قضى مؤيد سهرات عديدة في الفترة التي عمل خلالها في إحدى شركات الأسهم الخاصة، لكن سهرتين منهما كانتا مميزتين حقاً دون سواهما. في الليلة الأولى، كان مؤيد في إحدى الاستراحات. وكان رئيسه في العمل أخبره في وقت سابق من اليوم نفسه بأنه الأفضل أداء بين زملائه. وبينما كان يحتسي القهوة ليلتها، أجرى حواراً مع صديق بواحدة من الشركات المُنافسة. سأله الرجل: "أنت الذي أبرم صفقتين في ستة أشهر، أليس كذلك؟". كانت تلك لحظة راودت أحلام مؤيد واجتهد لأجلها منذ أن غادر بلدته الصغيرة للالتحاق بالجامعة منذ سنوات في سابقة هي الأولى من نوعها في عائلته. وفي الليلة التالية، كان مؤيد جالساً في مكتبه عاكفاً على اكتتاب عام أوّلي مهم جداً. وكان هو الشريك الوحيد في الصفقة، حيث خُصصت هذه المهمة لأصحاب أفضل المواهب الذين ينطلقون على درب الشركة السريع نحو الشراكة.

انبلج الفجر وانطوت ذكرى الساعات الست السابقة، وكان بريده الإلكترونية وسجلات هاتفه قد سجلت ليلة مشحونة بالعمل. وفي فترة لاحقة، أجرى طبيب الأعصاب بعض الفحوص على مؤيد وحذره من أخطار الحرمان من النوم. فاسترجع مؤيد الأحداث قائلاً: "كنت أخلد إلى النوم في الخامسة صباحاً وأستيقظ في السابعة لأجد أنني أعاني من اختلاجات شديدة ثم أنطلق إلى العمل. ولم أتمهل لأفكر في الخطأ الذي كنت أقترفه. وحدَّثت نفسي بأن هذا هو الوضع الطبيعي، وأن الجميع يفعلون ذلك".

تَروَّى مؤيد بعض الشيء بعد تحذير الطبيب له، لكنه ارتد على عقبيه مُجدداً. حيث لم تتأثر موهبته وحماسه شيئاً، غير أنه فقد شعوره بالغاية والهدف بشكل ما. فقد خلق فرصة للشركة لإبرام صفقة بقيمة 1,3 مليار دولار، وفجأة أذهل رؤساءه في العمل واستقال. لقد كان أداؤه قوياً وتوقعاته ذكية دائماً وأبداً، لكنَّه، كما جاء على لسانه، وقع فريسة دائرة مغلقة: "لم أكن أود أن أحيد عن الطريق السريع، ولذا لم أستطع أن أُبطئ من وتيرتي". حيث أحس مؤيد بأنه أسير توقعات شركته، لكنَّ رغبته في إثبات جدارته بدعم رؤسائه في العمل منعته من تحدي الثقافة السائدة أو طلب الدعم. وأحس أنه غارق في العمل وغير مُستغَل بالشكل الأمثل، وخلص إلى أن هذه الشركة ليست المكان المناسب لتحقيق طموحاته بالقيادة.

وخلال العقدين اللذين عكفنا فيهما على دراسة "قادة المستقبل" أمثال مؤيد والعمل معهم، التقينا بعدد كبير من الأشخاص. وفي أغلب الحالات، تميَّز هؤلاء المدراء والخبراء باعتبارهم من أبرز الناس أداء وأسرعهم تعلماً. لكنَّ وضعهم على الدرب السريع غالباً لا يُفضي إلى تسريع عجلة نموهم بوصفهم قادة بالمؤسسة كما هو القصد والمراد، بل يسوقهم إلى الرحيل أو يُبطئ من وتيرتهم فيُحبط تطورهم ويقلص من مشاركتهم ويضر بأدائهم.

في عصر أمست فيه الشركات تشنّ حروباً طلباً للموهبة، صار من الصعب التسليم بأن الاعتراف بموهبة البعض أصبح لعنة تطاردهم. لكن هذا هو الواقع. فالقادة الطموحون يكدّون في عملهم كي يرقوا لتوقعات الآخرين، وعليه فإن الخصال التي جعلت لهم خصوصية في بداية الأمر، وساعدتهم على التفوق والإحساس بالمشاركة، تميل إلى أن تُطمس ويواريها الثرى. إذ يتصرفون على نحو أقرب إلى تصرفات الجميع، الأمر الذي يستهلك طاقتهم وطموحهم. وقد يشرعون بالفعل بمزاولة عملهم ببساطة بلا حماس أو يبحثون عن منفذ للهروب، كما فعل مؤيد.

وهذه اللعنة تلحق حتى الموهوبين في الشركات التي تسعى إلى تطويرهم، وأعني الشركات التي يُكرس فيها المسؤولون التنفيذيون أنفسهم لمساعدة الموظفين على التطور والترقي. حيث بدأنا نلاحظ هذه الظاهرة منذ فترة طويلة عندما عمل جينيفر في العديد من الشركات متعددة الجنسيات، وعمل جيانبييرو مُعالجاً نفسانياً في برنامج عالميّ لماجستير إدارة الأعمال. ومنذ ذلك الحين، درسنا مئات المدراء والخبراء في العديد من القطاعات ومختلف بقاع العالم، ومنهم من تبعناهم لفترة طويلة، كما التقينا آلافاً آخرين أثناء تعليمنا وأعمالنا الاستشارية وبرامج تدريبنا. وخلال هذا العمل مع أصحاب الإمكانات العالية، درسنا تطور الموهبة من منظورهم وحددنا آليات ديناميكية مشتركة وأَمارات على المشكلة وسبل إبطال اللعنة.

الجانب النفسي وراء اللعنة

تبدأ اللعنة عادة عندما تُعطي المؤسسة الموظف منبراً لصقل مهاراته على أمل أن ينال جائزة ما، كشراكة أو منصب إداري رفيع أو نطاق أكبر من الخيارات الوظيفية. ورغم إحساس المرء بالإطراء والامتنان في بداية الأمر، يخيّم عليه في نهاية المطاف قلق ساخط، وهو الإحساس الذي يصعب تفسيره أو تبريره. ولا يشبه ذلك الشك الشائع الذي تتوقعه من أي إنسان يواجه تحديات جديدة، فهذا الإحساس أعمق بكثير حيث يضرب بجذوره في أعماق الذات.

واتضح أنّ هناك آليتين نفسيتين، وهما إضفاء الطابع المثالي والتماهي، حيث تمثلان مزيجاً مدمراً لأصحاب الإمكانات العالية، فالآخرون يُضفون طابعاً مثالياً على موهبتهم كوسيلة دفاعية ضد المستقبل الغامض للشركة، ويتماهى أصحاب الإمكانات العالية مع تلك الصورة، فيتحملون عبء غموض المستقبل بأنفسهم. وهذا ما حدث لمؤيد. فبعد نجاحاته الأولى في إبرام الصفقات، بدأ رؤساؤه وزملاؤه ينظرون إليه وكأنه جالب الخير للشركة، وعليهم الاعتماد عليه في عالم الأسهم الخاصة. وعليه، نجد أن مزيج الطابع المثالي والتماهي يتجلى في العديد من بيئات العمل حيث يُثني الناس على ما يعد به أصحاب المواهب، ويشعر فيه أصحاب المواهب بعبء هذا الوعد. وإذا لم يكن المستقبل مُشرقاً كما تمنى الجميع، فإنهم سيتحملون هم مسؤولية الفشل.

وبينما تُحدّد موهبة أصحاب الإمكانات العالية على نحو متزايد هوياتهم، فإنهم يشعرون بأن مستقبلهم أيضاً عُرضة للخطر. ويصابون بالهوس بما ينبغي أن يُقدموا عليه لضمان مكانتهم في المؤسسة. ورغم أن هذه التوقعات ربما تضخمت في عقولهم، فإنهم لم يفرضوها على أنفسهم بأنفسهم، بل تتجلى تفصيلاً في قوائم قيم الشركات وقدراتها التي يُراد للقادة المقبلين اتباعها، إذ تعززها الملاحظات على الأداء والتفاعلات غير الرسمية.

هكذا شرح مجد، النجم الصاعد في إحدى شركات التصنيع، تلك الظاهرة في واحدة من ورشات عمل القيادة: "قيل لي ذات يوم أنَّ أمثالي يجب أن يُحدثوا تحولاً في الطريقة التي نزاول بها أعمالنا. وفي اليوم التالي، قيل لي إنني يجب أن أحرص على نيل تقدير التنفيذيين الذين يجب أن أُحدث تحولاً في أعمالهم".

وكثيراً ما نسمع هذا السيناريو. في الشركات التي يود مسؤولوها التنفيذيون ترسيخ ثقافة قوية وإحداث تغير سريع، إذ يشعر المدراء الموهوبون بأنهم واقعون تحت ضغوط هائلة كي يُصبحوا ثوريين وينالوا تقدير المؤسسة. ومنه، نجد التوتر الكامن في تلك المساعي يُهلك الناس ويستنزفهم. كما تجعلهم حساسيتهم تجاه الإشارات الثقافية والسياسية سريعي التأثر فور أن يسلكوا ذلك الدرب السريع.

وحينها تمسي كل فرصة إلزاماً وواجباً، وكل تحد اختباراً. ويُجاهد صاحب الإمكانات العظيمة من أجل أن يصبح مديراً مثالياً، فيكبت الآن المواهب نفسها والعواطف والسمات الخاصة التي جعلته يتميز عن غيره. وهكذا تشوه اللعنة إدارة الموهبة ضد رغبتها. وبدلاً من تمكين الذين يستحقون القيادة، فهي تزيد من شكوكهم وارتيابهم وتدفعهم دفعاً إلى الامتثال، كوسيلة للحماية من الابتزاز نوعاً ما، وأعني المطالب المُكلفة للشركة في مقابل الحماية من التهديدات المرتبطة بالعمل فيها. ويصبح "قائد المستقبل" مُرادفاً لـ"التابع الاستثنائيّ".
"أصحاب الإمكانات العالية يسعون جاهدين لكي يصبحوا مديرين مثاليين. وبعدها يكبتون المواهب نفسها التي جعلتهم يتميزون بادئ ذي بدء".

ثلاث علامات على وجود المشكلة

يجب أن ترصد لنفسك معايير عالية وأن تكون مُتأهباً للمزيد من التمحيص، فما من قائد طموح يمكن أن يتجاهل توقعات الآخرين. ولكنك تستطيع أن تتألق طالما كنت تحت ضوء الفرصة وعدسة التوقعات المُكَّبرة قبل أن تُستنفد. ويتطلب ذلك أن تتعلم كيف ترصد ثلاث علامات للمشكلة وتتعامل معها.

1- التحول من مجرد استغلال موهبتك إلى إثباتها. بعد أن تُصنَّف ضمن فئة أصحاب الإمكانات العالية، تجد أن حماسك تجاه الاعتراف الموجه يتلاشى، بينما تخلق التوقعات الجديدة ضغوطاً مستمرة عليك، وهذا هو ما يحدث عادة. فيجد القادة الطامحون أنفسهم بين مطرقة الاعتراف بإنجازاتهم السابقة وسندان احتمالات الفرص المستقبلية، وعادة ما ينظرون للحاضر بوصفه فترة لإثبات أنهم يستحقون الشقين. وفي محاولة منهم لضمان وفائهم بوعدهم، يصبحون أكثر يقظة وتحسباً حيال الموقع الذي يبذلون فيه جهودهم وكيفية بذل تلك الجهود.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على الشركات ذات المسارات الرسمية العالية الإمكانات، ففي بعض المؤسسات يعتم كبار التنفيذيين بموظفين محددين فقط، ومن هنا تتفاقم الأمور وتتعقد. لننظر إلى لورا التي تخلَّفت عن برنامج درجة الدكتوراه خاصتها في مجال الذكاء الاصطناعي عند منتصف الطريق لتجرب حظها في عالم المال والأعمال. حيث انضمت لورا لشركة استشارات أعمال، ثم انتقلت لتضطلع بمهام وظيفة في قسم الاستراتيجية بإحدى شركات السلع الاستهلاكية. وبعد مرور عام تقريباً على تقلدها هذا المنصب، أقر رئيسها في العمل بمهاراتها في تحليل البيانات. وعليه، أمّن لها عرضاً تقديمياً ساقها إلى منصب تدير من خلاله التسويق الرقمي لمنتج متعثر من منتجات الشركة.

وعليه، قالت لورا: "كأن كل شيء انهار لحظتها". لقد جعلها استيعابها لتحليلات البيانات وخبرتها باستراتيجية الأعمال خياراً عظيماً لهذه الوظيفة. جُل ما كان عليها أن تفعله الآن هو أن تحقق الأهداف المنشودة. ولقد أكد لها المسؤول التنفيذي عن تعيينها أنَّ النجاح في دورها الجديد "سيفتح أمامها كل الأبواب في هذه الصناعة". وبدأت الضغوط تتلاحق.

أذ وقعت لورا بعدها في دوامة العمل المفرط، حيث كانت حريصة على أن تثبت للآخرين ولنفسها أيضاً أنها أهل لمواجهة التحدي. ورغم أن المبيعات زادت، فقد شعرت أن أحداً لم يلحظ تفانيها في العمل والنتائج التي حققتها. فقالت في نفسها: "ربما عملي لم يكن مُبهراً بالقدر الكافي، ربما كان الناس يجاملونني لا أكثر، وأنهم لم يملكوا الشجاعة الكافية ليصرّحوا بأنني بلغت مستوى ما ولم أبارحه منذ فترة، وأنَّ وقتي انتهى". ولكن لم يكن هذا رأي الآخرين بالمرة. ولمَّا كان رؤساؤها وزملاؤها في العمل مُعتادين على سلوكها الذي يشي بالكفاءة ورباطة الجأش، فقد افترضوا أنها لم تكن بحاجة إلا لقليل من المساعدة. وكان من دواعي سرورهم أن يدعوها تُباشر عملها، مادحين استقلاليتها وحسن مبادرتها دون أن يدركوا الصراع الدائر وراءهما.

وخلال البحث الذي أجرته كارول دويك (Carol Dweck) عالمة النفس في جامعة ستانفورد، رسمت الخطوط الفاصلة بين التوجه نحو الأداء والتوجه نحو التعلم. واكتشفت دويك أنه عندما يظن الأطفال أنّ ذكاءهم هو عبارة عن كمية ثابتة، فهم يصابون بخيبة الأمل بسهولة بسبب الفروض المدرسية الصعبة ويستسلمون بسرعة في التعامل مع المسائل التي لا يستطيعون حلها. وفي المقابل، فإنّ الأطفال الذين يشعرون أنَّ ذكاءهم مرن يعكفون لفترة أطول على حل تلك المسائل إذ يرونها وسيلة لمواصلة التطور. حيث أن أصحاب التوجه الأدائي يشعرون بالحرج عند الفشل، وأما الميالون إلى التعلم فيحفزهم الفشل ويكدّون في عملهم بقدر أكبر. والشيء نفسه ينطبق على الراشدين في العمل أيضاً. فالتوقعات المبالغ فيها التي يضمرها أصحاب الإمكانات العالية تمثل حالة كلاسيكية تُفضي إلى التوجه نحو الأداء. ورغم أن لورا وكثيرين غيرها ممن درسنا حالاتهم لم يستسلموا في مواجهة التحديات الصعبة أو يكفوا عن السعي لتطوير مهاراتهم، فإنّ تعلمهم نفسه أمسى ضرباً من الأداء ووسيلة لتأكيد موهبتهم. ونتيجة لذلك، بدأت التجارب الإضافية والمشروعات الجانبية التي يمكن أن تُوَسِّع دائرة مهاراتهم لكنَّها ستفضح أيضاً عيوبهم تبدو وكأنها مخاطر لا يستطيعون تحملها.

هكذا أصبح المميزون أناساً عاديين. وفي هذا السياق، استرجَع خبير استشاري الأحداث بعد أن انطلق على درب الشراكة بواحدة من الشركات العالمية قائلاً: "كُنت أعلم أنني سأنجح، ولذلك رَكَّزتُ على الجوانب التي كنت أعلم أن موهبتي ستتجلى فيها. كان الأمر رائعاً على المدى القصير، ولكن بمرور الوقت بدأت أفقد مهارتي".

وفي غضون ذلك تكون الضغوط أقوى على عاتق الأقليات الذين شعروا بأنهم مُرغمون على أن يكونوا قدوة وأنصاراً للذين لا يلتفت أحد لمواهبهم. لذلك فكرت في الطريقة التي غيّرت بها شريكة ثانوية طريقة تفكيرها بعد اشتراكها بشركة محاماة رفيعة المستوى يهيمن عليها الذكور وبعد أن اكتشفت أنها تنافس على منصب شريك مساهم. إذ تحدثت عن ذلك قائلة: "لم يكن لدي أدنى شك في أنني أستحق هذا المنصب، لكنني شعرت بالعجز التام. إنني متحفظة جداً حيث أشعر بأنني لو أخفقت في أي شيء، فسأصيب الجميع بخيبة الأمل". كانت تعلم أنها بمثابة مثل أعلى لغيرها من النساء، الأمر الذي فاقم من المخاطر بقدر أكبر. وبدلاً من توسيع نطاق خبرتها، التزمت بالجوانب التي كانت على يقين بأنها ستبرع فيها، وتقيدت بالعملاء الذين أقامت معهم جسور الثقة. وعندما لم تستطع استقطاب عدد العملاء الجدد المتوقع من الشريك المساهم، تباطأ تقدمها المهني.

2- الانشغال بالتصور رغم الاشتياق للأصالة. أخبرنا مصرفي يعمل في بنك استثماريّ، وآل به الحال إلى ترك الشركة التي كان يعمل بها: "كنت دائماً تحت الأضواء، وكنت أقدم أداء رائعاً دوماً وأحاول أن أكون القائد الذي توَقعوه". ورغم أنه كدّ في عمله جداً كي يحصل على ذلك المنصب الرفيع، ما إن انطلق على المسار السريع حتى شعر على نحو غريب بأنه لا يلتفت إليه أحد. حيث بدا الأمر وكأن الشركة سلبته هويته وسلبت معها طموحه. وكما جاء على لسانه: "لم يعد أحد يرى شخصيتي الحقيقية".

ومنه، نجد أن الانشغال بالصورة تبعة طبيعية للضغوط المفروضة على المرء لإثبات موهبته، وهي مشكلة شائعة صادفتها زميلتنا في كلية "إنسيد" (INSEAD) لإدارة الأعمال في فرنسا، هرمينيا إيبارا (Herminia Ibarra)، في بحثها حول التحولات القيادية. حيث في أغلب الشركات، يُفرض وعد القيادة المستقبلية على الذين ينصاعون للثقافة المنشودة للمؤسسة المتمثلة في القيم والرؤية التي يضعها المسؤولون في الإدارة العليا. وعليه، فبينما أن كثيراً من الشركات تدعو موظفيها إلى أن يُسخّروا أنفسهم بالكامل للعمل، نجد أن المسار الخاص بأصحاب الإمكانات العالية غالباً ما يستقطب فقط الخصال التي تشي بأن أصحابها مادة خام للقيادة. وهذا يجعلهم يشعرون بعدم الأصالة.

ولا يمثل هذا مشكلة بالنسبة للذين يشعرون بعدم ارتياح "للتظاهر بالأصالة" ريثما يكتسبون المهارات القيادية الجديدة، كما يُعتبر هذا الأمر مساعداً للناس على الكشف عن جوانب جديدة في أنفسهم. وتحدث هذه الظاهرة أيضاً للذين يضطلعون بأدوار تبدو أشبه بالمناصب البديهية المناسبة لهم. حيث استطاعت لورا خبيرة البيانات بسهولة استحضار ذاتها التي تحلّ المشكلات، وتسوقها البيانات التي قدَّرتها شركتها حق تقدير. لكنها كانت تمتلك ما هو أكثر من ذلك. فمهما كان الدور مناسباً، عندما يُظْهر الناس باستمرار جانباً واحداً من ذواتهم فإن هذا الجانب يتسع ويُقيّد الجوانب الأخرى. وهذا ما حدث للورا. حيث بإخلاصها لجانب واحد فقط من هويتها فقدت إحساسها بالمسؤولية والعفوية.

كما فحصت العالمة النفسية أليس ميلر (Alice Miller) في بحثها الكلاسيكي ما دعته على نحو مُستفز "دراما الطفل الموهوب". حيث وصفت ميلر كيف أنّ الأطفال الفضوليين الأذكياء غالباً ما يتعلمون إخفاء مشاعرهم واحتياجاتهم للوفاء بتوقعات آبائهم المُحبين. وهم يبرعون في إخفاء تلك المشاعر لدرجة أنهم بمرور الزمن يُمسون غير قادرين على معرفة مشاعرهم واحتياجاتهم الحقيقية. ويُشبه الإحساس بالخواء والتغريب الذي سجلته ميلر ما صادفناه بين المدراء أصحاب الإمكانات العالية. ومن المفارقة أن الاعتراف بموهبتهم يسلبهم إياها.

3- إرجاء العمل الهادف. عندما يشعر الناس بأنهم أسرى توقعات مؤسساتهم ويتوقعون نيل محفزات عظيمة لتحمّلهم الأسر بكرامة ونزاهة، يفقد الحاضر مغزاه بالنسبة لهم. ويشرعون في السعي وراء أحلام استعادة هوياتهم والتعبير عنها في المستقبل، ويأملون أن يصبحوا قادرين على التصريح بمكنون صدورهم والتماهي مع الآخرين صراحة، والاستجابة لنداء الحقيقية بداخلهم، والقيادة على النحو الذي تمنّوه طوال الوقت.

إذ يتمنى البعض لو تتبدد حالة الخدر وفقدان الحس، كما يضمر البعض الآخر صوراً زاهية لما سيسعون لتحقيقه ما إن ينسحبوا من السباق المحموم، تلك الأهداف التي يشاركونها قلة من أصدقائهم خشية أن تُسلب منهم أيضاً تلك الأحلام. ويرقى هذا لما أطلق عليه إتش جي باينز (H.G. Baynes)، المحلل النفساني اليونغي (نسبةً إلى كارل يونغ)، منذ فترة طويلة، "عُصاب الحياة المؤقتة"، إذ بينما يرى القادة المتطورون عملهم الحالي أساسياً للفرص المستقبلية، نراهم يتخيلون أن عملهم المستقبلي سيكون أكثر مغزى بكثير. ويصبح ما سيؤولون إليه أهم مما هم عليه حالياً. ويفقد الحاضر قيمته عندهم، فيكفّون عن بذل قصارى جهدهم.

وبحلول الوقت الذي تفر فيه الذات المنهمكة إلى المستقبل، تُحكم لعنة الموهبة قبضتها. وفي حين أن أصحاب الإمكانات العالية ربما يبدون منغمسين في عملهم، ثم نجدهم في واقع الأمر منعزلين عنه. وإذا استمر الواحد منهم في اعتبار عمله خاوياً، فلن ينفعه حتى الرحيل عن مؤسسته. وفي دراسة ذكرناها آنفاً، وجد الذين التحقوا ببرنامج درجة الماجستير بحثاً عن ملاذ أنفسهم أسرى الدوامة نفسها التي يتعين عليهم فيها الوفاء بالتوقعات التي كرهوها وتخيُّلوا ملاذاتاً أخرى. وتذكَّر أحد المشاركين في الدراسة ذلك قائلاً: "كل يوم كنت أستيقظ ولا تُفارقني فكرة الرحيل. أردت أن أرحل دون أن أخبر أحداً".

كما فسَّر آخر كيف بدأ التشكيك في خياراته السابقة وإعادة النظر فيها. واسترجع الأحداث قائلاً: "عندما استكملت دراستي الجامعية، عُرض عليّ واحداً من أكثر المناصب التي يحسدني عليها أقراني آنذاك، وبالطبع قبلته. كان قراري الخيار الرفيع المستوى الذي يُقدم عليه أي إنسان. ولم أتمهل للتفكير في الأمر، ولم أسأل نفسي "هل أريد هذه الوظيفة حقاً؟". كنت أعقد الآمال على الخروج من وضعي هذا بشكل ما. ولم أكن أدري أين سأذهب، لكني تصوَّرت أن أي خيار سيكون أفضل لا محالة من موقعي الحالي.

في المقابل، عندما أطلعتنا لورا على قصتها، تحدثت عن احتمالات عودتها لاستكمال دراسة الدكتوراه فوراً بعد أن تساءلت عمّا إذا كان يمكن أن تصبح مديرة عمليات في يوم من الأيام. بدا الأمر وكأن فكرة أن تخطو خطوة أُخرى في مشوارها المهني استدعت فكرة مُضادة بالهروب والفرار، ووسيلة للذات من أجل الفكاك من الوظيفة التي تفوقت فيها والمؤسسة التي قدَّرت عملها حق تقدير.

كسر لعنة الموهبة

يمكن للعنة الموهبة أن تُعرقل النمو الشخصي والمشاركة والتطور المهنيّ لأغلب الموهوبين أصحاب الإمكانات العالية، وللتخلص منها وكسرها. نوصي بالخطوات الثلاثة التالية:

1- أحكم سيطرتك على موهبتك ولا يصيبنَّك الهوس بها. ما أن تصبح موهبتك هويتك، سيبدو كل تحد لها، وستصادف الكثير من التحديات خاصة إذا كنت بصدد توسيع مداركك بغية التعلم. وكما قالت لورا إذ شكَّك أحد أقرانها في قدرتها: "صدمني تشكيكه صدمة مسّت جوهر شخصيتي". فالنزول على نحو مسرف إلى رغبات وتوقعات كل الناس، بما في ذلك توقعاتك الشخصية، ليس بحل على الإطلاق. ستصبح تابعاً لا أكثر لما تعتقد أنه رغبات الآخرين، وسينظر إليك الآخرون على أقل تقدير باعتبارك متمرداً. وبدلاً من ذلك، راع احتياجاتك ورغبات الآخرين دون أن تسمح لأيّ منهما باستنفاد طاقتك.

حيث تحقيق هذا التوازن ينطوي على تعلم كيفية تقبل مساعدة الآخرين، حتى في الأوقات التي تظن فيها أنك في غنى عن المساعدة. وهذا أمر يُشدد عليه مايكل سانسون (Michael Sanson) مدرب المسؤولين التنفيذيين  في كلية "إنسيد" لإدارة الأعمال حينما يتعامل مع عملائه. إذ يقول سانسون: "يحدث تحول محوري عندما يُدرك صاحب الإمكانات العالية أنَّ دوره لا يوجب عليه أن يحقق نتائج أكثر من غيره، بل أن يحقق هذه النتائج بمساعدة الآخرين". ويُفسّر سانسون الأمر بأن الناس أحياناً يقاومون التعقيب على عملهم والتدريب. وعندما يشرعون في النظر إلى الملاحظات لا على اعتبار أنها حكماً عليهم بل مصدراً للدعم، يصبحون مستمعين بارعين وسريعي التعلم، الأمر الذي يساعدهم على أداء عملهم بشكل أفضل والنمو بوصفهم قادة.

2- استحضر ذاتك بكلّيتها في العمل لا بأفضل جوانبها فقط. فمن المُغري أن نظهر الجوانب الساطعة البراقة من أنفسنا، لا سيما عندما نقدرها نحن والآخرون كل التقدير. لكن أعظم مواهبنا على الإطلاق غالباً ما تنبع من الجروح والتحولات المفاجئة والجوانب الأكثر خشونة والأقل امتثالاً وانصياعاً في أنفسنا. حيث كثير من العزم ينبع من التململ، وكثير من الإبداع يأتي من القلق، وتأتي المرونة والقدرة على الصمود من مواجهة التحديات التي نُفضّل ألا نشاركها مع الآخرين. فالمدراء الذين يتعاطفون مع الآخرين أحياناً ما تطغى عليهم المشاعر. لذلك لا تقاوم مصادر الأحاسيس تلك التي تبدو مؤلمة بالنسبة لموهبتك، بل تعلّم أن تواجهها.

وفي هذا السياق، وخلال المرة الأخيرة التي تحدثنا فيها إلى مؤيد، الشريك الأسبق في شركة الأسهم الخاصة، كان بصدد الانتقال إلى ميدان إدارة المواهب. واستحضر براعته في إدارة الأعمال ضمن عمله الجديد، لكنه استحضر أيضاً فهماً شخصياً عميقاً لكيفية تعزيز المؤسسات لنمو الموظفين أو عرقلته والعكس. لقد منحه نضاله العملي من أجل النمو والتطور في شركته القديمة بصيرة سمحت له بمد يد العون للآخرين كي يتطوروا ويزدهروا. ولم يعد موهوباً وحسب، بل عازماً على تحقيق غايته ومنبعثاً من جديد.

3- قَدِّر الحاضر حق قدره. هذه هي أهم خطوة على طريق كسر اللعنة. سلْ نفسك ماذا لو كانت هذه هي نهاية المطاف؟ ماذا لو لم يكن عملي الحالي مجرد درجة على سُلَّم المجد بل وجهتي النهائية؟ إذ يجب أن تستثمر في العمل الذي تقوم به حالياً وأن تجعله مهماً بالنسبة لك كي تنمو وتتطور مستفيداً من التجربة.

كما عليك التعامل مع التوقعات والضغوط والشكوك التي تواجهها بصفتها تحديات يصادفها جميع القادة. فهي ليست اختبارات للقيادة، بل خصائص لها. ولن تتلاشى فور أن تثبت جدارتك، بل ستزداد قوتها لا أكثر. لذا، فإن الحاضر هو الوقت المثالي لحشد الموارد التي ستحتاج إليها لإدارتها على المدى البعيد. وعليك أن تتقبل أنه حتى في وجود الكثير من الموارد ستتطلب القيادة منك دائماً شجاعة وجسارة. وكما قال ميت ستور (Mette Stuhr) الرئيس الأسبق لقسم إدارة المواهب في واحدة من الشركات المتعددة الجنسيات، الذي علَّم ودرّب عدداً كبيراً من أصحاب الإمكانات العالية في جميع أنحاء العالم: "إذا انتظرت حتى يصبح آمناً أن تتكلم بصراحة، فلن تتكلم أبداً".

طقس عبور

رغم الآلام التي تتسبب فيها لعنة الموهبة والأخطار التي تنطوي عليها، فهي تُعتبر طقس مرور. وكسر اللعنة جزء مهم من تعلم كيفية القيادة الحقة. وإنها لعملية مُستمرة، فعلى أصحاب الإمكانات العالية أن يداوموا على كسرها مراراً وتكراراً بينما يتطورون في أدوار جديدة.

لنرجع إلى مثال لورا، في جلسة خاصة لفريق العمل، بادرت أخيراً بعد تفكير واعترفت بأنها تدرس فكرة الرحيل. وفي نقاش تمرنت عليه مراناً جيداً، فسّرت كيف أن هيكل قسمها يخلق حساسية بينها وبين أندادها. ولدهشتها فإنّ ما اعتقدت أنه سيتحول إلى كلمة وداع وجدت أنه قوبل بترحاب شديد. وعاد عليها التصريح بمخاوفها بالنفع. فقد تغير هيكل القسم ولم تُبارح مكانها.

وبعدها بفترة وجيزة، عُرض على لورا دوراً أكبر حيث طُلب منها قيادة فريق من خمسة مدراء يرأسون 52 شخصاً. وشعرت بالطاقة تتجدد في عروقها في بداية الأمر، لأنه كان باستطاعتها التأثير في الشركة بأسرها. ولكن بدأت شكوك جديدة تتسلل إليها وتقلق مضجعها. ومجدداً لم تطلب دعماً من أحد. وبعد مرور ستة أشهر على اضطلاعها بدورها الجديد، لم تكن قد تفاوضت بشأن أجرها الإجمالي. حيث قالت: "حصلت على وظيفة رائعة. ماذا سيظنون لو انتابني القلق بشأن العقد والراتب وما شابه ذلك؟". لقد منعها الحفاظ على سمعتها بوصفها شخصية نشطة وشغوفة من اتخاذ التدابير التي تضمن لها النجاح. إذ قالت: "لم أثبت نفسي بعد. فكيف لي أن أطلب المزيد؟ يجب أن أكون ممُتنة".

ومرة أخرى تحولت الفرصة إلى عبء ثقيل، وخيّم الحزن على لورا وأُصيبت بخيبة الأمل. ولم ينوِ رئيسها في العمل ولا مؤسستها لأي من ذلك أن يحدث. فقد سعدا بتكليف مديرة شابة طموحة ومسؤولة مهمة تُوسّع فيها مداركها. وهما لم يسحبا دعمهما عن عمد، لكنهما لم يشجعاها على التماسه أيضاً، ولم يدعواها قط كي تتمهل بعض الشيء أو أخبراها أنها يجب ألا تتوقع النجاح على طول الخط. وعليه، عززا أسلوب عملها.

ويسوقنا ذلك إلى نقطتنا الأخيرة، حيث ينبغي على المؤسسات أن تقوم بدورها في كسر اللعنة أيضاً، وحري بها أن تكف عن الإشارة للمدراء الشباب الموهوبين بوصفهم "قادة المستقبل" طالما أنّ ذلك يحثهم على الامتثال المُبتذل والتفكير الكاره للمخاطر والسلوك المُتكلف. وعليها أن تكف عن تقديم المسؤولية في الحاضر مع الوعد بالسلطة في المستقبل. وعليها أن تُفسح المجال للموظفين من أجل الانحراف عن صورة القيادة التي رسمها الآخرون. فهذا من شأنه أن يخفف الضغوط المُلقاة على عاتق المدراء لإثبات موهبتهم ويُحررهم فيستغلونها ببساطة وينغمسون في عملهم ويتطورون فيصبحوا قادة أفضل.

إن الطريقة المُثلى لتطوير القادة في النهاية، هي مد يد العون لهم ومساعدتهم على القيادة. والطريقة المُثلى لتعلّم القيادة هي تقبل مساعدة الآخرين في الزمان والمكان الحاضريْن.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!