أحد المعضلات المتعلقة باتخاذ القرارات الأخلاقيّة يتمثّل في أنّ العديد من هذه القرارات التي تنطوي على جانب أخلاقي والتي تبدو واضحة أو شديدة السهولة في قاعة المحاضرات أو خلال جلسات التدريب قد يبدو حلّها بالغ الصعوبة عند التعامل معها على أرض الواقع عندما يُطلب منك اتخاذ القرار بشأنها.

خذ مثلاً القرار الذي كان على سام واكسل، الرئيس التنفيذي السابق لشركة إمكلون الناشئة في مجال التقنية الحيوية اتخاذه. ففي عام 2001 كانت إمكلون في انتظار الحصول على موافقة من مؤسسة الغذاء والدواء الأمريكيّة بخصوص أحد الأدوية التي طال انتظارها لمرض السرطان، ولكن المؤسّسة قرّرت، بخلاف ما كان متوقّعاً، عدم منح الشركة تصريح إنتاج هذا الدواء وتم رفض طلب الشركة. وما كان من واكسل حين تسرّبت أنباء عن هذا القرار ووصلاه على مستوى فرديّ إلا أن قام بالتحدّث مع ابنته وطلب منها أن تبيع أسهمها في الشركة قبل أن يتمّ الإعلان بشكل رسميّ وعام عن قرار المؤسّسة والذي سيتسبب بهبوط حادّ لأسعار أسهم الشركة.

لأي مراقب خارجي قد يبدو هذا القرار الذي أخذه واكسل قصير النظر بشكل غير معقول وغير حكيم ربّما. لقد كان ما حصل نوعاً من التنازلات الداخلية التي يهتمّ بها المراقبون باستمرار، وهذه حقيقة لم تكن غائبة عن ذهن واكسل، خاصّة أنّه قد قال معلّقاً على قراره البعيد عن الصواب: "لا أدري كيف كنت أفكّر، أو كأنّني لم أكن أفكّر أصلاً".

لا شكّ أن واكسل قد كان مديراً يتمتّع بقدرٍ كبير من الذكاء والقدرة على التفكير الإستراتيجيّ، ولكن حين كان عليه اتّخاذ قرار أخلاقيّ في واقع العمل، فإنّه تعرّض للإخفاق. في المقابل، لو عرض هذا الموقف على أي شخص في سياقٍ تدريبيّ فإنه على الأغلب لن يقدم على اتخاذ نفس ذلك القرار. بل حتّى واكسل نفسه لو تعامل مع تلك المشكلة منفردة بمعزل عن بقيّة المشاكل، فإنه كان على الأغلب لن يقدم على قرار مماثل. فلماذا يا ترى تبدو القرارات الأخلاقيّة كتلك التي واجهها واكسل سهلة الحلّ أحياناً حين تعرض لنا في قاعة المحاضرات ولكنّها في المقابل تبدو عصيّة على الحلّ حين نواجهها في واقع الحياة العملية؟

هنالك ثلاثة عوائق تجعل اتخاذ القرارات الأخلاقيّة في بيئة العمل مختلفة وأكثر صعوبة من التعامل معها في سياق التدريب.

الأمر الأوّل والأوضح هو أنّ القرارات التي يترتّب عليها عواقب كبيرة يتمّ تحديدها للمشاركين في جلسة التدريب. وعوضاً عن التعامل مع التحدّي الماثل في الوقوف على القرار الأسلم من بين مئات من القرارات الأخلاقيّة التي يتمّ اتخاذها يوميّاً، فإنّ المشاركين في التدريب لا يضطرون للتعامل سوى مع مشكلة واحدة يتمّ تحديدها بكل وضوح. وعادة ما تميل هذه التدريبات إلى التبسيط المفرط لواحد من أهمّ التحدّيات، وهو ذلك المتعلق بتحديد المعضلة الأخلاقيّة في المقام الأول، وذلك عبر تحديد قرار واحد فقط يلزم التعامل معه والتركيز عليه.

ومن أجل تقدير مقدار الصعوبة في مجرّد تحديد طبيعة المعضلة الأخلاقيّة يمكن أن ننظر مثلاً إلى الخيار الذي اتخذه السيد راجات غوبتا، المدير الإداري السابق لشركة ماكنزي أند كومباني، حين تواصل مع ملياردير يعمل سمسار صندوق استثمار تحوّط بعد اجتماع مجلس إدارة في غولدمان ساكس. لقد أمضى غوبتا عقوداً في مسيرة ناجحة في توطيد ثقة عملائه بالشركة وقد حظي بتقدير كبير مقابل جهوده التي بذلها وقراراته الحكيمة والصائبة التي أقدم عليها طيلة تلك الفترة. ولكنّ ما قام به غوبتا حين أفصح عن معلومات سريّة من اجتماع مجلس الإدارة إلى ذلك السمسار يبدو خطأً تافهاً كان من السهولة بمكان تحديده والوقوف عليه. إلا أنّه في غمرة كلّ تلك القرارات التي كان يقوم بها في تلك اللحظة، فإنّه لم يتمكّن من تحديد الجانب الأخلاقي لذلك القرار المهمّ الذي كان عليه التعامل معه في ذلك اليوم. ولو كان المساحة المتوفّرة للتفكير بهذا القرار الأخلاقي أكثر وضوحاً، لكان لديه مجال أكبر بلا شكّ لتفادي احتمال الخطأ حينها، ولكان بوسعه تجنّب الإقدام على ذلك القرار الخطير.

أما العامل الثاني فهو التمييز بين الإقدام على القرارات المهمّة في سياق التدريب وفي واقع الحياة العمليّة، وذلك لأنّ التدريب يكشف بلا شكّ عن وجهات النظر والأحكام المتباينة المتعلقة بموقف ما. وعلى الرغم من أنّ العديد من المؤسّسات تعبّر بوضوح عن رغبتها في الحصول على آراء وأفكار متعدّدة، إلا أنّ هذه الأفكار المختلفة في الواقع العمليّ تشوبها في كثير من الأحيان رغبةٌ في الاتفاق مع الآخرين أو إرضائهم. وحتّى في الإدارة العليا للمؤسّسة نجد أنّ المديرين المستقلّين يجدون صعوبة بالغة في التعبير عن اختلافهم في الرأي. خذ مثلاً حالة دينيس كوزلوفسكي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة تايكو والذي ارتقى بهذه الشركة التي كانت بالكاد معروفة لتصبح مجموعة عالميّة كبيرة من الشركات، ولكنّه لاحقاً حوّل للقضاء بسبب اتهامات جنائيّة متعلقة بالابتزاز. لقد تحدّث كوزلوفسكي عن التحديات التي واجهها لتشجيع أعضاء مجلس الإدارة على مخالفته وعدم دعمه حين كان أداء الشركة على ما يرام. يقول كوزلوفكسي: "حين يكون الرئيس التنفيذي موجوداً في قاعة الاجتماعات، فإنّ المديرين، حتى المديرين المستقلّين، يحاولون على الدوام أن يرضوه ويتجنبوا مخالفته... ولذا كان مجلس الإدارة على استعداد لمنحي أيّ شيء أريده، أيّ شيء".

أخيراً، في سياق التدريب يكون بوسع الشخص قضاء ساعة كاملة في التحليل الدقيق بمسألة ما، ولكن معظم القرارات في الواقع العمليّ تحدث بسرعة كبيرة وتعتمد غالباً على الحدس وليس على التفكير التأمّلي الدقيق. وقد يسبّب هذا الأمر إشكالاً كبيراً فيما يتعلق بالقرارات الأخلاقيّة، والتي تعتمد في كثير من الأحيان على الحدس وتخضع لأمور متعارف عليها مما قد يؤدي إلى أحكام غير منطقية لا تتوافق بالضرورة مع ما كنا سنصل إليه لو أتيح لنا المزيد من الوقت للتفكير بالمسألة التي بين أيدينا.

من السهل جدّاً في واقع الأمر أن نقع في هذه الحالة من اللاعقلانيّة، وهذا ما تؤكّد عليه المختصة في علم نفس الاجتماع إيلين لانغر والتي قامت بعدة تجارب ذكيّة في سبعينات القرن الماضي. لقد قامت لانغر وزملاؤها الباحثون بنشر مذكّرة غير هامّة ولا معنى لها في شركة ما، وكانت تلك المذكّرة مُعدّة بالطريقة الرسميّة المعهودة في الشركة، ولم تشتمل سوى على توجيه بإرجاعها، إذ كُتب فيها: ("يرجى إعادة هذه المذكّرة إلى الغرفة 247"). وعلى الرغم من أنّ ردّة الفعل العقلانيّة المتوقّعة تتمثّل بمجرّد إهمال هذه المذكّرة السخيفة، إلا أنّ 90% من الموظفين قاموا بالتجاوب مع محتواها.

حين لا تمتلك سوى وقت ضيّق وثمين للتفكير بشكل عميق بالقرارات التي امامك، فإنّنا نلجأ إلى الاعتماد على الحدس والمعايير المتعارف عليها حولنا ونتيح لها أن توجّه أفعالنا. وفي مثال حدث مؤخراً في شركة ويلز فارغو لم يكن معظم الموظفين يمتلكون ما يكفي من الوقت أو الحافز لانتقاد الإجراء السائد في الشركة والمتعلق ببيع المنتجات دون موافقة العميل: فقد كان المعيار هنا هو الثقافة المنتشرة التي تؤيّد تلك الممارسات التي يشوبها الفساد. ولكنّ الحفاظ على الكفاءة والإنتاجيّة العالية قد بدا أهمّ من بذل بعض الوقت للتفكير بالتبعات الأخلاقيّة المتعلقة ببيع المنتجات للعملاء دون معرفتهم. ولو كان للموظفين فرصة أفضل للتفكير بتلك الممارسات في بيئة عمل أقل تقييداً وضغطاً فإنّهم سيكونون أكثر مقدرة على إبداء امتعاضهم أو مخالفتهم لتلك الممارسات.

يتمثّل التحدّي أمام الشركات بخلق بيئة عمل تجعل اتخاذ القرارات الأخلاقيّة أكثر سهولة لا أكثر صعوبة. كما أنّ تقديم التدريب الذي يقارب بيئة العمل الواقعيّة وظروفها بشكل أكبر وما تشتمل عليه من ضغوط عند اتخاذ القرارات الأخلاقيّة هي الخطوة الأولى الأمثل للتعامل مع هذه التحدّيات المهمّة. إنّ الرياضيين المحترفين يعرفون أنّهم بحاجة للتدريب في بيئة مماثلة لتلك التي سيخوضون فيها المنافسات، ولا بدّ أن يحرص المديرون على هذا الأمر كذلك إن كانوا يريدون التدرب والتجهّز للتعامل مع التحديات الأخلاقيّة الكبيرة التي لا بدّ أنهم سيواجهونها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!