في حديقتي هناك طفلة رضيعة صغيرة تمشي أولى خطواتها باهتزاز وعدم استقرار. تظهر عليها مظاهر الذهول والإرهاق وهي تتحرك بردائها الأصفر الجميل الذي ترتديه. أعرف تماماً ما تشعر به لأنها تشبه الكثيرين ممن أعرفهم حالياً. في كل مرحلة من عمر الإنسان، عليه المرور بأطوار التحول نفسها: اتخاذ خطواته الأولى في عالم جديد غير مؤكد وغير معروف. خلال كتابتي لهذه السطور، تحلق طائرات يعود عمرها إلى الحرب العالمية الثانية في السماء محتفلة بعيد ميلاد الملكة إليزابيث الرسمي، إذ أنّ تاريخ ميلاد الملكة هو نفسه تاريخ ميلاد والدتي. ويبلغ عمر كل منهما الآن 93 عاماً، وهما في صحة جيدة ولم تنتهِ التحولات في حياتهما بعد.

وبدوري، أنا الخجولة ذات السابعة والخمسين من العمر، أشعر بأنني على طرفي نقيض، فأنا الحفيدة والجدة في نفس الوقت. ومن موقعي هذا، يمكنني أن أرى كيف أنّ عائلتي بكاملها تبدو وكأنها على حافة جرف التغيير، إذ أننا جميعاً ننتقل، وفي وقت واحد تقريباً وبشكل غير متوقع، إلى الفصول التالية من حياتنا، حيث أرى ابنتي تتخرج من الجامعة، وابني يُنشئ شركته الأولى، وزوجي يتكيف مع أيامه الأولى كمتقاعد في حين حصلت والدتي على أول جهاز مساعدة سمعي وتشكو حالياً من ضجة صفارات الإنذار في المدينة. أما على الصعيد الاجتماعي، فلدي ثلاث صديقات مقربات، إحداهن فقدت وظيفتها، والأخرى انتقلت من بلد إلى آخر، بينما الثالثة انفصلت عن شريكها.

يكافح كل فرد من أفراد عائلتي متعددة الأجيال من أجل التخلي عما كان عليه (الهوية والمجتمع والزملاء والمؤهلات) وقبول ما سيكون عليه (الغموض وعدم الوضوح وعدم المعرفة). هناك خليط من كل من الخوف (من أنا؟)، والإثارة (أنا على استعداد تام للتغيير)، والارتباك (ماذا أريد؟)، واليقين (حان الوقت للمضي قدماً).

ونظراً لأن الكثيرين منا سيعيشون حياة أطول وأكثر صحة، سنواجه بدورنا لحظات عدم يقين أكثر، فأنا الآن جالسة في الحديقة، أشاهد ابنتي الصغيرة تمشي وتحاول تحضير نفسها لسنين حياتها القادمة. وبغض النظر عن موقعنا الحالي في رحلاتنا الخاصة، يمكننا أن نحسّن أطوار حياتنا عبر امتلاك مهارة التحول. وللقيام بذلك، يجب التركيز على أربعة مهارات مهمة هي:

التحكم بالسرعة والتخطيط. يعني ازدياد معدلات الأعمار للبشر حاجتهم (أكثر من أي وقت مضى) إلى التخطيط للتغيير. يتطلب استخدام هدية العمر المديد الاعتراف به أولاً، ثم تحديد كيفية توظيفه. يقول الناس إنه لا يمكنك الحصول على كل شيء، إلا أنّ هدية الوقت تمنحنا خيارات جديدة للحصول على أكثر بكثير مما كنا نعتقد أنه ممكن.

  • احسب عمرك حتى الآن وفق الفصول الرئيسة فيها. رسم إريك إريكسون مراحل حياته منذ البلوغ على فصول مدة الواحد منها 7 سنوات. ما النقاط البارزة والإنجازات والتعلم لكل 7 سنوات مرت من حياتك؟
  • كم مرحلة مؤلفة من 7 سنوات أنت بحاجة إليها للوصول إلى 100؟
  • ارسم مخططاً زمنياً من 0 إلى 100 وضع نفسك عليه. يمنحك هذا فكرة عن الطول المحتمل للطريق المستقبلي.

المغادرة بلباقة. هناك لحظة في كل وظيفة أو مرحلة حياتية أو علاقة ستدرك فيها أنك قد وصلت إلى النهاية. من المهم معرفة الوقت المناسب لإنهائها، وإنهاءها أيضاً بشكل جيد، وهو ما ستصبح أفضل فيه مع مرور السنين وازدياد فترات التحول التي عشتها سواء على المستوى العائلي أو المهني. يمكن أن تأتي النهاية من داخلك، كنتيجة للإنهاك أو الملل أو الاكتئاب أو الإرهاق، أو من ظروف خارجية مثل التسريح وإعادة الهيكلة أو الطلاق أو باقي التحولات الأخرى، والتي تعتبر كلها مراحل مهمة. لا تعتبر تلك التحولات سهلة لأي شخص يعيشها، سواء في العمل أو المنزل. يمكننا قضاء الكثير من الوقت نتأملها من دون حل، متسائلين عما إذا كان علينا البقاء أم الرحيل، إلا أنّ النهايات الجيدة هي أفضل حجر أساس لبدايات جيدة.

  • يعطيك قيامك بالاختيار السيطرة. يكون الخيار الذي اتخذته (قبل سنين أحياناً من أن يُفرض عليك) الخطوة الأولى، وغالباً الأهم.
  • اسأل نفسك إذا كنت في مكانك الحالي بسبب الحب أو الخوف. هل تحب مكانك الحالي، أم أنك فقط هنا لأنك تخاف مغادرته للمجهول؟ قد يكون المجهول مكاناً رديئاً للعيش فيه، لكن سيجعل ذلك العديدين في مكانهم. من سأكون من دون هذا المنصب أو الراتب أو اللقب؟ اجعل هذا السؤال يثير حماستك، لا خوفك.
  • احتضن الارتباك والغموض والأسئلة، وعليك هنا النظر إليها بشكل مختلف. وتذكر أنك لست مضطراً لمواجهة ذلك بمفردك.

اخرج ما بداخلك. تتمثل إحدى ميزات الشيخوخة التي تعلمناها بصعوبة هي معرفة ذواتنا. بالنسبة للكثيرين منا، هناك الكثير من المناطق في داخلنا لا نستكشفها حتى النصف الثاني من سن الرشد. كانت صديقتي مريم تتوق إلى القيام أعمال إبداعية طوال حياتها، ولكنها لم ترَ نفسها فنانة حتى بدأت الكتابة والرسم في الستينيات من عمرها. في عمر الثمانين أصبحت فنانة ناجحة وشاعرة مشهورة. هل هناك جزء لديك ينتظر متوارياً في الخفاء؟ ستساعدك الأسئلة التالية على معرفة ذلك:

  • ما أكثر ما استمتعت به في حياتك المهنية حتى الآن؟
  • أي نوع من الناس يحفزونك، وأي نوع من البيئات تنفرك؟
  • هل ترغب في نقل المهارات أو البدء من الصفر وإعادة بناء العجلة؟ هل تريد البناء على الإنجازات أو البدء من جديد؟
  • ما نوع الرصيد الذي ستضعه في أولويتك لهذه المرحلة؟ هل ستقوم بالتركيز على شيء واحد أو تجميع سلسلة من الأمور الصغيرة في مكان واحد؟
  • هل ترغب في الأمان أم المخاطرة؟

ستحتاج في هذه الرحلة، التي يمكن أن تستغرق عدة سنوات، إلى “حقيبة سفر” مريحة: مجلس مشورة من المؤيدين الموثوق بهم، وجدول زمني واقعي، وخطة مالية، ودعم مقدم من شريكك وسبق له أن تفاوضت معه بوضوح حوله (إن كنت متربطاً). لم تُبنى روما في يوم واحد ويتطلب الاستعداد للجزء التالي من حياتك أكثر من مجرد تحديث ملفك الشخصي على لينكد إن. استثمر في المرحلة التالية كما تفعل في أي مشروع مدته 7 سنوات، أي بشكل جاد.

تقبّل الملاحظات الخارجية. ستستفيد أية خطة انتقالية من الملاحظات الخارجية. وبشكل أساسي، فأنت هنا تقوم باختبار خارجي لخطتك الجديدة، وتحديد المواقع التي أنت في أمس الحاجة إليها وتقديرها. اعتقد كل من كريمة ومراد أنهما عندما سيبلغان أوائل الستينيات من عمرهما، سيتقاعدان ويغادران منزلهما في المملكة المتحدة للعيش في بلد جديد. بالتالي، عندما وصلا إلى سن الخمسين، أخذا إجازة من عملهما وعاشا في أربعة بلدان مختلفة مدة ثلاثة أشهر للعثور على المكان المثالي. في النهاية، ساعدتهما هذه التجربة على اختيار دخول مهنة جديدة بدلاً من بلد جديد، إذ قررا الانتقال إلى منزل جديد على بعد ساعة فقط من منزلهما القديم وبدء مزرعة صديقة للبيئة، وتحقيق شغف طويل الأمد بالاستدامة والطعام.

إنها عملية تدعوها الأستاذة في مدرسة لندن للأعمال “إل بي إس” (LBS) هيرمينا إبارا باسم “الاستبصار” (outsight) وهي استكشاف مجازي لأراض جديدة لمعرفة ما تحبه وما قد تكون قد أحببته سابقاً. فمن وجهة نظرها، البصيرة (insight) لوحدها قد لا تكون كافية.

  • ما أكثر ما يقدّره الآخرون عنك؟
  • ما الذي فعلته أو عملت عليه وحقق أفضل استجابة أو أكثر تقدير أو أعلى متابعة؟
  • أي تجربة من تجاربك جذبت الأسئلة أو الأشخاص أو المشاريع التي تثيرك؟
  • متى وأين ومع من كنت تشعر بأنك مفعم بالحيوية؟

القفز. عندما ترى أشخاصاً انتقلوا بنجاح إلى مرحلة جديدة واستثمروا في شيء يهتمون به بشدة، وأحياناً لأول مرة في حياتهم، فهذا مشهد ملهم. بعض الأشخاص قد لا يجدون ما يثير شغفهم وبعضهم يسمحون لأنفسهم بالعثور على ما يثير شغفهم بعد وفائهم بجميع واجباتهم خلال حياتهم مثل التوقعات التي وضعوها لأنفسهم ومهامهم كآباء، وتكوينهم لأسر. إنّ الحرية التي تأتي من التصالح مع نفسك لا ثمن لها. ولا الشهرة ولا الثروة يمكنهما تغذية الروح الفارغة. وكما كتب إريخ فروم منذ نصف قرن، “إن حياة الفرد بأكملها ليست سوى قيامه بولادة نفسه؛ في الواقع، يجب أن نولد بالكامل عندما نموت – على الرغم من أنّ المصير المأساوي لمعظم الأفراد هو الموت قبل ولادتهم”.

الآن وبعد بضعة عقود إضافية لاختبار جناحينا، قد يكون التحدي الحقيقي هو تذكر أنه لم يفت الأوان مطلقاً على الطيران.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!