دراسة حالة: مَن يجب التضحية به بعد الأزمات؟

15 دقيقة
التضحية بعد الأزمات
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تُعرض دراسات الحالة التي تصيغها “هارفارد بزنس ريفيو” على هيئة قصص خيالية لمشاكل يواجهها القادة في الشركات الحقيقية، وتقدّم الحلول التي يراها الخبراء. وتستند هذه الحالة إلى دراسة حالة أُجريت بواسطة “كلية آيفي للأعمال” (Ivey Business School) حول اختراق أمني تعرضت له شركة “سوني” قبل وقت طويل من الاختراق الذي تعرضت له أواخر عام 2014 بعنوان “سوني بلاي ستيشن: خرق أمني” (Sony PlayStation: Security Breach).

عاش جيك سانتيني أصعب أيام حياته المهنية خلال الأسابيع الأربعة التي أعقبت هجوم المخترقين (الهاكرز) على شركته. جلس الرئيس التنفيذي على طاولة مطبخه بعد يوم طويل وشاق من الاجتماعات والمقابلات المعتادة منذ ذلك الحين، وراح يقرأ رسالة البريد الإلكتروني المرسلة من رئيسة مجلس إدارة شركته مرة أخرى، لكن على مسامع زوجته فلورا هذه المرة:

“يشعر كل أعضاء مجلس الإدارة بالمرارة بعد أن ضاقت بهم السبل ولم يجدوا مناصاً من تحميل شخص ما مسؤولية ما جرى أمام الجمهور. وعلى الرغم من ثقتنا التامة بأن المشكلة قد حُلّت، فإننا نرى أن هذه خطوة لا بد منها لإصلاح الأمور مع عملائنا واستعادة صورتنا الذهنية في نظر الجمهور”.

كانت رئيسة مجلس الإدارة، كارلي إليوت، تشغل في السابق منصب عضو مجلس إدارة في شركة “سيمبل باي” (SimplePay) منذ أيامها الأولى كشركة ناشئة في أوستن متخصصة في معالجة سداد المدفوعات عبر الأجهزة المحمولة. ولطالما عملت هي وجيك كزميلين متفاهمين جداً، لذا فقد فوجئ بعض الشيء حينما راسلته بالبريد الإلكتروني حول شيء حساس للغاية كهذا دون أن تتصل به هاتفياً.

هزت فلورا رأسها متسائلة: “عندما تقول: ’شخص ما‘، فهل تعنيك أنت بالذات؟”

أجابها جيك: “لا أدري. فقد أكدت لي في بداية أزمة الاختراق أنها لا تريدني أن أستقيل”.

قالت فلورا متثائبة: “إذاً، هي تريد شخصاً ما فحسب”. أحس بتأنيب الضمير لإرغامها على السهر معه حتى هذا الوقت المتأخر من الليل في حين أن عليها أن تستقل الطائرة في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، لكنها أصرت على البقاء مستيقظة لبضع دقائق أخرى ومناقشة الأمر.

وأردفت نصف مازحة: “يهمني أن أعرف ما إن كنت ستصير موظفاً أم ستمسي خالي عمل الأسبوع المقبل”، ثم استطردت: “دعنا من المزاح، لماذا تهوّل كارلي الموضوع بهذا الشكل المبالغ فيه؟ إن مشكلة شركتكم لا تصل إلى درجة خطورة مشكلة شركة “تارغت” (Target)”.

كانت محقة. فرغم أن “سيمبل باي” عالجت الملايين من معاملات بطاقات الائتمان يومياً من خلال تطبيق يمكّن التجار من قبول المدفوعات عن طريق الأجهزة اللوحية أو الهاتف، فقد تسلل المخترقون إلى قاعدة بيانات واحدة فقط والتي تحتوي على عناوين البريد الإلكتروني للمستهلكين فقط، ولم يحصلوا على تفاصيل مالية أو أي معلومات أخرى.

بيد أنه كان خرقاً أمنياً مقلقاً.

اضطرت الشركة إلى إيقاف تشغيل نظامها لمدة 42 ساعة وإخطار جميع عملائها البالغ عددهم 10 ملايين عميل وإصدار اعتذار عام. وتكالب المدونون المهتمون بقطاع التكنولوجيا على تناول القصة من زوايا مختلفة، حيث تكهن الكثيرون منهم بأن “سيمبل باي” كانت قد شرعت في إبطاء وتيرة أي تعيينات جديدة والاقتصاد في استثماراتها الأمنية في محاولة منها لتجميل ميزانيتها العمومية في إطار استعدادات الشركة لطرح أسهمها للاكتتاب العام الأولي المرتقب. كان بعض هذه الاستنتاجات صحيحاً، فقد كان من المقرر طرح أسهم الشركة للاكتتاب العام في العام المقبل، وكان جيك والرئيس التنفيذي للشؤون المالية يحاولان خفض التكاليف، لكنهما استثنيا في الغالب فريق تقنية المعلومات لأنهما كانا يعرفان أن التقنية (والموظفين الذين يدعمونها) هي القوام الرئيسي للشركة. وقد أصدرت ميشيل بيريز، رئيسة العلاقات العامة، بيانات بهذا المعنى ولكنها وجدت صعوبة في السيطرة على القصة.

انتهز المتصيدون على “تويتر” الفرصة، وراحوا يسخرون من “سيمبل باي” لأنها استغرقت ما يقرب من يومين كاملين للتعافي من اختراق بسيط، لكن جيسي غلادستون، الرئيس التنفيذي للمعلومات في شركة جيك، أصر على أن فريقه احتاج إلى كل هذا القدر من الوقت لإصلاح الثغرة الأمنية وسد الطريق أمام أي متسلل. كان فريق تقنية المعلومات يعمل على مدار الساعة منذ ذلك الحين لتحديد أي ثغرات محتملة أخرى وإصلاحها، علاوة على اتخاذ تدابير أمنية جديدة.

قال جيك: “إنها تهوّل الموضوع لأنه خطير بالفعل”.

ردت فلورا: “أعرف، لكن إصرارها على البحث عن كبش فداء يبدو مبالغاً فيه. إذا كانت لا تريدك أن تستقيل، فمن تقصد إذاً بكلامها؟ هل تقصد جيسي؟”

انقبض جيك، فقد كانت فكرة مطالبة الرئيس التنفيذي للمعلومات بالمغادرة في ظل هذه الظروف غير مقبولة، علاوة على أنه كان فخوراً بطريقة تعامل جيسي وكل العاملين في “سيمبل باي” مع الموقف. ربما كانت استجابتهم بطيئة بعض الشيء، لكنهم بذلوا قصارى جهدهم في حدود إمكانات الفريق الحالي والميزانية المتاحة.

قال جيك: “الاحتمال الأكبر أن كارلي مجرد رسول من بقية مجلس الإدارة. أنا متأكد أن هناك شخصاً آخر وراء هذا المخطط”.

قالت فلورا وهي تنهض من على الطاولة: “مثل ثيو”. فمنذ أن انضم ثيو كونراد، المستثمر التكنولوجي البارز، إلى مجلس الإدارة وهو يمثل شوكة في خصر جيك، حيث كان يتحداه في كافة القرارات، حتى القرارات الروتينية، ولم يكف في آخر اجتماع طارئ لمجلس الإدارة عن الحديث عن امتناع 30% من عملاء الشركة عن استخدام التطبيق منذ الاختراق.

قال جيك: “إنهم لم يعودوا يثقون بنا بكل بساطة، ولن تثق بنا بورصات “وول ستريت” أيضاً إلا إذا كنا واضحين تماماً بشأن ما سنغيره للتأكد من عدم تكرار هذا الحادث مرة أخرى”.

استدار جيك مولياً وجهه بعيداً عن حاسوبه المحمول ليشاهد فلورا وهي تصعد الدرج إلى الطابق العلوي، وناداها من ورائها: “قولي شيئاً آخر. لا أريد أن يكون اسم ثيو آخر شيء أسمعه الليلة”.

قالت وهي على الدرج: “حاول الحصول على قسط من الراحة يا عزيزي”.

ابتسم جيك، لكنه عرف أنه لن يفعل في الغالب.

كل شيء تحت السيطرة الآن

التقى جيك صبيحة اليوم التالي ميشيل وجيسي في مقهى “بولدين غريك كافيه” في الساعة 7:30 صباحاً.

قالت ميشيل وهي تهم بالجلوس: “تبدو على غير ما يرام يا جيك. لقد حان الوقت لنيل قسط من الراحة مرة أخرى بعد أن انزاح أسوأ كوابيسنا”.

أجابها جيك: “أخشى أن الأمر قد لا يكون على هذه الشاكلة”، ثم أردف وهو يقلب كيسين من السكر في كوب قهوة المكياتو المزدوج: “لم نعد بعد إلى أرقام المعاملات السابقة على عملية الاختراق، وتوقفنا عن اكتساب عملاء جدد تقريباً. أعلم أنه لم يمر سوى شهر واحد فقط، وأن الأمور كانت بطيئة أساساً قبل الاختراق، لكننا بحاجة إلى إعادة الأمور إلى نصابها في أقرب وقت ممكن”.

قالت ميشيل: “لقد أصبحت الأمور تحت السيطرة الآن فيما يخصنا نحن كعلاقات عامة”. وراحت تستعرض كافة الإجراءات السليمة التي اتخذتها الشركة منذ الاختراق، كالاتصال الفوري بالعملاء الذين تم اختراق معلوماتهم وتقديم رسالة واضحة ومتسقة للعملاء ووسائل التواصل الاجتماعي والصحافة، كما أن ميشيل كانت قد أوصت الشركة بالاعتذار مع التركيز على المخترقين باعتبارهم المسؤولين الوحيدين عما جرى. وكانت قد بدأت أيضاً على الصعيد الداخلي في الشركة التقليل من خطورة الاختراق، لكن جيك طلب منها التوقف لأنه كان يشعر بالخوف من تسرب هذا الشعور إلى رسائلها الخارجية، حتى إنه قال: “لا يمكن أن ننسى أنها كانت مشكلة كبيرة يا ميشيل”.

أجابت ميشيل: “لا شك في أنها كانت كذلك، لكنني أعتقد حقاً أن الغُمة قد انزاحت تقريباً، فلم يعد هاتفي يصدر صفيراً باستمرار، وأخبرتني كارا سويشر أمس أننا يجب أن ننظر بطريقة ما إلى الاختراق باعتباره وسام شرف على صدورنا، فقد غدت شركتنا الآن كبيرة بما يكفي لاعتبارنا هدفاً جذاباً للمخترقين”.

وأعقبت كلامها بابتسامة لم يكن لها أثر على شفتي جيك وجيسي.

ثم تابعت: “وبات جيسي في قمة الأمن. فقد حصلنا على أحدث وأشمل إجراءات أمن البيانات، أليس كذلك؟”

أجاب رئيس قسم المعلومات وهو يحدق إلى قهوته: “لم نصل إلى هذه المرحلة بعد”. كان جيسي من النوع المتفاني في عمله، وكان مهووساً بالكمال، ما جعله ملائماً لمهمات وظيفته، ولكن كان إصراره على تصحيح كل شيء بدقة تامة في أعقاب هذه الأزمة يعيق استجابتهم للحدث. وبينما كان جيك وميشيل يتعجلان الترويج للتحديثات الأمنية الجديدة، وهو استثمار متسرع ولكنه مهم وضروري، كان جيسي لا يزال في مرحلة الاختبار.

سأله جيك: “متى سيتم اعتماد الميزات الجديدة؟”

أجاب جيسي: “نحتاج إلى يوم أو يومين آخرين”.

قالت ميشيل: “ممتاز”. بدت الفرحة مصطنعة في صوتها وهي تردف: “يمكننا طرح الإصدار الجديد بنهاية الأسبوع، ومن ثم إدراج التحديث في تحقيقات مكتب المباحث الفيدرالية أيضاً. وبعد ذلك يمكن لفريق المبيعات لدينا أن يبدأ في ممارسة عمله، ويمكننا العودة إلى العمل كالمعتاد، فلدينا اكتتاب عام يجب أن نستعد له في كل الأحوال”.

تساءل جيك في نفسه عما إذا كان هذا هو السبب الذي دفع مجلس الإدارة بقوة من أجل الاستقالة لأن بورصات “وول ستريت” تحتاج إلى إنهاء قصة الاختراق في “سيمبل باي” قبل أن تشرع الشركة في طرح أسهمها.

رؤوس يجب الإطاحة بها

قالت كارلي لجيك عندما التقيا في مكتبها في وقت لاحق من ظهيرة ذلك اليوم: “أنا آسفة لاضطرارنا إلى استخدام البريد الإلكتروني في التعامل مع هذه المسائل. أعلم أن هذا ليس بالأمر السهل”. وأوضحت أن الأغلبية الكاسحة من أعضاء مجلس الإدارة رأوا أنه لا بد من إبداء لفتة عامة لإثبات جدية الشركة في التعامل مع الاختراق.

“لكننا فعلنا ذلك، فقد شرحنا ما حدث بالضبط وكيف نستجيب للأزمة”.

“يمثل الفصل الأخير من حل المشكلة هاجساً يُقلق مجلس الإدارة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما التغييرات التي يجب أن نجريها لضمان استعادة ثقة عملائنا التامة في شركتنا؟ فقد استقال الرئيس التنفيذي للمعلومات في “تارغت”، ثم استقال رئيسها التنفيذي. وعندما تم اختراق بيانات شركة “تي جيه إكس” (TJX) عام 2007، استقال أحد أعضاء مجلس إدارتها والنائب الأول لرئيسها. لقد أرسوا سابقة في هذا الصدد، ويجب أن نحذو حذوهم حتى نتمكن من تجاوز هذه الأزمة. وقد كانت “سيمبل باي” تحتل مكانة رائدة في سوق الدفع عبر الأجهزة المحمولة بسبب سمعتها كجهة موثوقة وآمنة، وبالتالي يعتمد نجاحنا على ثقة عملائنا فينا، ولكن هذا الحادث أدى إلى تآكل هذه الثقة بصورة تامة”.

لم يجانبها الصواب، فقد انهالت الأسئلة على قسم خدمة العملاء حول الأمان، ورغم أن الشركة توقعت مستوى معيناً من التراجع التجاري، فقد شهدنا تراجعاً بمعدلات أكبر بكثير مما كان متوقعاً، دون أن يطرأ عليها أي تحسن.

أمسكت كارلي بهاتفها وسألتني: “هل رأيت الدراسة الصادرة من هذه المجموعة، والتفاعلات معها، التي أرسلها ثيو الليلة الماضية؟ ’قال 12% من العملاء إنهم سيتوقفون عن التسوق لدى بائع تجزئة تعرض لخرق أمني، ويقول حوالي 36% منهم إنهم سيحدّون من تسوقهم عبر شبكتنا، ويقول حوالي 85% من المتسوقين، الذين تعرضت معلوماتهم الشخصية للسرقة، إنهم سيخبرون الآخرين عن الحادث، ويشتكي 34% منهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعلق 20% منهم مباشرة على الموقع الإلكتروني للشركة”.

فسألها جيك متضايقاً: “وهل سينتهي كل هذا إذا أقلنا أحدهم؟ لم يحدث هذا مع “تارغت”، فقد انخفض سعر سهمها بنسبة 3% في الأسبوع الذي استقال فيه شتاينهافل”.

ردت كارلي: “لقد تصرفوا بعد فوات الأوان. كان يجب أن يقدم استقالته قبل ذلك بكثير، إلى جانب أن أسعار أسهمها قد قفزت الآن بنسبة 30% في ظل وجود رئيس تنفيذي جديد لتصل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. من الواضح أن الجميع يحبون البدايات الجديدة بعد الكوارث، سواءً كانوا محللين أو نقاداً أو عملاء”.

“لكن هذا ليس ضرورياً في كل الأحوال. انظري إلى “زينديسك، ليفينغ سوشيال” (Zendesk, LivingSocial). لقد نجحوا في اجتياز أزمة الاختراق دون إقالة أي شخص من عمله”.

“لكن شركتنا لا تتعافى، ونحن بحاجة إلى الإدلاء ببيان لا يقتصر على الحديث عن تقنية جديدة، بل أشخاص جدد”.

سألها جيك: “فهل يجب الإطاحة، إذاً، ببعض الرؤوس؟”

“رأس واحد فقط”.

قال جيك: “حسناً، يجب أن تكون إذاً رأسي أنا”. لم يكن يصدق نفسه وهو يقولها. “لدينا فريق متمرس في عمله. سأرحل، لقد وصلتني الرسالة بوضوح، وعندئذٍ يمكنكم جميعاً إعادة الأمور إلى نصابها في الوقت المناسب استعداداً للاكتتاب العام”.

ردت كارلي: “لا يُشترط أن تكون أنت”.

سألها جيك: “إن لم يكن أنا، فمن؟”

أخبرته بأن اسم جيسي جاء على رأس القائمة، فهو المسؤول أولاً وأخيراً عن الأنظمة التي جرى اختراقها وكان فريقه بطيئاً جداً في إعادة الخدمة عبر الإنترنت. لقد تعامل جيسي بأيدٍ مرتعشة مع الأزمة تحت وطأة الضغوط. لكن بعض أعضاء مجلس الإدارة أشاروا أيضاً بأصابع الاتهام إلى ميشيل، فلو أنها أدركت خطورة الموقف على الفور وتعاملت مع الأزمة قبل استفحالها بوقت طويل، فربما لم تنخفض الثقة في الشركة إلى هذا الحد.

“كيف ستفيد إقالة ميشيل في إصلاح أي شيء؟ ربما لم تتعامل مع الأمر بشكل مثالي، ولكنّ رحيلها لن يخفف من مخاوف العملاء. وأنتِ تعلمين جيداً، مثلي تماماً، أن جيسي ليس المسؤول الوحيد عن الموقف. لا يمكن لفريق تقنية المعلومات توقع كل ثغرة أمنية أو تصحيح كل ثغرة، ولم يدخروا وسعاً في أداء عملهم على الوجه الأمثل”.

قالت كارلي: “اسمع، لقد كنت قائداً رائعاً، وأبديت تمسكك بهم طوال الوقت، حتى عندما لم يكونوا يستحقون ذلك، لكن المجلس اتخذ قراره. يجب الإطاحة بأحدهما”.

التضحية بفرد واحد من أجل الفريق؟

كتب جيك الرسالة التالية على هاتفه:

اعلموا، رجاءً، أن هذا القرار لم يكن سهلاً بالمرة، ولكن في ضوء الأحداث الأخيرة، فقد قررت أن التنحي عن منصبي يصب في مصلحة الشركة وعملائها.

ورغم أنني لا أدعي أنني أتحمل أي مسؤولية شخصية عن هذا الحادث المؤسف، فإنه قد حدث في عهدي. وبصفتي الرئيس التنفيذي للشركة، فإنني أتحمل المسؤولية كاملة في النهاية، وبالتالي يؤسفني أن أتقدم باستقالتي من منصبي بدايةً من هذه اللحظة، في الغالب لأن مجلس الإدارة يريد مني أن أتخذ هذه الخطوة.

ضغط على زر الإرسال، وبعد 20 ثانية رن هاتفه. كانت فلورا تتصل به من غرفتها بالفندق في سان فرانسيسكو.

سألته: “لماذا تبقى مستيقظاً حتى منتصف الليل وتكتب خطاب استقالة مزيفاً؟ ورغم ذلك فقد أعجبني السطر الأخير. فقد تمنيت لو أن كل رئيس تنفيذي مغدور اعترف بأن مجلس الإدارة اضطره إلى اتخاذ خطوة كهذه. لكن لنتحدث بجد يا عزيزي، فأنت لن تستقيل، أليس كذلك؟ أنت تحب عملك”.

كانت فلورا محقة فيما قالت، فقد كان جيك في قمة السعادة منذ أن عمل في “سيمبل باي”، ولم يكن يرغب بالتأكيد في التخلي عن فرصة قيادة الشركة وهي تُجري أول اكتتاب عام لأسهمها، لكنه لم يستسغ فكرة تقديم أي شخص آخر كبش فداء لما جرى.

“كيف كان شعورك وأنت تكتبها؟”

اعترف لها قائلاً: “إحساس رهيب. لا أريد الرحيل، لكن ربما يتعين عليّ أن أضحي بفرد واحد من أجل الفريق”.

ملاحظات على دراسة الحالة

تضطلع جانا سيجتس بتدريس الحالة التي تستند إليها هذه القصة في دورة التواصل الإداري.

ما الذي جذبك إلى هذه القصة؟

تتعامل الحالة الأصلية مع منتج حقيقي يعرفه الكثير من طلابي وهو البلاي ستيشن. وقد وقع هذا الخرق الأمني قبل ثلاث سنوات من الاختراق الأخير لشركة “سوني بيكتشرز” (Sony Pictures)، وكانت له تداعيات خطيرة على شركة “سوني”. وكنت أعلم أن القصة ستساعد طلابي على التعامل مع القضية الشائكة المتمثلة فيما إذا كان السماح للأطراف الرئيسية بالرحيل سيسهم في إعادة الاستقرار للمؤسسة بعد هذه الانتكاسة.

كيف استجاب طلابك للحادثة؟

لا يرى معظمهم حاجة إلى تقديم كبش فداء، واقترحوا بدلاً من ذلك على المسؤولين التنفيذيين تحديد الخطوات المتخذة حتى الآن لإنهاء الأزمة وكيفية التأكد من عدم تكرارها مرة أخرى.

ما الدروس المستفادة من هذه القضية؟

يتمثل أحدها في ضرورة تواصل الشركات مبكراً وبصورة مكثفة مع أصحاب المصلحة الرئيسيين وصياغة الرسائل التي تتحدث عن احتياجات كل مجموعة ورغباتها واهتماماتها؛ لأن مخاوف العميل بعد الخرق تختلف تماماً عن اهتمامات المستثمر.

رأي الخبراء

هل يجب على مجلس إدارة الشركة فرض الاستقالة على أحد أفراد الإدارة العليا؟ 

كاري هورينفيلدت: نائب رئيس شركة “ماستركارد” لشؤون معالجة البيانات في منطقة آسيا والمحيط الهادي.

الحقيقة المؤسفة هي أن هذا النوع من الخرق شائع جداً، لكن، ورغم أنني أتفهم رغبة كارلي وبقية أعضاء مجلس الإدارة في إصلاح الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بشركة “سيمبل باي” بسبب هذا الحادث، فإنني لا أتفق مع الفكرة الشائعة بأن كل أزمة تحتاج إلى التضحية بشخص ما.

وقد يأتي إرغام جيك، أو حتى جيسي، على تقديم استقالته بنتائج عكسية لسببين. أولاً: قد يؤدي هذا الإجراء إلى إبعاد اللوم عن الجناة الحقيقيين المحتالين. وسيختلف الوضع بطبيعة الحال لو أن الاختراق كان قد حدث من داخل الشركة، لكن يبدو أن المسألة ليست كذلك هنا. وإذ يأمل أعضاء مجلس الإدارة تجاوز أزمة الخرق باختيار كبش فداء من داخل الشركة، فإن الشركة لن تتمكن من المضي قدماً إلا إذا فهمت حقيقة ما حدث بدقة وأسباب حدوثه وكيفية توفير حماية أكثر مناعة لأنظمتها قبل إبلاغ كل أصحاب المصلحة على المستويين الداخلي والخارجي بالنتيجة التي توصلت إليها.

ثانياً: قد يؤدي فرض الاستقالة إلى الإضرار بسمعة الشركة بدلاً من مساعدتها. ويبدو أن جيك وفريقه قد أحسنوا التعامل مع الموقف إلى حد معقول. فقد حرصوا على إبداء الشفافية، وسارعوا إلى إبلاغ كافة الأطراف المعنية بالاختراق، واتخذوا خطوات إجرائية للتخفيف من حدة أي تداعيات. ربما يُعاب عليهم البطء بعض الشيء في حل المشكلة، لكن “السرعة” في حالات كهذه مسألة نسبية. وإذا رحل أحد كبار المسؤولين التنفيذيين، فقد يسفر ذلك عن تقويض مضمون الرسالة القائلة بأن الشركة قد تعافت من الحادث. وقد يتساءل العملاء والمحللون: “ما الذي يجري هناك؟” ومن ثم فقد يستغرق استرداد الصورة الذهنية الإيجابية لشركة “سيمبل باي” وقتاً أطول.

تجدر الإشارة إلى أن “ماستر كارد” تأخذ كامل احتياطاتها ضد تهديدات المخترقين، شأنها شأن كل الشركات المتعاملة مع المعلومات ذات الصلة بالدفع الإلكتروني. لكن المحتالين أصبحوا، للأسف، عصابة متطورة تربط أفرادَها شبكةُ اتصالات معقدة على المستوى الدولي، لذا يمكنهم سرقة المعلومات من منطقة معينة واستغلالها في منطقة أخرى، ما يجعل من الصعب تتبع عملية الاحتيال، وهم قادرون على التأقلم باستمرار مع تقنيات الحماية المستحدثة. وتستفيد “ماستر كارد” من سياسات وأنظمة إدارة المخاطر والاحتيال الديناميكية الشاملة، بما في ذلك فريق الاستجابة للطوارئ الذي أشرف بالعمل فيه. حيث يدير هذا الفريق كافة جوانب الاستجابات، بدايةً من اكتشاف عمليات الاحتيال مروراً بخطط التعامل معها، وصولاً إلى الإعلان عنها، ويضمن الفريق أيضاً اتخاذ الإجراءات الصحيحة في الوقت المناسب.

ويجب أن يكون الخرق الذي حدث في “سيمبل باي” فرصة لتكاتف كل الأطراف المعنية في المؤسسة، وأن يكون حافزاً للشروع في تطوير خطة محددة جيداً للتخفيف من أثر الأضرار الاقتصادية والمعنوية. إذ لا يمكن بحال من الأحوال تحميل جيك وجيسي فقط مسؤولية حماية الشركة، فالجميع، بدايةً من رئيس مجلس الإدارة إلى المستخدم النهائي، مسؤولون عن معالجة البيانات بعناية وتحسين أمن المعلومات. ويجب على الشركة إعداد رسائل موحدة تعبر عن الواجهة الإعلامية للشركة وإدارتها التنفيذية وعملياتها التشغيلية وشؤونها التقنية، بدلاً من ترك ميشيل وحدها تدير الرسائل الإعلامية.

قد يؤدي فرض الاستقالة إلى الإضرار بسمعة الشركة بدلاً من مساعدتها.

لا أقصد بهذا كله أن اتخاذ قرار بإقالة أحدهم إجراءٌ يجانبه الصواب دائماً، ولكني أريد أن أقول إن الحالة التي نحن بصددها توجب الإبقاء على جيك وفريقه في مناصبهم والتركيز على الاستعداد للمستقبل، وتأمين أنظمتهم ضد الهجمات التي قد تقع في المستقبل، والعودة إلى العمل.

كانينا بلانشارد: رئيسة شركة “أوبرتيونيتي كرييشن” (Opportunity Creation) الاستشارية التي تركز على إدارة المشكلات والأزمات. وكانت تشغل منصباً قيادياً بارزاً في وزارة البيئة بمقاطعة أونتاريو وفي شركة “داو كيميكال كومباني” (Dow Chemical Company) للكيماويات.

لا شك في أن “سيمبل باي” قد وصلت إلى هذه الحالة بسبب فشل في قيادتها التشغيلية. وقد تكون الاستقالة هي الخيار الوحيد في خضم هذه الأزمة والسياسة الحازمة لمجلس الإدارة، لكن لم يكن من الضروري أن تصل الأمور إلى هذا الحد.

فقد تغيرت الأمور فيما يتعلق بإدارة الأزمات. حيث كان المسؤولون التنفيذيون قبل نحو عشرين عاماً يطلبون من إدارات العلاقات العامة بشركاتهم التعامل مع معظم المشكلات العامة وقلما كانوا يصدرون اعتذارات، معتبرين إياها علامة على الضعف وإجراءً متهوراً قد يعرضهم للمساءلة القانونية. وها قد أصبحت الشركات منذ ذلك الحين أكثر شفافية، وبات القادة يعرفون الآن أن عليهم أن يكونوا في طليعة الصفوف لمواجهة الأزمات، ومعالجة المخاوف وتقديم الإجابات. لكن جيك تقاعس عن فعل ذلك بصفته الرئيس التنفيذي هنا. لقد كانت حادثة “سيمبل باي” خرقاً صغيراً نسبياً، لكنه تحول إلى مشكلة أكبر تهدد مستقبل الشركة، ويُعزى ذلك في جزء كبير منه إلى فشل جيك في أداء مهمات وظيفته على الوجه الأكمل.

ولا يمكن تبرير تقاعس الرئيس التنفيذي عن استثمار وقته وطاقته في التخطيط لإدارة الأزمات والمشكلات في أي مؤسسة، وخاصة في مؤسسة سريعة النمو مثل “سيمبل باي”. ولا أتحدث هنا عن تمرين سنوي يقوم فيه الجميع بكتابة أفضل المنهجيات ثم إيداعها في ملف يُوضع على الرف، بل يجب أن يكون التخطيط للأزمات عملية مدروسة ومستمرة تتضمن حساب كافة المخاطر المحتملة ومناقشتها، واستخلاص الدروس المستفادة من الشركات الأخرى، ووضع الاستراتيجيات المناسبة لمؤسستك.

كان من المفترض أن يتولى جيك قيادة فريقه في هذا النوع من تخطيط السيناريوهات المحتملة، بحيث يعرف كل من ميشيل وجيسي وغيرهما مسبقاً ما سيفعلونه، وتحديد من سيفعل ذلك والجدول الزمني الواجب اتباعه، والأهم من ذلك أن يحدد ما إذا كانت الاستقالات ستكون مطروحة على طاولة النقاش. وكان يجدر بشخص في منصبه أن يمتلك شبكة قوية من الموجهين والأقران والخبراء لتقديم المشورة له. صحيح أن القيادة قد تكون عملاً فردياً، لكن القادة المتميزين يتحلون بالتواضع اللازم لطلب المساعدة من المستشارين الموثوق بهم. ولو أن جيك كان قد وضع استراتيجية مناسبة، لكان من الممكن أن تغدو ميشيل أكثر كفاءة في مساعدته على التفاعل مع العملاء ووسائل الإعلام، وربما استطاع جيسي استعادة الخدمة بشكل أسرع. كان من الممكن أن يمسي الاختراق الأمني سحابة صيف عابرة، لكنه تحول بدلاً من ذلك إلى أزمة مستفحلة.

لقد فشل جيك في أداء مهمات وظيفته على الوجه الأكمل، ويجب أن يتحمل مسؤولية أفعاله.

وقد كنا نتعامل مع المخاطر المحتملة بجدية بالغة في شركة “داو كيميكال كومباني” التي عملت فيها لمدة 20 عاماً لأن المخاطر كبيرة جداً في هذا المجال. وإذا تعطلت الأنظمة، فهناك احتمال قائم بحدوث أضرار بيئية أو خسائر في الأرواح البشرية. ولكن حتى إذا لم تكن المخاطر شديدة، فيجب على الشركات الاستعداد لها بدقة. يجب أيضاً أخذ سرقة المعلومات الشخصية على محمل الجد. وسواء كانت شركتك عبارة عن محل زهور صغير أو شركة صناعية عالمية، فيجب حمايتها بخطة لإدارة الأزمات.

لا يستطيع جيك بكل أسف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لذا يجب عليه أن يتحلى بالتواضع ويتحمل مسؤولية أفعاله. قد يعني هذا تقديم استقالته، أو أن يشمر عن ساعديه على أقل تقدير ويتأكد من استفادة الشركة من أخطائه والاستعداد بشكل أفضل في المرات القادمة.

تعليقات مجتمع هارفارد بزنس ريفيو

سبق السيف العذل

يجب ألا ننسى أن مجلس الإدارة هو صاحب الكلمة الأخيرة. صحيح أن القرار قد يبدو كريهاً، لكن المجلس قال كلمته: يجب الإطاحة بشخص في الإدارة العليا. ويجب أن تكسر “سيمبل باي” هذه الحلقة المفرغة قبل أن تتحول إلى دوامة مُهلكة. يجب أن يوضح جيك لأعضاء مجلس الإدارة أنه سينصاع لأوامرهم بصفتهم رؤساءه، تماماً كما يُتوقع من أي شخص آخر في الشركة أن ينفذ أوامره.

جيفري دويتش: مؤسس شركة “أيه سبلنت” (A SPLINT).

…………………………………………………………………….

الاستقالة سترسل رسالة محددة

إذا أقدم جيك على إقالة جيسي أو ميشيل، فقد لا تتحسن الأمور في “سيمبل باي”؛ لأن إيجاد بديلين لهما سيستغرق شهوراً حتى يعلما بكافة تفاصيل العمل بالشركة. ولكن إذا أصر مجلس الإدارة على الإطاحة بشخص ما، فلا يسع جيك إلا أن يعرض تقديم استقالته هو فقط. وإذا استقال، فعليه أن يقول إنه يؤمن بفريقه.

تيغ رود: مدير شركة “روود كونسلتنغ” (Rood Consulting).

…………………………………………………………………….

خيارات أخرى متاحة أمام “سيمبل باي”

لا تعتبر إقالة شخص ما الطريقة الوحيدة لإرسال رسالة قوية. إذ يمكن للشركة تغيير علامتها التجارية بحملة تسويقية أو تحديث نظامها لمعالجة الأجهزة المحمولة بتصميمات جديدة وميزات أمان مرئية للعملاء بوضوح. لكن كل هذا سيكون عبثاً إذا تم اختراق التطبيق مرة أخرى؛ لذا يجب على الشركة الاستمرار في تحسين إجراءات الأمان لاستعادة ثقة عملائها.

ألفين تسوي: محلل التطوير في شركة “كواليكم إنوفيشنز” (Qualicom Innovations)

…………………………………………………………………….

لا تخسروا مواهبكم

لا تُوجد ميزة في التضحية بشخص من أجل المظهر العام فقط. إذا كان جيك يفتقر إلى الكفاءة، فعليه الرحيل. لكن يبدو أنه مسؤول تنفيذي قدير، وليس من المنطقي أن تخسر الشركة أحد مواهبها، خاصة في الأوقات الصعبة عندما تحتاج الشركة إلى قائد بهذه الكفاءة.

روبن كوهن، مؤلف كتاب “مرجع العلاقات العامة في إدارة الأزمات” (The PR Crisis Bible).

……………………………………………………………………………………….

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .