تابعنا على لينكد إن

قبل فترة من الزمن، سألت 100 رئيس تنفيذي في أحد المؤتمرات كم منهم كان منخرطاً في إجراء تحول في شركته. رفع أغلب الحاضرين أيديهم، وهو ما لم يكن مفاجئاً. فبحسب دراسة أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) دخلت 85% من الشركات في عملية تحول خلال العقد الماضي.

وقد وجدت الدراسة ذاتها أنّ حوالي 75% من هذه التحولات تفشل في تحسين أداء الأعمال، سواء على المدى البعيد أو القريب.

لماذا التحول صعب؟

هناك تفسيرات كثيرة لهذا الأمر، إلا أنّ هناك على وجه الخصوص تفسيراً لا يلقى انتباهاً كبيراً وقد يكون له تأثير حيوي: الخوف والقلق الخفي الذي يجعلنا عالقين في سلوكيات ندرك أنها ليست في صالحنا منطقياً. هناك أيضاً القلق الذي ينتاب جميع البشر في مواجهة التغيير. ومع ذلك، تجد معظم المؤسسات منشغلة بالاستراتيجية وتنفيذها ولا تلقي بالاً لما يشعر أو يفكر به الأشخاص عندما يُطلب منهم تبني التحول. قد تعيق هذه المعارضة للتحول (خاصة عندما تكون سلبية وخفية ولا إرادية) تطبيق أفضل الاستراتيجيات.

تقوم برامج التحول عادة على تبنّي بنى جديدة من سياسات وإجراءات ومرافق وتقنية. هناك شركات تركز أيضاً على السلوكيات، كتحديد ممارسات جديدة، وتدريب مهارات جديدة، والطلب من الموظفين إنجاز أمور جديدة.

لكن ما تغفل عنه معظم المؤسسات هو التحول الداخلي (ما يفكر ويشعر به الأشخاص) وهو أمر مطلوب لبعث الحياة في الاستراتيجية. هنا تماماً تنشأ المعارضة غالباً (ذهنياً)، في شكل معتقدات ثابتة ومجموعة نقاط عمياء ومسلمات ضاربة في العمق، وعاطفياً، في شكل خوف وقلق من التغيير الذي قد يحدث. بالنتيجة، تتسلل كل هذه الأمور إلى عقليتنا التي تعكس نظرتنا عن العالم وما نؤمن به ومشاعرنا تجاه ما يحدث.

لهذا فإنّ تحول الأعمال يتطلب أيضاً تحولاً لدى الأفراد، بدءاً من الأشخاص الأعلى رتبة وتأثيراً. لكننا وجدنا من خلال تجربتنا أنّ بعضاً من هؤلاء  قضوا الكثير من الوقت في تفحص وفهم دوافعهم وتحدي مسلماتهم أو بالدفع بأنفسهم نحو تجاوز مناطق راحتهم الفكرية والعاطفية، فتكون النتيجة شيئاً يسميه عالما النفس روبرت كيجان وليزا لاهي “المناعة ضد التغيير”.

كان أول اصطدام لنا بقوة العقلية قبل عقدين من الزمن عندما بدأنا نبني حجة داخل المؤسسات بأنّ أخذ وقت للراحة والتجديد هي أمور حيوية للمحافظة على أداء عال ومستدام. كان الدليل العلمي الذي قدمناه لعملائنا مقنعاً. وقد وجدوا كلهم تقريباً المبدأ مقنعاً وجذاباً من الناحيتين المنطقية والبديهية. وقد علمناهم استراتيجيات بسيطة جداً لإدماج التجديد في نمط حياتهم، فغادروا ورشات عملنا وكلهم شغف لتغيير طريقة عملهم.

لكن معظمهم أخذوا يعانون في محاولة تغيير سلوكياتهم عندما عادوا إلى وظائفهم. فقد استمروا يربطون ساعات العمل الطويلة والمستمرة بالنجاح. كان تخصيصهم بعض الوقت لتجديد النشاط خلال أيام العمل يجعلهم يشعرون كما لو كانوا كسالى. وحتى عندما بنت المؤسسات غرفاً للقيلولة، كانت غالباً لا تُستخدم. كان يساور الناس قلق من أنهم إن استراحوا لن يكون بوسعهم إتمام عملهم. وكان خوفهم من الفشل يفاقم الأمر أكثر. لهذا على الرغم من وجود النية لديهم، عاد الكثير منهم تلقائياً إلى عاداتهم القديمة.

عملنا مؤخراً مع قادة أحد شركات المنتجات الاستهلاكية الكبرى التي طرأ عليها تزعزع كبير بسبب ظهور منافسين صغار مرنين يبيعون خدماتهم مباشرة إلى المستهلك على الإنترنت. كنظرة أولى، بدا الفريق منسجماً ومركّزاً وملتزماً باستراتيجية متعددة الأوجه تتضمن تركيزاً على الرقمية. لكن عندما تعمقنا أكثر في عقلية الفريق وجدناهم يشتركون بمعتقدات ضمنية عديدة منها “كل ما نفعله له نفس الأهمية” و”علينا فعل المزيد دائماً”، و”إما عمل مثالي أو لا شيء”. وقد لخّصوا هذه المعتقدات في جملة واحدة: “إن لم نتابع الجري بأسرع ما نستطيع وانتبهنا لكل تفصيل فإنّ كل شيء سوف يتداعى”.

لهذا، لم يكن مفاجئاً توصل القادة لنتيجة مفادها أنهم كانوا منهكين ومشتتين ويعانون عند إطلاق مبادرات جديدة. وقد كان في مجرد إماطة اللثام عن هذه المشاكل وتبعاتها فائدة وتحفيز لهم. كما أننا أيضاً أطلقنا العديد من المبادرات للتعامل مع هذه المشاكل على الصعيدين الشخصي والجماعي.

استهدفت إحدى هذه المبادرات الأكثر نجاحاً مساعدة القادة على تحديد أهم أولوياتهم. ثم عملنا معهم في تدريب ممنهج يتضمن الغوص عميقاً في جدول أعمالهم وتقييم ما إذا كانوا يوظفون وقتهم بأفضل طريقة ممكنة، بما في ذلك النظر فيما إذا كانوا يخصصون وقتاً لتجديد نشاطهم. لقد حفّزتهم هذه العملية على إمعان النظر بصورة أكثر وعياً في السبب الذي كان يجعل عملهم يعود بنتائج عكسية.

كما أننا طورنا أيضاً موقعاً إلكترونياً اتفق القادة على أن يستخدموه بصورة منتظمة للإخبار عما يحرزونه من تقدم في انتقاء الأولويات، إلى جانب أي مشاعر من المقاومة تساورهم والطريقة التي يمكنهم إدارتها بها. عملهم حالياً جار على قدم وساق، لكن بدأ ينتشر كثيراً بينهم حديث عن مشاعر من التحرر والراحة. لقد فشلت أسوأ مخاوفهم في التحكم بهم.

هناك عوامل عديدة مسؤولة عن تشكيل العقلية. العامل الأول هو أنّ الكثير منها يكون متجذراً بعمق من مرحلة مبكرة من حياتنا. بمرور الوقت، يبدأ يتكوّن لدينا تحيز التأكيد (confirmation bias): نطلب دوماً دليلاً يؤكد على ما كنا نؤمن به أصلاً، ونستبعد أو نقلل من شأن ما لا يتفق معه. كما أننا أيضاً مصممون جينياً وغريزياً كي نضع سلامتنا أولاً، وأن نتجنب الإكثار من المخاطرات. وبدل استخدام مقدرتنا في التفكير النقدي لتقييم الفرص الجديدة، نحن نساير أهواء القشرة الجبهية الأمامية في دماغنا بتبرير خيارات كانت مشاعرنا هي المحفز لها أصلاً.

يفسر كل هذا السبب في أنّ عمليات التحول الأكثر نجاحاً تبدأ من ما يحدث لدى الأفراد داخل المؤسسة، وخاصة لدى كبار القادة، بالأخذ بالاعتبار سلطتهم وتأثيرهم الكبيرين. يتمثل التحدي في تحويل انتباههم نحو الداخل لجعلهم يلاحظون الأنماط الجامدة في تفكيرهم وكيف يشعرون في لحظة معينة، ومدى سيطرة غريزة الحفاظ على الذات على المنطق والنظرة البعيدة المدى للأمور، خاصة في المواقف التي يكون فيها الرهان كبيراً.

لدى القادة أيضاً تأثير هائل على العقلية الجماعية، بمعنى الثقافة المؤسساتية. حينما يبدأون بتغيير طريقة تفكيرهم وشعورهم، يصبحون أكثر قدرة على تقديم نماذج عن سلوكيات جديدة والتحدث إلى الآخرين بصورة أكثر صدقاً وإقناعاً. عندها يبدأ الموظفون الأكثر معارضة يلحقون بخطى قادتهم لأن معظم الناس يفضلون ببساطة التلاؤم مع المجموعة، بدل أن يتركوا وحيدين.

في نهاية المطاف، يتطلب التحول الشخصي شجاعة لتجاوز منطقة الراحة الحالية لدى الشخص، وتحمل ذلك الانزعاج من دون مبالغة في الاستجابة. وقد وجدنا ضمن الأدوات الأكثر فعالية سلسلة من الأسئلة التحفيزية التي طلبنا من القادة وفرقهم التدرب على استخدامها، وهي تقوم على توجيه أسئلة لأنفسهم على نحو:

ما الذي لا أراه؟

ما الحقيقي أيضاً؟

ما مسؤوليتي في هذا الموقف؟

كيف تؤثر مخاوفي على آرائي؟

تبقى الاستراتيجية العظيمة أساساً للتحول، لكن نجاح التنفيذ يتطلب أيضاً الكشف والمواظبة على معالجة الأسباب الخفية التي تجعل الأشخاص والثقافات تقاوم الاستراتيجية، حتى عندما تكون طريقة عملهم غير مجدية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz