ومن هنا اتخذت قراراً مختلفاً هذه المرة، قراراً أبسط بكثير.

لنتحدث أولاً بشيء من الإيجاز عن عملية إنقاص الوزن. ما من كتاب جديد يتناول أنظمة الحمية الغذائية إلا ويحاول إقناع القارئ بأنه أفضل من الكتب السابقة كلها؛ إذ يدّعي المؤلف بكل حماس أن هذه الخطة الجديدة تحمل بين طياتها سر إنقاص الوزن والحفاظ على الوزن المثالي إلى الأبد، وأنه سينجح فيما فشل فيه الآخرون.

نقرّر حينئذٍ خفض استهلاكنا للدهون أو زيادته. ونحاول زيادة كمية البروتينات في طعامنا أو تقليلها. ونعمل على رفع استهلاكنا للكربوهيدرات أو خفضها. ويبقى السؤال: ما أفضل نظام غذائي لإنقاص الوزن؟

حسناً، لدينا الجواب الآن. في دراسة نُشرت في مجلة نيو إنغلاند الطبية (New England Journal of Medicine) في وقت سابق من هذا العام، خضع 811 بالغاً يعانون زيادة الوزن إلى أربعة أنظمة غذائية مختلفة، يحتوي كل منها على نسبة مختلفة من الدهون والكربوهيدرات والبروتينات.

والنتيجة؟ فَقَد المشاركون 6 كيلوغرامات من أوزانهم في المتوسط بعد 6 أشهر وحافظوا على 4 كيلوغرامات منها حتى بعد عامين، بغض النظر عن النظام الغذائي الذي اتبعوه، من المؤكد أن بعض الأنظمة الغذائية أصحُّ من غيرها، لكن عند الحديث عن إنقاص الوزن لم يكن هناك نظام غذائي أفضل من آخر؛ لأن جميع الأنظمة الغذائية تعمل بآلية واحدة؛ تقييد تناول السعرات الحرارية، فينجح المرء في إنقاص وزنه عندما يقلل كمية ما يأكله.

إذا كان هذا صحيحاً، فإن أفضل نظام غذائي هو الأبسط. ومن ثم سألتُ نفسي: ما العنصر الوحيد الذي يمكنني تغييره ويُحدِث فرقاً كبيراً في استهلاك السعرات الحرارية؟ كل شخص لديه عنصر غذائي وحيد ينطبق عليه هذا الوصف.

كان هذا العنصر في حالتي هو السكَّريات؛ كنت في بعض الأحيان أتناول 3 علب من الآيس كريم في اليوم الواحد، وإذا نجحتُ في تغيير هذه العادة فكل شيء آخر سينجح من تلقاء نفسه. كان الاستغناء عن السكَّريات هو الإجراء الوحيد الذي سيعطيني أعلى عائد.

لذلك توقفتُ عن تناولها. امتنعتُ عن تناول البسكويت والحلوى والكعك والآيس كريم، هذا هو التغيير الوحيد الذي أجريته متعمداً. تجنبتُ الملايين من القرارات الصغيرة المعقّدة التي تتطلبها معظم الأنظمة الغذائية، كالعد والوزن والاختيار وحسم القرار، ولم أعد أهتم بالمراحل الغذائية ولا وصفات الطعام أو أشغل ذهني بالتفكير فيها.

قد يختلف هذا العنصر الوحيد من شخص لآخر؛ فقد تكون مشكلة البعض في الأطعمة المقلية، بينما تكون اللحوم هي المشكلة لدى البعض الآخر، في حين يجد آخرون أن المشروبات الغازية هي المشكلة. المهم أن تحافظ على بساطة الأمر.

تترتب على ذلك تداعيات ضخمة، لا تنحصر في الأنظمة الغذائية فحسب، بل تشمل تغيير السلوك (وهل النظام الغذائي سوى مسألة تنطوي على إحداث تغيير سلوكي؟)

يرهق الناس أنفسهم عادةً بالكثير من المهام بداعي حرصهم على النجاح في إجراء التغيير، لكن هذا النهج يجانبه الصواب؛ إذ يجب أن يخصصوا بدلاً من ذلك القدر الكافي من الوقت لمعرفة الإجراء الوحيد الذي سيكون له التأثير الأكبر، ثم يركزوا جهودهم على هذا الإجراء بنسبة 100%.

قبل سنوات، طلب مني مسؤولو إحدى الشركات المدرجة في قائمة “فورتشن 100” تصميم برنامج تدريبي جديد على المهارات القيادية؛ كان لديهم برنامج تدريبي بالفعل وظلوا يدربون موظفيهم عليه طيلة سنوات عدة، لكنهم الآن يريدون برنامجاً جديداً. لماذا؟ لأن البرنامج الحالي لم يحقق الأثر الذي أرادوه.

طلبتُ الاطلاع على البرنامج القديم. حقاً؟ على الرغم من أنني أحب الادعاء بأن أفكاري عن تطوير المهارات القيادية أفضل بكثير من غيرها، فقد رأيتُ أن أفكار برنامجهم القديم لم تكن أقل جودة؛ لا تختلف نماذج القيادة عن الأنظمة الغذائية، فمعظمها مقبول إلى حدٍّ بعيد، وقلّما تكمن العبقرية في النموذج نفسه، بل في طريقة تنفيذه.

نصحتهم ألا يبدؤوا من الصفر، مناشداً إياهم: “أفنيتم سنوات من عمر الشركة في ترويج المنهجية القيادية القديمة وبيان مفرداتها اللغوية المستخدمة حتى باتت مفاهيمها مستساغة لدى الجميع، وغدا العاملون في الشركة كلهم على دراية بالبرنامج، فلا تتخلصوا منه.

ما عليكم إلا أن تبسّطوه. اعملوا على تهذيبه واختصاره حتى لا يبقى سوى جوهره. اسألوا أنفسكم: ’ما الإجراء الوحيد الذي سيكون له أكبر الأثر على مهاراتهم القيادية؟‘”.

بعد بعض التفكير استنتجوا أن تكثيف عمليات تواصل المدراء مع موظفيهم سيؤدي إلى حل غالبية مشكلاتهم. قلتُ لهم: “عظيم، عليكم إذاً أن تركزوا كل جهودكم على هذا الجانب، ودعكم من أي شيء آخر”.

اتصل بي أحد أصدقائي من رواد الأعمال، ويُدعى سام، معبراً عن شعوره بخيبة الأمل بعد فشل مشروعه. أخذ إجازة ليستجم بضعة أشهر قبل أن يبدأ مشروعه التالي، وناقشنا معاً الأسلوب الأمثل لتمضية وقته، واتضح أن سام يعاني عسر القراءة ويجد صعوبة دائماً في الإقبال على القراءة.

اتفقنا على أنه يجب أن يفعل شيئاً واحداً في إجازته، ألا وهو القراءة كل يوم، كانت هذه النصيحة غير معتادة مني؛ لأنني أطلب من الناس عادةً أن يغضّوا الطرف عن مواطن ضعفهم ويركزوا على مواطن قوتهم، لكن في حالة سام ستكون المكاسب ضخمة. فإذا استطاع علاج مسألة عسر القراءة، فلن تُفتح له الأبواب فحسب، بل سينتصر على الشيء الوحيد الذي اعتقد أنه سيعجز عن فعله؛ وستؤدي هذه الثقة المكتسبة إلى تغيير كل شيء في حياته.

إذا كنت ستعمل على علاج نقطة ضعف محدَّدة، فلا تحاول أبداً علاج أكثر من واحدة.

طوّرت إحدى المؤسسات الكبيرة للبيع بالتجزئة التي تنتشر فروعها في مختلف أنحاء العالم، ولنسمها شركة مارلا للملابس، 10 سلوكيات “ذهبية” أرادت أن يتحلى بها موظفو المبيعات كلهم، وتشمل أشياء مثل توجيه التحية إلى كل زبون، وسؤال الزبائن عما إذا كانوا يرغبون في أن تعرض عليهم الإكسسوارات في نقطة البيع، وقياس مدى ملاءمة المُنتَج للزبائن، وتوجيه الشكر لكل زبون على التسوق في المتجر. شهدت المتاجر التي أظهر فيها موظفو المبيعات جميع السلوكيات العشرة ارتفاع المبيعات بمعدلات كبيرة.

وبعد مرور بعض الوقت، أرسلت شركة مارلا للملابس متسوقين سريين لمعرفة مستوى أداء موظفي المبيعات، وأبدت الإدارة سعادتها بعد أن وجدت أن الموظفين كانوا يُظهِرون في المتوسط 9 من السلوكيات العشرة.

سألتُ قائد المشروع عما إذا لاحظ تغيراً ملموساً في المبيعات نتيجة لهذا المعدل المرتفع للنجاح في إظهار السلوكيات المرجوة بنسبة 90%، وبعد فحص سريع للبيانات تبيَّن أنها لم تشهد تغيُّراً يُذكَر.

ومن ثم ألقينا نظرة فاحصة لمعرفة إذا ما كان الموظفون يفتقرون إلى سلوكيات مختلفة أو إذا ما كانوا يتجنبون سلوكاً معيناً من السلوكيات العشرة. وكما توقعنا، كانوا جميعاً يُغفلون السلوك نفسه، ألا وهو قياس مدى ملاءمة المُنتَج للزبائن.

قلت لقائد المشروع: “ليس لديك 10 سلوكيات ذهبية. لديك سلوك ذهبي واحد. وقياس مدى ملاءمة المُنتَج للعملاء هو السلوك الوحيد الذي سيكون له أكبر الأثر”. أصدرنا تعليمات لموظفي المبيعات بالتركيز على تنفيذ هذا السلوك الوحيد فحسب، وارتفعت مبيعات شركة مارلا للملابس.

صاح صديقي “8 كيلو غرامات! يجب أن تؤلّف كتاباً عن هذا الأمر”.

فكرت في الأمر لثانية، ولكن سرعان ما أدركت أنه ليس لديَّ سوى شيء واحد أريد أقوله؛ أجبته: “ليس كتاباً، ولكن ربما يكفي منشور على مدونة إلكترونية”.