تابعنا على لينكد إن

أمضيت سنوات أتصارع مع سؤال حول الكيفية التي يمكن من خلالها للعاملين المهنيين التأكد من أنّ خبراتهم تحظى بالتقدير في عالم لا يكفّ جنونه وصخبه يزداد.

في أثناء عملي على البحوث اللازمة لكتابي “أبرز نفسك” (Stand Out)، أجريت مقابلات مع أكثر من 50 من كبار قادة الفكر من مختلف المجالات للتوصل لأفضل الممارسات والقواسم المشتركة للنجاح فيما بينهم. وجدتُ وفرة من التقنيات المفيدة: بدءاً من الاعتماد على شخص موثوق يكون ساعدك الأيمن يروّج لأفكارك عند الآخرين، وليس انتهاء بتحديد القواسم المشتركة مع الأشخاص الذين تسعى للتأثير فيهم بحيث يُبدون استعداداً أكبر لتقبّل رسالتك.

لكنني أدركتُ لاحقاً أنّ هناك على وجه التحديد ثلاثة عناصر أساسية تجعل أفكارك مفهومة وتُكسبها التقدير الذي تستحقه، وهي تعتبر الأساس لأي شيء آخر تفعله. أولاً، الدليل الاجتماعي الذي يعطي الأشخاص سبباً للاستماع إليك؛ ثانياً، صنع المحتوى، الذي يُمكّن الأفراد من تقييم جودة أفكارك؛ وثالثاً، شبكة علاقاتك، التي تسمح لأفكارك بالانتشار.

إن لم تملك اثنين من هذه العناصر على الأقل، (مع أنّه من الأفضل امتلاكهم جميعاً)، فسيكون من شبه المستحيل من الناحية البنيوية أن تُبصر رسالتك النور. فهم تلك الديناميكية يساعد المهنيين الموهوبين، الذين قد يميلون لاختيار طرق سهلة لمعرفة أين يركزون جهودهم بحيث يضمنون إبراز قيمتهم الحقيقية.

الدليل الاجتماعي

إنّ البشر، وبخاصة كثيرو الانشغال منهم، لديهم انحياز نحو ترشيد طاقتهم العقلية. من المكلف عليهم ذهنياً إجراء تقييم مستقل لكل شخص يلتقونه لتحديد: “هل هو موثوق؟”. وفي الواقع، إجراء هذا التقييم مستحيل تقريباً إن كان الشخص من خارج مجال خبرتهم لأنهم ببساطة قد لا يمتلكون من المعلومات ما يكفي. وهنا تأتي أهمية الدليل الاجتماعي. ويعتبر الدليل الاجتماعي استدلال يسمح للأشخاص الحكم على أمر –في هذه الحالة أنت- اعتماداً على ارتباطاتك بعلامات يثقون بها. إن كنت قد درست في هارفارد، سيرى الآخرون فيك شخصاً ذكياً. وإن وصل كتابك إلى قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً، فلا بدّ أنه كتاب جيد.

هناك بلا شك استثناءات (تكون جلية أحياناً)، لكن بشكل عام يوفر الدليل الاجتماعي اختصارات مفيدة في معظم الأوقات. يمكنك استغلال قوة الدليل الاجتماعي لتحرص على أنّ أفكارك تُؤخذ على محمل الجد، وذلك ببذل الجهد لربط نفسك مع الأشخاص والمؤسسات المشهورة والمحترمة ضمن صناعتك.

على سبيل المثال، اعقد العزم على البدء في التدوين بإحدى المنشورات التي يقرأها كثيرون في مجال تخصصك، سيكون ذلك بمثابة طريق مختصر سريع نحو المصداقية. وإن كنت قد عملت لدى شركة رائدة في صناعة ما، فاحرص على جعل ذلك بارزاً في سيرتك الذاتية وأن تحكي بين الحين والآخر للآخرين قصصاً من الأيام التي قضيتها هناك. وإن اضطلعت بدور قيادي في جمعية مهنية، فإنّ ذلك دليل على أنّ زملاءك يحترمونك بما يكفي لجعلك قائداً لهم. يُمكّن الدليل الاجتماعي الآخرين من أن يشعرون بالراحة تجاهك، ما يخفف من انتباههم ليُقيّموا مصداقيتك على الدوام لأن الآخرين “أكدّوا هويتك”. هذا بدوره يُعدّهم للاستماع لأفكارك بانتباه وعقل منفتح أكثر.

صُنع المحتوى

لن تجذب الأنظار لأفكارك ما لم تشاركها. قد لا يرى المهنّيون كثيرو المشاغل جدوى في إنشاء المحتوى بالنظر للعدد الهائل من المدونات والفيديوهات والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي. صحيح أنّه من الصعب حالياً نشر أفكارك مقارنة بالأيام الأولى لظهور يوتيوب وتويتر، لكن هذا لا يجب أن يكون بالأساس هدفك كرجل أعمال. إنّ صنع المحتوى (سواء كان في شكل فيديو أو صوت أو نص) يخدم غايات متعددة للقادة.

أولاً، هو يُجبرك على صقل أفكارك حول المواضيع المتعلقة بمجالك، بما يجعل ذهنك أكثر حضوراً. ثانياً، يمنحك الفرصة للتفاعل مع زملائك أو مع معارف تطمح للتعرف عليهم، إما بإجراء مقابلة معهم أو ببساطة عبر الإشارة إليهم في أحد منشوراتك (دعاني الكاتب راميت سيثي للفطور بعد أن ذكرته في مقال في هارفارد بزنس ريفيو). أخيراً، يزودك صنع المحتوى برؤى مدروسة ومفصّلة على قياس احتياجات عملائك. وحتى لو لم يكن لديك 10,000 قارئ، يبقى شكلاً من المصداقية لا يُقدّر بثمن. تصوّر مثلاً عندما يخبرك عميل محتمل بمشكلة يعاني منها، فتقول له “لقد كتبت مقالة لتوي عن ذلك- دعني أرسلها إليك”. فكرة أنك أنت فعلاً من يصنع المحتوى، ولست مجرد مقتبس من الآخرين، وحدها تكفي لجعلك خبيراً في عيون الكثير من الأشخاص.

شبكة علاقاتك

يساعد امتلاكك شبكة قوية من العلاقات على إبراز خبرتك للآخرين في ثلاث نواحي. الأولى، هي أنّ وصولك لمجموعة متنوعة من الأشخاص يُعرّفك على وجهات نظر مختلفة يمكنها أن تُطلق شرارة أفكار جديدة وتُمكنّك من العناية بأفكارك بفضل ما تمنحك إياه من تقييمات مدروسة وذات صلة بمجالك. الثانية، أنّ شبكة العلاقات الواسعة تُمكّن أفكارك من الانتشار أسرع لأنك تبدأ من قاعدة أكبر من الأشخاص المتحمسين للتحدث والتغريد والتدوين والكتابة عن أفكارك إلى جمهورهم. أخيراً، يمكن لشبكة علاقاتك أن تكون هي نفسها شكلاً من أشكال الدليل الاجتماعي على أساس “قل لي من ترافق أقل لك من أنت”. إن لم تكن معروفاً لدى اللاعبين الكبار في مجالك فقد تكون تلك علامة سيئة ضدك، أما ارتباطك العلني بأشخاص معروفين بأدائهم (سواء كانوا يعيدون تغريد محتواك، أو يدعونك ككاتب ضيف في موقعهم، أو يشاركون صورة التقطوها معك في فيسبوك)، فإنّ ذلك يُعتبر بمثابة شهادة في صالحك تُحسّن من مصداقيتك.

هناك الكثير من الطرق المفيدة لتصنع لك اسماً في مجالك. لكن إن تحدثنا على المستوى التأسيسي، يجب أن تكوّن لنفسك صورة توحي بالمصداقية، عليك أن تشارك أفكارك علناً بحيث يرى الآخرون خبراتك بأنفسهم، ويجب أن يكون لديك شبكة علاقات تتمتع بالحماس لنشر أفكارك. بحصولك على هذه العناصر الثلاث، حتى في خضم هذه الكثرة والتشبع بالمعلومات، تكون قد فعلت كل ما يمكن لضمان إسماع صوتك وإبراز موهبتك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz