تابعنا على لينكد إن

ربما تؤدي العجلة المفرطة إلى نتائج عكسية ومكلفة. فإذا كنت سريعاً جداً بالرد على المقترحات وجميع الأمور بشكل عام، قد ينتهي بك هذا إلى اتخاذ قرارات أو حلول تتسم بقصر النظر أو السطحية، وإهمال الأسباب الضمنية وخلق أضرار جانبية خلال عملية اتخاذ القرار، ومن ناحية أخرى، إذا كنت متأنياً جداً وبطيئاً بردودك، فقد تباغتك الأحداث غير المتوقعة، ومن المحتمل أن تضيّع الفرص منك وتُضنيك التحديات المتعاقبة.

ولتحقيق التوازن بين هذين النقيضين، تحتاج إلى ما يسمى “بالاستعجال التأملي” (Reflective Urgency) وهو القدرة على استخدام تفكير واع وسريع حول أولويات اللحظة الحالية لمواءمة أفضل أفكارك مع أسرع مسار للتصرف. ومن خلال عملي على تدريب القادة في مستويات مختلفة عبر مجموعة متنوعة من المعضلات الإدارية، طوّرت ثلاث استراتيجيات لممارسة الاستعجال التأملي:

انتبه إلى مصيدة الاستعجال

في البداية، عليك الانتباه إلى ما يحدّ من وقتك المخصص للتفكير العميق، والانتباه للأساليب المعتاد عليها النابعة من اللاوعي، والتي غالباً ما تكون ذات نتائج عكسية عندما تقوم بها، وذلك من أجل الاستمرار عندما تشعر بالضغط جرّاء المطالب الكثيرة جداً.

وتشمل مصيدة الاستعجال: إنهاء اجتماع قبل وقته، فقط لتسرع إلى الاجتماع التالي مع المزيد من الأعمال التي ما زالت متعلقة بعد. أو تعدد المهام أثناء العمل الذي يتطلب حضورك الكامل وانتباهك التام، ما يقلل من جودة ودقة نتائجك. أو قول نعم للمشاريع التي تخفف من مساهمتك وتستهلك طاقتك، بينما قول لا بشكل انتقائي هو الخيار الأكثر حكمة. مثل هذه الأفخاخ تبقيك عالقاً في حالة التحديد. وبهذه العقلية، يُعدّ تخصيص الوقت للتفكير في نواياك وتصرفاتك رفاهية لا يمكنك تحمّلها.

ولكن إذا كنت قادراً على اكتشاف الفخ الذي تقع به، فيمكنك إيقاف عادات هزيمة الذات التي تبقيك في حالة دائمة من الاستعجال الزائد.

على سبيل المثال، كانت صفاء مديرة جديدة تكافح من أجل التكيف مع الضغوط الناتجة لتسليم عملها الخاص، مع إبقاء الفريق مسؤولاً عن عمله. وفي محاولة لإنجاز كل ذلك دون أي انخفاض في الأداء، كان فخ الاستعجال الخاص بها هو تحول لا إرادي إلى قيادة وسيطرة صارمة. على حد قولها: “كل شيء بدا وكأنه أزمة عاجلة، لذلك تصرفت بهذا الأسلوب”.

وأثارت عقليتها هذه ردود فعل غير محسوبة بسبب تدخلها الزائد في العمل المفوض للفريق، والتواصل بجفاء عبر المرور بسرعة دون إعطاء الوقت الكافي لكل رسالة إلكترونية، ومحادثة فردية، ونقاش للفريق. وكانت النتيجة هي أنّ فريقها شعر بتدخلها وتحكمها بهم بشكل متزايد وشعروا أنهم أقل انخراطاً في عملهم. ولأن محادثات صفاء كانت جميعها مستعجلة وغير شخصية، فقد فشلت في تعميق العلاقات وتوطيد الثقة داخل الفريق.

ولوضع حد للقيادة بمثل هذا الحس الحاد من الاستعجال، قامت بتغييرين اثنين. أولاً، أصبحت أفضل من خلال التعلم من تجربتها الخاصة. عندما ارتفع الطلب وشعرت بنزعة للسيطرة على الأشياء كوسيلة لتؤدي عملها بشكل جيد، قامت بالعمل بجد وحاولت إنهاء الأعمال التي أوكلت بها سابقاً. وقبل إرسال بريد إلكتروني للمطالبة بآخر التطورات، توقفت لمراجعة الجدول الزمني واتفاقيّة إتمام المهمة الموجودة بالفعل. ما ساعدها على تجنّب الإدارة الدقيقة للفريق، ووفر لها وقتاً للتركيز على الأمور المهمة.

ثانياً، قامت صفاء باتباع طريقة تواصل جديدة لتحويل وجودها القيادي من القاسي والمباشر المفرط إلى المشارك والداعم، حيث أخذت بعين الاعتبار قبل كل محادثة أو اجتماع سؤالين هما: ما هو الانطباع الذي أريد تركه لدى فريقي الآن عندما أخرج من الغرفة؟ وما هي الكلمات التي أريد أن يستخدموها لوصف نفوذي؟ بالنسبة لصفاء، كان هذان السؤالان مباشرين بما فيه الكفاية لتبدء التطبيق فوراً. بينما كان رد الفعل على توقفها، لاستعراض اتفاقات التفويض والنظر في أثر طرق تواصلها، كافياً للخروج بها من وضع الطيار الآلي الذي يغذّيه فخ الاستعجال الخاص بها.

لذا، بمجرد أن تحدد فخ الاستعجال الخاص بك، يمكنك تحقيق نفس نتيجة التفكير العميق في اللحظات الحاسمة وكسر النمطية.

وإذا كنت غير مدرك للفخ الخاص بك، قم بالإجابة عن السؤال التالي لمعرفته: “عندما تزداد المطالب التي أتحمل مسؤوليتها وتنفذ قدرتي على التحمل، كيف تكون ردة فعلي العكسية؟” بمجرد تحديد السلوك الأولي، فإنّ التفكير غير المنتج الذي هو سبب في حدوثه سيكون واضحاً.

اجعل تركيزك على الأولويات الصحيحة

هناك مشكلة أخرى، وهي النزعة النابعة من اللاواعي إلى التركيز على العمل الأقل أهمية، هذا لأننا نستمتع به أو أننا جيدون به، على حساب أقصى أولوياتنا. ولكن أظهر كريس أرغيريس، أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ومفكر تنظيمي، كيف أن مثل هذه السلوكيات الروتينية يمكن أن تصبح معايير مقبولة عندما نفشل في التعرف على أنفسنا وتحديها للتصدي لها.

وكان هذا صحيحاً بالنسبة لعصام، وهو قائد رفيع المستوى طوّر عادة الهوس بالمهام الإدارية. فكلما كان أكثر انشغالاً، توجه أكثر إلى الوضع التكتيكي، لإتمام الأشياء المطلوبة منه بأسرع وقت. حيث ساعده ذلك على الشعور بالإنتاجية، ولكن الفشل في تفويض هذه المهام دل على أنه لم يكن يمتلك الوقت للتركيز على القضايا الاستراتيجية طويلة الأجل.

ولتحويل هذا النمط، طبق عصام اختباراً واقعياً سريعاً خلال لحظات محورية من التحول طوال يومه.،حيث كانت المهمة تتمثل بملء الفراغات لإكمال الجملة التالية: “أنا منجذب للعمل على …، ولكنني أعرف أنني يجب أن أركّز على …..”.

ظاهرياً، يبدو هذا السؤال واضحاً لكن بالنسبة لعصام، كانت البساطة وسهولة التطبيق على وجه التحديد هي ما ساعده على الجمع بين التأمل والتصرف بسرعة. وأثار عمق التفكير في هذا البيان خياراً مقصوداً، ليس بسبب الاستعجال أو اختيار المهام السهلة التي تُشعر بالارتياح لإنجازها، ولكن من خلال تقييمه الصادق لأقصى أولوياته.

تجنب الميل المبالغ فيه

في العالم المثالي، تنتقل بسلاسة من التأمل إلى الفعل، ولكن هذا لا يحدث في العالم الذي تعيش فيه. لا يمكنك الحد من المطالب التي تواجهها، ولا يمكنك مواجهتها بالتخلي المتهور عن الأمور المستعجلة الملحة. ولكن يمكنك معرفة أنّ كل قضية تتطلب منك نهجاً مختلفاً. واعتماداً على الحالة، يمكنك بالوعي والمهارة قبول العناصر المطلوبة للتأمل ورفض عناصر الاستعجال.

كان حكم نائب مدير المبيعات لشركة تكنولوجية. وفي خضم إطلاق منتج أساسي جديد، وبينما كان يعلم أنه عليه التفكير ملياً في استراتيجية فريقه، إلا أنّ ضغط المواعيد النهائية شديدة الصعوبة كان مستمراً. ونتيجة لذلك، تخبّط في التناقض بين التفكير المدروس والتصرف العاجل. واتجه في بعض القضايا نحو الكثير من المداولات، وتاه في التفاصيل، وتعرقل عمله بوجود التحليل. ونتيجة لذلك، بدا غير متحمس وغير مبال للآخرين، وكان رده على القضايا الناشئة بطيئاً وغير فعال. وبالمقابل فقد المال في قضايا أخرى للاستعجال وتطبيق عقلية “تصرف أولاً، وفكر لاحقاً”، وقضى حكم وقتاً أكثر في تصحيح قراراته المتسرعة من الوقت الذي استغرقه في اتخاذها.

ثم أدرك أنه يحتاج إلى وقف حالة التأرجح والتركيز أكثر على الاختيار الذكي بين الاستعجال في بعض الحالات والتأنيّ في الحالات الأُخرى. وللقيام بذلك، استخدم قاعدة الـ(60/40) كنموذج منطقي لزيادة خفة موقفه. وقام في كل مبادرة بتقييم ما إذا كان النجاح يعتمد أكثر على التصرف العاجل أو التأمل العميق. فإذا وجد أنّ التركيز على التصرف يحتاج 60 في المئة (على سبيل المثال، للعمل التكتيكي والروتيني)، فإنه سيقلص الوقت والاهتمام المخصصين للعمل من أجل تحقيق الكفاءة. ولكن إذا كانت المداولات أكثر أهمية وكان التصرف لا يقدر إلا بنسبة 40 في المئة (على سبيل المثال، لحظات تحديد العلاقات، والعمل الخاص بالابتكار، وما إلى ذلك)، كان يعطي وقتاً وتركيزاً أكبر وأعمق خلال التفكير الديناميكي.

في بعض الحالات كان الأمر بسيطاً كإضافة 20 دقيقة إلى جدول الأعمال لتجنب إغراء التسرع وترك القضايا غير المنتهية قيد النقاش. وفي حالات أُخرى كان الأمر يتعلق بجدولة اجتماعات أقصر، أو فرض جداول زمنية لكي لا يضيع في الأمور الثانوية.

والجدير بالذكر، أنه عندما تقوم بتقييم مسؤولياتك اليومية، تجنب إغراء التعامل مع كل مبادرة بنفس الطريقة. مع العلم أنك بحاجة إلى الأفضل من كل منهما، واعلم أنّ تقسيم 50/50 غير واقعي، واسعى إلى الميل بذكاء نحو التأمل والتصرف بحسب الحاجة للوصول إلى التوازن الصحيح.

أخيراً، بإمكانك مثل صفاء وعصام وحكم، اتخاذ هذه الخطوات في أي وقت وبأي تسلسل لزيادة قدرتك على الاستعجال التأملي. فعند الجمع بين هذه التأملات الدقيقة مع إحساس الاستعجال القوي، لن تكون مهارات الحسم وسرعة التأثير الخاصة بك تحت رحمة العادات ذات النتائج العكسية والأخطاء النابعة من اللاوعي التي تحدث عندما تتصرف بدون تطبيق أفضل أفكارك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz