تابعنا على لينكد إن

منذ 35 عاماً وأنا أستخدم إطار حل الصناديق الثلاثة في عملي مع الشركات. تدمج هذه المنهجية العملية (الصندوق 1) وهو أداء الأعمال الحالية في الحاضر مع (الصندوق 2) وهو التجاوز الواعي لأمور في الماضي مع (الصندوق 3) وهو تشكيل المستقبل. ولكن ليس الأمر متعلقاً وحسب بقضايا العمل، إذ يمكن استخدام هذه الطريقة كما أخبرني بعض المدراء التنفيذيين ممن استخدم هذه الطريقة معهم في السعي للتغيير على المستوى الشخصي.

على سبيل المثال: يمكن أن نذكر سوية قصة تحوّل رجل واحد معروف، وهو زعيم جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا، والذي تحوّل من تمثيل المقاومة المسلحة للأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) إلى شخصية ذات تأثير نافذ للمصالحة والوحدة الوطنية في ذلك البلد. فخلال 27 سنة قضاها في السجن فكر مانديلا بالمستقبل وتباحث مع أصدقائه حول ذلك. وأدرك أنّ مستقبل البلد لا يمكن أن يقوم على العصبية والمعاملة بالمثل (بغض النظر عن الحق في ذلك) في ما يتعلق بجرائم الماضي الوحشية. بل وجد أنّ البلد بحاجة إلى أسس جديدة قائمة على التسامح والتصالح. واعتنق مانديلا بالفعل هذه الهوية الجديدة، وأصبح مثالاً على التغيير ولا سيما حين قام في حفل تنصيبه رئيساً لجنوب إفريقيا عام 1994 بدعوة سجانه الأبيض للوقوف إلى جانبه.

ولو أنّ مانديلا استمر في تعريف نفسه بأنّه الثائر المناهض للأبارتايد (وهي الهوية التي كانت تتعزز كل يوم بفعل سجانيه) لما تمكّن من تصور وتحقيق ذلك التحوّل الشخصي الذي أخذ بيده لتغيير واقع دولته بأسرها. إنّ إعادته لإنتاج نفسه شخصياً وفلسفياً يمثل تحوّلاً بأقصى ما يمكن تخيله من الصعوبة (من ثوري تحرري، يخضع للتشويه والتعذيب من قبل الحكومة، إلى سبب لشفاء وطنه من جروح الماضي الغائرة). فإن كان مانديلا تمكّن من إعادة إنتاج نفسه في تلك الظروف العصيبة وبعد فترة سجنه الطويلة، فإنّ أي ظرف بعد ذلك سيبدو ممكن التغيير. وعلى الرغم من أنّ معظمنا لن يواجه مثل هذا التحوّل الأسطوري الذي مر به مانديلا، إلا أنّه يمكننا على الأقل تعلّم الكثير من هذه التجربة.

تتحدد مصائر الناس بالطريقة التي يتعاملون بها مع التغيير، إذا كانوا يتقبّلون التغيير إن حصلت في حياتهم أم يقاومونها، وهل يبقون عالقين في ماضيهم أم يتحررون منه، كما فعل مانديلا؟ هل يحملون ماضيهم معهم كشمعة مقدسة أم لديهم القدرة على التخلي عنها والبحث عن شيء جديد؟

يتوجب إحسان إدارة الصناديق الثلاثة للزمن: الماضي والحاضر والمستقبل، وستحقق النجاح والانطلاق في حياتك. أما إن لم تفلح في ذلك فإنك ستعاني الكثير وستكون عرضة للفشل.

منذ أن طوّرت إطار حلّ الصناديق الثلاثة، لم أقتصر على تعليمه للمدراء التنفيذيين ليستفيدوا من هذا الإطار في شركاتهم، ولكني طبقته أيضاً على حياتي الشخصية والمهنية. وسأتحدث عن موقفين استخدمت فيهما إطار حل الصناديق الثلاثة للتوصل إلى قرارات تتعلق بعملي، حيث قررت اغتنام فرصة في المرة الأولى، أما في الثانية فأعرضت عنها.

تواصلت معي شركة جنرال إليكتريك (GE) لأترك عملي مع شركة دارتماوث وأنضم إليهم لأصبح أول أستاذ مقيم في الشركة وأكون كذلك كبير الاستشاريين في مجال الابتكار فيها. لقد مثلت لي الوظيفة فرصة تطبيق الأبحاث التي أجريتها على مدار عقود في بيئة عمل فعلية. سأكون في هذا المنصب قادراً على اختبار صحة الإطار الذي وضعته، وأن أحسّنه وأعزز مكانتي كأستاذ أكاديمي وذلك بوضع أفكاري موضع الاختبار العملي، وأساعد شركة جنرال إليكتريك في الوقت ذاته على أخذ خطوات حثيثة في مجال الابتكار. لا شك أنّ هذه الخطوة ستقع ضمن الصندوق الثالث (المستقبل)، فوافقت على العرض الذي قدّم لي بلا تردد. وكرست سنتين من حياتي لهذه التجربة التي عادت بالنفع الكبير عليّ، ولاسيما أنّي حصلت فيها على المساعدة في ابتكار منتجات رعاية صحية مبتكرة تُستخدم في الأسواق الناشئة.

وفي المرة الثانية تواصلت معي شركة ضخمة متعددة الجنسيات، شبيهة بكثير من الجوانب بشركة جنرال إليكتريك، وعرضت عليّ أن أصبح الرئيس التنفيذي لتطوير الإستراتيجيات، وكانت هذه الوظيفة تتطلب منّي أن أتخلّى عن المجال الأكاديمي. لقد كانت خطوة تقع في الصندوق الثالث ويبدو أنّ العائد المالي منها ضخم. فالشركة تعد من أكثر الشركات ابتكاراً في العالم، وكنت متحمساً وأنا أتخيل نفسي أقود خطتها الاستراتيجية. ولكن النقطة الجميلة في الصندوق الثالث هي تلك التي تكون مزيجاً بين المادي والمعنوي، تلك الحالة التي تصدر عن تحوّل جديد غير خطي في سوق العمل ممتزجاً بأمر ذي قيمة مستدامة تحدد صلب هويتك. إنّ الصندوق الثاني (الماضي) يتعلق بتجاوز أشياء في الماضي تماماً كما يتعلق بتذكّر أمور أخرى. فإن ارتكبت خطأ تجاهل الكثير من الجوانب التي تحدد ماهيتك، فإنّك لن تحقق النجاح في الفرص التي تلوح لك في الصندوق الثالث. وفي حالتي أنا، فقد كانت تلك الماهية التي تعرّفني هي كوني أستاذاً أكاديمياً. وبينما عملي في جنرال إليكتريك كان يتيح لي الحفاظ على هويتي، كان هذا العرض الجديد يستلزم أن أتنازل عنها. ومع كل ذلك الفضول والإغراء الذي تملّكني حيال هذه الفرصة، إلا أنني رأيت أنّ قبولي بها سيعني أن أحيد بعيداً عن صلب هويتي الحقيقية.

لا يلزم أن يكون التغيير حدثاً فاصلاً قاطعاً دفعة واحدة. حين نحقق التوازن بين الصناديق الثلاثة، فنأخذ بالاعتبار ما علينا الحفاظ عليه، وما يجدر بنا التخلص منه، وما يجب علينا تشكيله من جديد بشكل يومي، فإننا نقوم بتشكيل مستقبل جديد في عملية متواصلة مع الزمن. فإن كان إطار حلول الصناديق الثلاثة يساعد الشركات والمؤسسات على الابتكار والنمو، فإنه يقدم لنا مبادئ تساعد القادة أيضاً في رحلة التغيير على المستوى الشخصي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz