تابعنا على لينكد إن

اعتدت في ما مضى أن أستيقظ وأتلمس هاتفي من حولي لأجد نفسي غارقاً في سيل من التنبيهات والرسائل بلا أي جدوى. لقد كانت هذه السحابة الرقمية ترافقني طوال اليوم وتمنعني من إتمام مهام ضرورية في العمل. وعانيت كثيراً من التشتت والقلق وعدم الفعالية كمدير في مكان العمل، إلى أن أدركت أنّ عليّ أن أتغيّر. ولكني لم أتمكن من التحرر من بعض السلوكيات التي قيدتني في تلك الدائرة نفسها.

هذه ليست مشكلة نادرة، فالمدراء التنفيذيون حول العالم يمضون أيامهم بمثل هذه الطريقة دوماً، فثمة تحديان أساسيان يدمّران قدرتنا على التركيز.

الأول هو أنّنا نغرق بشكل متزايد في أمور تشتتنا وترد علينا من جميع الأجهزة الإلكترونية التي ندمن استخدامها. فمن المعروف أنّ استخدام الهاتف الذكي والأجهزة اللوحية يزداد بشكل كبير، كما أننا في الوقت الراهن نستخدم وسائل الإعلام الرقمي بمعدل 12 ساعة في اليوم. هذه الحالة من الارتباط الزائد بالإنترنت لا تتيح لنا أن نمرّ في عمليات المعالجة، وتجديد الطاقة، واستعادة التركيز.

الأمر الثاني هو أننا نعتمد بشكل متزايد على الاجتماعات كشكل معتمد للتواصل مع الآخرين في العمل. إذ تشير الدراسات إلى أننا نمضي 35 في المئة إلى 55 في المئة من وقتنا وأحياناً أكثر من ذلك في الاجتماعات. فإن كنّا نريد أن نزيد من تركيزنا في العمل على أمور هامة ذات معنى فلابد أن نغيّر شيئاً ما.

ستحقق الفائدة لنفسك ولشركتك إن امتلكت القدرة على التعامل مع هذه القضايا. فأنت وكل فرد في فريقك ستشعرون بمتعة أكبر وإحساس بالإنجاز. إن البيانات تعكس ما يخبرنا به إحساسنا: يتوجب علينا أن نخصص المزيد من الوقت لأنفسنا إذا كنا نريد المحافظة على التركيز والفعالية في العمل. وإليك خمس ممارسات يومية ستساعدك على تحقيق ذلك:

حافظ على اليقظة الذهنية 

تتمثل أحد الأخطاء التي نقوم بها في الطريقة التي نبدأ بها يومنا. هل تبدأ يومك مباشرة بالنظر في الرسائل الواردة في بريدك الإلكتروني على الهاتف؟ هذه عادة سيئة كما ترى المختصة في علم النفس في جامعة ستانفورد إيما سيبالا، صاحبة كتاب مسار السعادة (The Happiness Track). فقد أخبرتني في حوار عبر البريد الإلكتروني: “حين نستدعي باستمرار الاستجابة للقلق (حين ننظر في الهاتف المحمول) فإننا في واقع الأمر نعطل تلك القدرات الإدراكية كالذاكرة والانتباه والتي نحن في أمس الحاجة إليها”.

إذن ما الذي يلزمك فعله؟ عليك أن تجرب بعض تمارين اليقظة الذهنية حين تستيقظ، أبسطها أن تأخذ نفساً عميقاً لدقائق معدودة أو أن تأخذ جلسات تأمل لعشرين أو ثلاثين دقيقة. وتؤكّد الدكتورة سيبالا على أهمية ذلك وتقول: “إنّ التأمل هو الطريقة التي ندرب بها جهازنا العصبي على الهدوء والسكينة في مواجهة الضغوط في حياتنا اليومية. فحين تكون أكثر هدوءاً، ستمتلك قدراً أكبر من الذكاء العاطفي الذي يمكنك من اتخاذ قرارات أفضل”. وهذه هي الطريقة الأنسب لتبدأ يومك.

نظم مهامك 

من الأخطاء الشائعة الأُخرى هو أن نجعل الآخرين يستهلكون أوقاتنا ويملأون جدول أعمالنا، خاصة في فترة الصباح. يجدر بك أن تحرص على تخصيص أوقات لأداء المهام المعقدة التي تتطلب شيئاً من الإبداع. يقول بول غراهام، وهو مستثمر ورائد أعمال ومساهم مشارك في شركة كومبيناتور (Combinator) في تعليق له بعنوان “جدول الصانع، وجدول المدير”: “يمكن لاجتماع واحد أن يفسد يومك كله لأنه يقسمه إلى جزأين، ولا يسعك في أي منهما إنجاز أي عمل حقيقي”. تتطلب المهام الإبداعية وقتاً خاصاً تشعر به بالنشاط والحضور، ولا يمكن أداؤها في دقائق مشوشة تسترقها من بين الاجتماعات. جميعنا نحبّ أن نشعر بأنّنا نؤدي مهاماً متعددة بشكل فعال، ولكن الأبحاث تظهر بشكل قاطع أنّنا لا نحسن فعل ذلك.

فبدل أن تغالب الظروف لأداء مهام ضرورية، يتوجب عليك أن تستفيد من الإيقاع الطبيعي لجسدك، فتركّز على المهام المعقدة الإبداعية في الصباح، وهي مهام عادة ما تتطلب أن تنجزها بمفردك أو بمشاركة شخصين أو ثلاثة على الأكثر. أجّل جميع الاجتماعات الأخرى إلى فترة الظهيرة. ويمكنك بسهولة أن تتعامل مع تلك الاجتماعات البسيطة ذات الطبيعية التنفيذية مع المجموعات الكبيرة من الموظفين والزملاء.

رتّب حياتك

هل مكتبك نظيف ومرتب؟ ماذا عن سطح المكتب على شاشة حاسوبك؟ أو هاتفك المحمول؟ قد تظنّ لوهلة أنّ هذه الأمور ليست ذات أهمية في الإطار الأكبر لحياتك، ولكن البيئة المحيطة بك تؤثر على مستوى فعاليتك وجودة العمل الذي تؤديه بطرق لم نكن قادرين على إدراكها من قبل. إن تنظيمك لحياتك يترك أثراً كبيراً يؤكّد عليه ماري كوندو في كتابه الذي حقق نجاحاً كبيراً “تغيير الحياة، السحر في ترتيبها” (The Life-Changing Magic of Tidying Up). وليس الأمر مقتصراً على العاملين في القطاع المدني. فحين ألقى الأدميرال في قوة “سيل” في البحرية الأمريكية (المتقاعد حالياً) ويليام ماكريفين خطاب بداية العام الدراسي في جامعة تكساس في أوستين في الولايات المتحدة الأميركية عام 2014 كانت نصيحته الأهم للطلبة هي أن يرتبوا أسرتهم عند الاستيقاظ من النوم.

إنّ المحافظة على بيئة عمل مرتبة، في المكتب وعلى الأجهزة الإلكترونية، أمر أساسي لمساعدتك على التركيز. احرص مثلاً على أن تبقي جميع الأشياء التي لا تستخدمها في أدراج المكتب، استخدم المجلدات على سطح المكتب لتحفظ فيها الملفات غير المرتبة، ولا تبق على سطح المكتب سوى أيقونات 8 إلى 12 تطبيقاً مهماً وحسب. قم بتعطيل جميع التنبيهات غير الضرورية. تخلّص من الفوضى من حولك لتتمكن من التركيز لفترات أطول.

قلّص حجم الاجتماعات

كم شخصاً حضر الاجتماع الأخير؟ وكم منهم كان معنياً بالفعل بالاجتماع وتحديد المهام وإنجازها فيه؟ قد تجد هذا السؤال غريباً في سياق الحديث عن التركيز، لكن هنالك العديد من الدراسات، كهذه الدراسة التي أجريت عام 2015 في هارفارد بزنس ريفيو والتي تظهر إيجابيات فرق العمل الصغيرة. عادة ما يكون التركيز والالتزام بالمسؤولية أكثر صعوبة حين يكون فريق العمل كبيراً، ولهذا السبب تجد بعض الزملاء ينظرون بصمت إلى شاشات حواسيبهم المحمولة أثناء الاجتماعات.

لتمتلك القدرة على التركيز يجدر بك أن تحافظ على التركيز لدى فريق العمل، وذلك من خلال تقليص عدد المشاركين في الاجتماع إلى ثمانية أو أقل إلا إن كان الغرض من الاجتماع يقتصر على تقديم بعض المعلومات لأعضاء الفريق كاملاً. احرص كذلك على أن تخرج من كل اجتماع بقائمة مهام كل منها محددة بجدول زمني لتنفيذها وشخص مسؤول عن متابعتها بشكل مباشر، وهذه من الأساليب الفعالة التي تستخدمها شركة آبل لإدارة الحجم الكبير من الموظفين لديها.

خذ فرصة للاستراحة

أحد الأسباب التي تمنع الكثيرين من التركيز على أداء أعمالهم هو افتقادهم لهامش الاستراحة والتقاط الأنفاس بين أداء الأعمال. تأكد أنك لن تكون قادراً على التحكم الناجح بالعمل إن كنت تخرج من اجتماع وتدخل فوراً في آخر. إنّ التنقل بين المهام والسياقات أمر يصعب على الذهن فعله على الدوام، حتى أنّ القدرة على أداء ذلك تتراجع خلال اليوم. وبالنسبة للمدراء التنفيذيين فذلك يعني ضياع 70 في المئة من الوقت في بيئة العمل.

إن كنت تسعى لتجنب هدر الوقت والشعور بالإرهاق فعليك أن تضع مهلة فاصلة بين كل اجتماع وآخر. فلكل 45 إلى 60 دقيقة تقضيها في اجتماع ما، عليك أن تحرص على أن تأخذ 15 دقيقة أو أكثر بعدها لتفكّر وتتدبر الأمور وتحدد الأولويات، وهذا ما يجنبك هدر الوقت، كما يجنبك أن تقع ضحية الشعور بالإعياء الذي عادة ما يصيب الكثيرين منا في نهاية يوم العمل. وسيكون من السهل إقناع بقية المدراء بهذا الأمر: فهم لن يحققوا الفائدة الحقيقية إلا في حال اعتمادهم هذه الإستراتيجية في جدولة الأعمال.

إنّ الحفاظ على التركيز أثناء العمل ليس بالأمر السهل، ولكنّه ليس مستحيلاً. وستساعدك هذه الأساليب الخمسة على التركيز في أعمالك وإنجاز المهام الحساسة وأن تستمتع بأداء ذلك خلال يوم العمل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz