ثمّة نتيجة واضحة جداً توصلت إليها العقود الطويلة من الأبحاث المتعلقة بعملية اتخاذ القرار، وكذلك الكتب الصادرة حديثاً والتي تحظى بشعبية كبيرة من قبيل كتاب "التفكير السريع والتفكير البطيء" لمؤلفه دانييل كانيمان، ويمكن تلخيص هذه النتيجة على النحو التالي: الأسلوب غير العقلاني الذي يتصرّف به الدماغ البشري يؤثر غالباً على قرارات الناس بطرق لا يتوقعونها لا هم ولا الأشخاص الذين حولهم. والأخطاء الناجمة عن ذلك تمنعنا من اتخاذ قرارات سليمة، سواء فيما يخص العمل أو الحياة الشخصية، وحتى بعد أن نكون قد راكمنا خبرة عملية كبيرة ومعارف هائلة.

ولكن للأسف، وعلى الرغم من أننا نعرف الكثير عن التأثير الذي تتركه تحيّزاتنا، مثل الثقة المفرطة ومحاولة تحاشي الخسارة، على قراراتنا، إلا أن الناس لازالت تعاني في التصدّي لهذه التحيّزات بطريقة منهجية بحيث لا تجعلنا نتّخذ قرارات غير فعّالة أو قرارات سيئة حتى. ونتيجة لذلك، وحتى عندما يعتقد المدراء التنفيذيون بأنهم يتّخذون خطوات مناسبة لتصويب تحيّزات الموظفين أو التغلّب عليها، فإن إجراءاتهم غالباً ما تكون غير نافعة.

فما هو الحل إذاً؟ الاقتصاد السلوكي يمكن أن يقدّم لنا الإجابة. فبما أن هناك صعوبة كبيرة في إعادة تشكيل الدماغ البشري بغية تغيير الأنماط التي تقود إلى التحيّزات، فإن الاقتصاد السلوكي يطالبنا بأن نتقبّل الأخطاء المرافقة لعملية اتخاذ القرارات لدى البشر، وعوضاً عن ذلك هو يدعونا إلى تغيير السياق الذي نتّخذ فيه القرارات بطرق تقودنا إلى نتائج أفضل.

ولكن كيف يتمّ ذلك؟ دعونا نأخذ المثال التالي: ربما تتذكّرون في مسلسل ساينفيلد (Seinfeld) كيف أن جورج كوستانزا كان يترك سيارته مركونة في المكتب عمداً، بحيث يعتقد مديره بأنه كان يعمل لساعات طويلة. هنا نحن أمام محاولة للاستفادة من حالة معروفة لدى علماء النفس، ألا وهي الميل إلى استعمال المؤشرات الدالة على بذل مجهود بغية الحكم على النتائج، في وقت قد يكون فيه الارتباط بين الجهد المبذول ونتيجة العمل ضعيفاً عملياً. في هذه الحالة، كوستانزا يستعمل التحيّز لمصلحته، من أجل تغيير الطريقة التي يحكم بها مديره على إنتاجيته.

لكن معرفة هذا النوع من التحيّز يمكن أن تساعد المدراء أيضاً في تعزيز الفعالية ضمن المؤسسة. فعلى سبيل المثال، يمكنهم ذلك من خلال تحديد العناصر المهمّة في "آلية الاختيار" التي تسهم في تحسين التجربة التي يشعر بها العميل. وكان الباحثان ريان بويل ومايك نورتون من كلية هارفارد للأعمال قد درسا في ورقة صدرت قبل فترة قريبة الطرق التي يمكن أن تساعد المؤسسات على تحسين مستوى الرضى لدى زبائنها. وقد اكتشفوا بأنه عندما تُظهِرُ شركة ما بطريقة بصرية واضحة حجم الجهد الذي بذلته خلال إتمام العمليات، فإن احتمال شعور الزبائن بالرضى أثناء انتظار الحصول على الخدمة كان أكبر. فعندما يستطيع الناس أن يروا الجهد المبذول نيابة عنهم في تقديم خدمة ما – والذي يصفه بويل ونورتون بعبارة "الشفافية في العمل" – فإنهم لا يمانعون بالانتظار لفترة أطول فحسب، وإنما هم يثمّنون الخدمة أكثر أيضاً.

وفيما يلي تفسير هذه الحالة. ففي إحدى دراسات الباحثين بويل ونورتون، قاما بخلق موقع انترنت وهمي للسياحة والسفر، وطلبوا من الناس المشاركين في الدراسة البحث عن رحلة من بوسطن إلى لوس أنجلوس. بعض الناس رأوا الشريط التقليدي الملوّن الذي يبيّن مدى التقدّم المحرز في عملية البحث، بينما اختبر أشخاص آخرون "الشفافية في العمل": حيث أن الموقع كان يُظهِرُ كل شركة طيران يجري البحث فيها، كأن تظهر عبارة "البحث جارٍ الآن في موقع (delta.com)". ثم "البحث جارٍ الآن في موقع (jetblue.com)" – مع عرض رقم متغيّر يبيّن عدد الرحلات ذات السعر الأرخص. ورغم أن جميع المشاركين في الدراسة حصلوا على القائمة ذاتها من الرحلات والأسعار، إلا أن الأشخاص الذين اختبروا "الشفافية في العمل" منحوا الخدمة علامة أعلى بالمقارنة مع الأشخاص الذين لم يروا سوى "الشريط الملوّن الذي يبيّن التقدّم المحرز".

إن هذه الأمثلة تشير بوضوح إلى أن هذا التحيّز الماكر والخفي هو غالباً السبب الرئيس الكامن وراء عدم الفعالية في المؤسسات. لكنها تسلّط الضوء أيضاً على أن المعرفة بوجود هذه التحيّزات والطريقة التي تعمل بها، يمكن أن تقود إلى حلول فعّالة للمشاكل المؤسسية. نحن عادة ننظر إلى القادة بوصفهم مدراء، لكن المدراء يجب أن يكونوا أيضاً كالمهندس المعماري بحيث يبحثون عن الفرص في الطريقة التي يجري بها العمل من أجل تحسين السلوك لصالح الأفراد، والزبائن، والمؤسسة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!