الموارد البشرية، الذي وافق على عقد اجتماع للجميع. وكما توقع هاني، كانت سمية غير منفتحة على تلك الملاحظات. وفي الواقع، عملت على تبرير تصرفاتها. ما تسبب في نهاية الأمر إلى ترك هاني المؤسسة.

دراسة حالة رقم 2: كن حذراً من مخاوفه

في عام 2006، عملت ميساء لشركة تأمين لديها مكاتب في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وكانت رئيستها سيدة تدعى رؤى، والتي كانت مسؤولة عن 10 وكالات في منطقتها. وكانت رؤى متحمسة تجاه موضوع الكفاءة. وفي مرحلة ما، طلبت من جميع الوكلاء في منطقتها إصدار تقارير زمنية، وهو ما يمثل عدد الدقائق التي يقضيها كل منهم في مهام مختلفة كل يوم. فقالت ميساء: "كانت رؤى مهتمة بالحفاظ على أرقام الإنتاج الخاصة بها، وتلميع صورتها أمام الإدارة العليا".

وأدركت ميساء أنّ أكثر ما يهم رؤى حسب تعبيرها: "إذا كنت أترأس مشروعاً، علي التأكد من مراسلتها إلكترونياً في وقت مبكر مع كل الأسئلة التي لدي حول توقعاتها، مع إعطائها لمحة عمّا يعمل عليه فريقي والتاريخ المتوقع للانتهاء". وفي حال كان فريقها يواجه صعوبة في الالتزام بالموعد النهائي لأي سبب كان، كانت تدع رؤى تعرف في أقرب وقت ممكن مع تقديم سبب وتاريخ الانتهاء المحدّث. حيث حاولت ميساء قدر الإمكان تزويد رؤى بكل المعلومات اللازمة دون حتى أن تطلبها لكي تتعلم رؤى إمكانية الوثوق بها.

ونظراً إلى أنّ ميساء عرفت انشغال رؤى جداً، كانت تأتي مبكراً قبل 2 أو 3 دقائق من كل اجتماع. وعندما احتاجت ميساء إلى إعداد اجتماع مع رؤى، طلبته عبر البريد الإلكتروني، مشيرة بوضوح إلى سبب الاجتماع، وقائمة الأسئلة التي سوف تُسأل ومدة الاجتماع.

قبل كل شيء، حاولت ميساء الابتعاد عن مرمى بصر رؤى، حيث عللت ذلك بالقول، "نظراً لأنني لم أكن أقدم تقاريري المباشرة إلى رؤى، كنت أحاول عدم الظهور أمامها وكثيراً ما كنت أستخدم مشرفي المباشر لإدارة التواصل معها". ونجح هذا بشكل جيد بالنسبة ميساء. حيث تمكنت من مواصلة العمل في الشركة والنجاح لفترة أربع سنوات على الرغم من تحكم رؤى بكل التفاصيل الصغيرة. وغادرت ميساء الشركة بعدها لتؤسس شركتها الخاصة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!