تابعنا على لينكد إن

لقد بتنا الآن متأكدّين علمياً بأننا (وفي معظم الأحيان) لا يجب علينا أن ننجز عدّة مهام في وقت واحد، وبأننا لسنا قادرين على فعل شيئين بإتقان في الوقت عينه، وبأننا نحتاج إلى بعض الوقت لنعاود التركيز عندما ننتقل من مهمّة إلى أخرى. هذا هو السبب الذي يجعلنا نضع هواتفنا بحيث تكون شاشتها إلى الأسفل، ونُبعدها قليلاً عن متناول يدنا للتركيز على شيء معيّن أو لكي نُظْهِر لشخصِ ما بأننا مهتمّون. ولكن ما لم يكن هاتفك في وضعية صامتة بالكامل أو مغلقاً تماماً، فإنه سيظل على الأغلب يشتت انتباهك. وبالتالي فإن الإشارات الصوتية المألوفة الصادرة عن الجهاز نتيجة للإشعارات الجديدة الواردة ليست بلا عيوب كما تبدو.

قد يبدو الأمر متوافقاً مع حدسنا. لكن العديد من الناس (بمن فيهم أنا شخصياً) قد لا يدركون مدى الفائدة التي قد يجنونها من تحويل الهاتف من وضعية “الرجّاج/الهزّاز” إلى وضعية “الصامت”. فقد كشف بحث جديد بعنوان “التأثيرات المترّتبة من استلام الإشعارات على الهاتف الجوّال على انتباهنا”، بأن التنبيهات الصادرة عن الإشعارات الجديدة الواردة إلى هاتفنا يمكن أن تشتّت انتباهنا، حتى لو لم نلتفت إلى الجهار لنرى ما هي طبيع هذه الإشعارات. وقد توصّلت الدراسة إلى أن مجرّد إدراك المرء لوجود تنبيه يمكن أن يضرّ بأدائه لمهمّة تحتاج إلى انتباه كبير.

اهتمام المؤلفين كاري ستوتهارت، وآينسلي ميتشوم، وكورتني يهنيرت من جامعة ولاية فلوريدا، بتأثير هذه الإشعارات جاء بعد أن لاحظوا بأنهم هم أنفسهم تعرّضوا لتشتّت الانتباه بسببها.

وكانت كاري ستوتهارت قد أخبرتني بما يلي: “إذا كنّا نسوق السيّارة وشعرنا باهتزاز الهاتف نتيجة استقبال مكالمة عليه، فإن ذلك يقودنا إلى التفكير في مصدر تلك المكالمة – وهوية المتّصل وما هي الرسالة التي سنتلقاها.”

وكان الباحثون هؤلاء يعلمون من الأدبيات المتعلقة بقيادة السيارة تحت تأثير المُشوِّشات بأن الحديث على الهاتف يتسبّب بعبء ذهني، الأمر الذي يعني بأنه يحتاج إلى قدر معيّن من الجهد الذهني والذاكرة العاملة. كما أن محاولة إنجاز عدّة مهام في الوقت ذاته، على سبيل المثال، تفرض عبئاً ذهنياً ثقيلاً وتضرّ بإنجاز مهمّة معيّنة، لأن مواردنا الذهنية محدودة وهي يجب أن تُخصّص لإتمام مهام دقيقة. وهذا هو السبب الذي يفرض عليك ألا تتحدّث على الهاتف أو تكتب رسالة نصيّة أثناء القيادة، وهو السبب ذاته الذي يدفع العديد من الحملات إلى حثّ السائقات والسائقين على الانتظار إلى ما بعد ترك عجلة القيادة لكي يردّوا على المتّصلين وعلى الرسائل.

هذا الأمر قاد المؤلفين إلى الاعتقاد بأن التنبيه أو الإشعار يمكن أن يتسبّب أيضاً بعبء ذهني، لأن التنبيهات الصوتية قد تجعلك تتساءل حول مضمون الرسالة أو مصدرها. لذلك، حتّى لو أجّلت التجاوب معها إلى ما بعد الانتهاء من الأمر الذي تعمل عليه الآن، فمجرّد إدراكك لوجود شيء معيّن ينتظرك لاحقاً قد يكون عنصراً كافياً لتشويشك أو لجعل أدائك أسوأ بالمقارنة مع لو أنك لم تستلم الإشعار.

في عام 2013، استعان الباحثون بطلاب من جامعة ولاية فلوريدا بلغ عددهم 212 طالباً ليشاركوا في تجربة. وكان الطلاب يأتون إلى مخابرهم، ويقدّمون أرقام هواتفهم وعناوين بريدهم الإلكتروني، وغير ذلك من المعلومات، ثم يدخلون في تجربة تقوم على إنجاز مهمّة تتطلّب إيلاء اهتمام مستدام للتجاوب مع التعليمات المطلوبة. وكان الهدف من التجربة هو قياس الاهتمام المُستدام، أي قدرتك على التركيز على مهمّة واحدة دون أن يشرد ذهنك إلى أمر آخر أو أن تفكّر في شيء مختلف. وقد اقتضت المهمّة من الطلاب الضغط على زر في أي وقت يظهر فيه رقم على شاشة الكمبيوتر، ما لم يكن هذا الرقم هو “3”. وقد استمرّوا في فعل ذلك لمدّة 10 دقائق – وكان هذا هو “الجزء” الأوّل من المهمّة التي شكّلت للباحثين مقياساً على الأداء الأساسي للمشاركين – بعد ذلك كان المشاركون يُمنحون استراحة مدّتها دقيقة واحدة. وفي هذه الأثناء، كان الكمبيوتر قد وزّع كل مشارك منهم عشوائياً على واحدة من ثلاث مجموعات. وهكذا بعد الاستراحة، بدأ ثلث المشاركين بتلقّي رسائل نصّية أثناء أدائهم للتجربة للمرّة الثانية (الجزء الثاني)، في حين تلقّى ثلثهم الثاني اتصالات هاتفية، أمّا أفراد الثلث المتبقّي، وهم ما يُسمّى المجموعة الضابطة في التجربة، فلم يتلقّوا أي شيء.

قام المشاركون باستكمال التجربة بشكل فردي، أي أنّ كلّ واحد منهم كان يُنجزها لوحده مع وجود مراقب واحد في الغرفة ليلاحظ ما إذا كان أي منهم قد أخرج هاتفه أم لا. وبما أن اهتمام الباحثين اقتصر على دراسة تأثير “معرفة” الناس لتلقيهم الإشعار على أدائهم، فقد استبعدوا الأشخاص الذين تجاوبوا مع هاتفهم من التحليل. ولم يكن المراقب يعلم مسبقاً من هم الناس الذين سيحصلون على الإشعارات، بما أن هذه الإشعارات كانت صادرة عشوائياً عن جهاز كمبيوتر.

لم يكن أحد قد أخبر الطلاب بضرورة ترك هواتفهم في الخارج أو بضرورة عدم وضع الهاتف على وضعية صامتة أو أي شيء، لكنهم سئلوا لاحقاً ما إذا كانوا قد سمعوا الإشعار لدى وروده أو أحسوا بوروده. وقد قالت ستوتهارت بأن تقسيم الناس إلى هذه المجموعات عشوائياً جعل الباحثين يفترضون بأن عدداً متكافئاً من الناس تقريباً إمّا كانوا يحملون هواتفهم الخلوية، أو لم تكن هواتفهم الخلوية بحوزتهم، أو كانت معهم في وضعية صامتة – لذلك كان الباحثون يشعرون بالثقة عند النظر إلى الفروق الأساسية في الأداء بين المجموعات.

وقد قاسوا الأداء من خلال احتساب عدد الأخطاء المرتكبة في الضغط على الزر (أي في الحالات التي ضغط فيها الشخص على الزر عند ظهور الرقم “3” حيث لم يكن يُفترض به أن يضغطه) خلال الجزأين الأول والثاني من التجربة، وضمن المجموعات المختلفة. ويُعتبرُ هذا النوع من الأخطاء كناية عن زلّة في الأداء – فلنفترض مثلاً بأنّك تكتب رسالة إلكترونية إلى زميلك تشرح فيها الخطوات التالية في مشروع معيّن، وطبعت كلمة “بيتزا” بالصدفة عوضاً عن كلمة “الخطط” لأنك فجأة أخذت تفكّر في وجبة الغداء. هذه واحدة من الزلّات في الأداء. ووفقاً لستوتهارت، عندما قارن الباحثون الجزء الأول من التجربة مع الجزء الثاني، وجدوا أن احتمال ارتكاب الخطأ قد ازداد بنسبة 28% في المجموعة التي تلقّت الاتصالات الهاتفية. أمّا بالنسبة للمجموعة التي تلقّت رسائل نصّية، فقد زادت نسبة الأخطاء التي ارتكبتها 23% مقارنة مع النصف الأول من التجربة. أمّا المجموعة التي لم تتلقَّ أي إشعارات فقد ارتكبت أخطاء إضافية بنسبة 7% فقط. وبحسب ستوتهارت، فإن “هذه الأخطاء تنجم عن الإجهاد من إنجاز المهمّة فقط. فإذا كنت تواصل إنجاز هذه المهمّة المُتْعِبَة لفترة طويلة من الزمن، فإن أداءك يتراجع بغضّ النظر عمّا إذا كنت تتلقَى إشعارات أم لا.”

فهل كانت هذه النتائج ذات دلالة إحصائية؟ الإجابة المختصرة هي نعم. أمّا إذا أردنا تقديم إجابة أطول فنقول بأنه عندما درس الباحثون العلاقة بين الجزء الأول أو الثاني من المهمّة والمجموعة، فقد اكتشفوا بأن تغيّر النسبة بين جزئي المهمّة كان أكبر في حالة المشاركين الذين تلقّوا الإشعارات، مقارنة مع من لم يتلقوها، وقد كان هذا الأمر ذا دلالة إحصائية عند مستوى 0.05. بيد أنهم لم يعثروا على أي فرق كبير في الأخطاء بين من تلقّوا مكالمات هاتفية ومن تلقّوا رسائل نصّية.

إذن وبصورة أساسية، مجرّد وجود هاتفك بالقرب منك يمكن أن يشتّت انتباهك وأن يؤثّر سلباً على أدائك في العمل. وهذا التشتّت الناجم عن مجرّد استلام الإشعارات يمكن أن يكون مشابهاً تماماً لحالة تجاوبك مع هاتفك. أمّا بالنسبة لحجم هذا التأثير، فقد قالت ستوتهارت بأن نتائجهم كانت متوافقة مع ما تنصّ عليه الأدبيات المتعلّقة بقيادة السيارة تحت تأثير المُشوِّشات، والتي درست التأثيرات الناجمة عن كتابة رسائل نصية أو الحديث على الهاتف (أي التفاعل مع الهاتف) أثناء القيادة. لكن الشيء الذي لم يكونوا قادرين على تحديده بدقّة هو السبب الفعلي الكامن وراء هذا التشتّت.

“نعتقد بأن الآلية الكامنة وراء التشتّت الناجم عن معرفة الإنسان باستلامه لإشعار معيّن تتمثّل في الشرود الذهني، لكنّنا لم ندرس هذا الأمر فعلياً في بحثنا.” هذا ما قالته ستوتهارت التي أضافت: “قد تكون ذاكرتك المستقبلية (أي تذكّر الأشياء التي يجب عليك إنجازها مستقبلاً)، أو معرفتك بالحاجة إلى فعل شيء في المستقبل، هي فقط ما يؤثّر على أدائك. لذلك فإن الخطوة التالية بالنسبة لنا هي أن نفكك تلك العقدة – أي أن نقرّر فعلياً ما إذا كانت الآلية الكامنة وراء هذا التأثير الذي توصّلنا إليه هي الشرود الذهني أم شيء آخر.”

بغضّ النظر عن الأسباب، إذا أردت أن توفّر على نفسك عناء التشتّت الذهني، وأن تكون قادراً على إنجاز مهمّة معيّنة على أكمل وجه، فإن الباحثين يقولون بأنّك لن تتضرّر فيما لو أبقيت هاتفك في وضعية صامتة، أو أخفيته بحيث لا يمكنك سماع الإشعارات، أو الإحساس بها، أو رؤيتها. وقد لا يكون هذا الأمر مفاجئاً جداً. لكن التشتّت الرقمي بات يوصف بأنه “المشكلة الحاسمة في مكان العمل اليوم”، وهواتفنا تقع في صميم ذلك. وعلى الرغم من أنّ الانتشار الواسع النطاق للهاتف الذكي لازال في بداياته، إلا أن الأبحاث المخصّصة لفهم تأثيراته قد قطعت أشواطاً بعيدة. فأنت بوسعك أن تقرأ حول الكيفية التي تدمّر بها الهواتف إنتاجيتنا، وكيف أن مجرّد وجودها يشكّل مصدر إلهاء لنا، أو حتى كيف بات الناس يتخيّلون بأن هاتفهم يهتز أو يرن في الوقت الذي يكون الهاتف فيه صامتاً وخاملاً تماماً. ومع بدء تلقّينا للمزيد والمزيد من الإشعارات (وهذا هو الشيء الكبير القادم إلينا في نهاية المطاف)، يتعيّن علينا أن نكون واعين للتأثيرات التي تتركها النغمات والرنّات المتكرّرة الصادرة عن أجهزتنا على قدرتنا على التركيز في العمل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz