مع تطور التكنولوجيا بسرعة الضوء، أصبح مفهوم التشغيل الآلي أو ما يعرف في عالم التكنولوجيا بـ”الأتمتة”، أكثر انتشاراً من أي وقت مضى، كما أنّ هناك نقاشات جدية حول تأثير هذا الأمر على سوق العمل.

هل ستحدث حالة بطالة جماعية، مع بقاء آلاف الأشخاص دون أي دخل؟ فقد بينت دراسة لشركة “برايسوتر هاوس كوبرز” (pwc) أنّ 38% من الوظائف الأميركية معرضة للخطر مع حلول عام 2030، وذلك بسبب حلول الآلة أكثر فأكثر كبديل للبشر. وهذا ما أثبتته دراسة مماثلة قامت بها العام الماضي جامعة أوكسفورد والتي بينت أنّ 47% من الوظائف مهددة في العقدين المقبلين بسبب الأتمتة.

وثمة سؤال معاكس يتوقع جانباً متفائلاً بحذر في الثورة الصناعية الرابعة، وهو يتساءل عن إمكانية نشوء مدن فاضلة عصرية، حيث تحرر لنا التكنولوجيا المزيد من الوقت وتترك لنا مجالاً أكبر للتسلية والعائلة، بحسب فكرة استشرافية لمجموعة (CERTUS) المتخصصة بالتوظيف. وتكمن الإجابة في مكان ما بين السؤالين، إلا أنه هناك أمر واحد ومؤكد: وهو أنّ الخوف لا يمثل الإجابة الصحيحة.

لا تُعتبر الثورة الصناعية الرابعة (4IR) بمثابة أيام مخيفة تشهد نهاية الوظائف وفرص العمل كما يقول البعض. وأنا أعتقد أنها تمثل تحولاً مثيراً سيمكّن الإنسانية من أن تكون أكثر إنتاجية وأكثر ابتكاراً في كيفية حل المشاكل والمقاربات المتبعة تجاه العمل.

أما عن المستقبل المنظور، يمكنكم أخذ خطوة للوراء للحظة والنظر إلى التطور الذي شهده مكان العمل على مدى السنوات الخمسين الماضية. ولطالما مثّلت التحولات الديموغرافية والتقدم التكنولوجي والرغبة في إيجاد توازن بين العمل والحياة عواملاً مؤثرة في هذا الصدد. واتجه مكان العمل بصورة طبيعية إلى اكتساب المزيد من المرونة وتفعيل مفهوم العمل عن بعد إلى جانب التحولات التي طرأت على متطلبات العمل بسبب الأتمتة. ولكن ما نشهده الآن هو عمل تلك العوامل بشكل أسرع وعلى نطاق أوسع، وذلك بحسب دراسة لأدريان مسغرو وماثيو بر نُشرت في مجلة كورنيل للموارد البشرية.

نعم، نحن على أعتاب تحول هائل، وبدل الخوف من التغيير وتوقع الأسوأ، ينبغي إعداد أنفسنا لذلك التغيير. ولا يكمن الخطر في حقيقة أنّ الأشياء تتغير بسرعة، بل يكمن في مسألة أنّ المؤسسات الأوسع والنظم المعمول بها لم تستطع مواكبة هذا الأمر حتى الآن.

وينبغي أن نقوم بتعليم الجيل المقبل مهارات جديدة وتحضيره لسوق عمل سيبدو مختلفاً بصورة جذرية عن ذلك الذي نعرفه اليوم. كما ينبغي علينا وضع آليات مساعدة لمساعدة الأشخاص الذين سيلحق بهم تأثير سلبي أكثر من غيرهم. على سبيل المثال: من خلال توفير البرامج التدريبية ورفع مستوى المهارات للموظفين الذين ستلغى وظائفهم كنتيجة لهذه الثورة. والأهم من ذلك، ينبغي علينا رعاية واحتضان مفاهيم ريادة الأعمال والتفكير النقدي والإبداع والمرونة والقدرة على التكيف لأنها تنطوي على أهمية كبيرة الآن أكثر من أي وقت مضى.

اقتصاد الخدمات المستقلة

تتزامن الثورة الصناعية الرابعة في الوقت الراهن مع زيادة على المدى القصير في الخدمات المستقلة القائمة على المهارات، ليطلق عليها بالتالي اسم اقتصاد الخدمات المستقلة. وعلى سبيل المثال، تتبع الوظائف في مجالات تطوير البرمجيات والتصميم الجرافيكي هذا النمط.

وينطوي نمط حياة الأعمال الحرة على امتيازاته الخاصة: المزيد من وقت الفراغ والقدرة على العمل وفق الوتيرة التي تحددها، والعمل على مجموعة متنوعة باستمرار من المشاريع عوضاً عن تكرار العمل نفسه كل يوم. ومع ذلك، لا توجد حالياً آليات معنية بحماية موظفي الفترات القصيرة ممن يعملون في كثير من الأحيان مقابل أجور واستحقاقات أقل من تلك التي يحظى بها الموظفون المتفرغون، ناهيك عن مستوى الأمن الوظيفي المنخفض للغاية.

إلى جانب ذلك، سيحتاج الموظفون للتكيف مع التقنيات الجديدة وتعلم كيفية استحداث وظائفهم الخاصة، إلى جانب العمل المستمر على تعزيز ورفع سوية مهاراتهم وتجنب التخصص المفرط من أجل الحفاظ على مدى ملاءمتهم للعمل. وبالإضافة إلى ذلك، سيتعين عليهم أن يكونوا مرتاحين ومنفتحين بشكل أكبر للأعمال ذات الطلب المرتفع والتي لا تتبع نموذج العمل التقليدي من الساعة التاسعة إلى الساعة الخامسة، ومن المرجح أيضاً أن يتعين عليهم الاعتياد على فترات العمل غير الدائم.

ويمكننا القول أنّ هذه هي النقطة التي يكون خلالها الدخل الأساسي العالمي بمثابة عامل رئيسي لحماية الناس من الجانب السلبي للأتمتة. ويضمن الدخل غير المشروط تلبية احتياجات الناس الأساسية حتى في ظل عدم قدرتهم العثور على فرص عمل جديدة، كما أنه يلغي انعدام الأمن المصاحب للأعمال الحرة والخدمات المستقلة قصيرة الأجل.

ووفقاً للمفكر المستقبلي راي كورزويل، هناك فائدة رئيسية أُخرى تتمثل بأنّ هذا الأمر يحرر العاملين ويمكنهم من ممارسة الأعمال التي يحبونها عوضاً عن ممارسة أعمال غير مرضية فقط بهدف تأمين احتياجاتهم ودعم أسرهم.

من ناحية أُخرى، إذا أراد أصحاب العمل تنمية المواهب سيتعين عليهم وضع الموظفين على رأس قائمة أولوياتهم فضلاً عن العثور على طرق لتقديم الحوافز والأجور الجيدة للعاملين عن بعد. كما سيتعين عليهم السماح بالمزيد من المرونة على مستوى جداول ومواعيد العمل وإنشاء فرص عمل جديدة مع انتهاء صلاحية فرص العمل القديمة بسبب التكنولوجيا الحديثة.

ومن المهم ملاحظة أنّ التكنولوجيا تسمح للشركات بتوفير تكاليف اليد العاملة، ولكن لا تزال هناك التكلفة الأولية لترقية النظم إلى التكنولوجيا الجديدة في المقام الأول، ومن ثم تكلفة تدريب الطاقم على العمل والتعامل معها. ومع ذلك، يمكن أن يشهد أصحاب العمل على المدى البعيد عمليات إنتاج ومردود أكثر سرعة وكفاءة وانخفاضاً للتكاليف مع طاقم موظفين عالمي بحق.

وبطبيعة الحال، لا يمكن لهذا الأمر أن يحدث في حال عدم قيام الحكومات بالتشجيع والسماح بتدفق المواهب من خلال سياسات توظيف ومتطلبات تأشيرة عمل مريحة. وقد قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بالفعل باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، حيث استحدثت نظام تأشيرات دخول جديد هذا العام يستهدف استقطاب المواهب الاستثنائية في قطاعات محددة من أمثال السياحة والصحة والتعليم.

وبالإضافة إلى ذلك، مثّلت الثورة الصناعية الرابعة الموضوع المختار لمنتدى الشارقة للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث ناقش المنتدى المشاكل والفوائد المحتملة للأتمتة والكيفية التي يمكن من خلالها لدولة الإمارات أن تخطط للمستقبل.

وخلال جلسة نقاش تناولت موضوع الثورة الصناعية الرابعة، قال طارق عبدالله، المدير الإقليمي للتسويق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة “جوجل”: “نحن نؤيد فكرة أنّ الآلات ستعزز العمل، ويمكن لنا مشاهدة هذا الأمر على مر التاريخ”. وأضاف: “لطالما شهدت الوظائف تغييراً مستمراً. وبالرغم من وتيرة التغيير السريع، إلا أننا نعتقد أنه يلعب دوراً فعالاً على مستوى إنشاء القيمة ولا يمثل أي خطر على الإنسان”.

وبدوره، قال بشار كيلاني، المدير الإقليمي لشركة “آي بي إم” في دول الخليج والمشرق العربي: “تمتلك الشارقة الرؤية والقيادة الحكيمة المطلوبين لاحتضان هذه الثورة الجديدة والتكيف مع هذه التغييرات في النواحي ذات الصلة بالعمالة والاستثمار في الموارد البشرية والتكنولوجيا”.

وفي الوقت الذي تحقق فيه الحكومات خطوات متسارعة وواسعة، تواصل نظم التعليم فشلها في تمكين الطلاب من اكتساب المهارات التي يحتاجون إليها لجعلهم مؤهلين للعمل. وفي حال كان الشباب يتخرجون من دون مهارات التفكير النقدي والمرونة والقدرة على التكيف والإبداع والمعرفة ذات الصلة والتي يحتاجونها لتحقيق الازدهار والنجاح في سوق العمل المتغيرة، سيكون من المستحيل تقريباً على أصحاب العمل أن يعثروا على المواهب التي يحتاجون إليها.

ولكن، ما العمل لتحضير أنفسنا لذلك؟

العلاج المتمثل بريادة الأعمال

تُمثل ريادة الأعمال وممارسة الأعمال الحرة العلاج الأنجح لمعضلة العمل التقليدي الذي يتلاشى بسرعة كبيرة، إذ أنها تُعتبر المكان الذي يتجه العالم إليه والآن هو الوقت المناسب للاستفادة من تلك الإمكانات ورؤيتها، فتحقق النتيجة المرجوة منها في سوق العمل الجديدة المزدهرة. وتعترف منطقة الشرق الأوسط بأهمية ريادة الأعمال، حيث تلقى مهنة رائد الأعمال اهتماماً واسعاً، وارتفع هذا الاهتمام بنسبة 34% خلال السنوات الماضية (2011 – 2016).

ولم تكن مسألة إطلاق عمل تجاري أو حل مشكلة ما بهذه السهولة مطلقاً، وخاصة بوجود منصات حاضنات الأعمال أمثال منصة “شراع” (مركز الشارقة لريادة الأعمال). وتعني مسألة إطلاق أعمال تجارية جديدة في قطاعات جديدة إنشاء المزيد من فرص العمل ودعم نمو الاقتصاد وزيادة الطلب على المواهب الجديدة واحتضانها.

ويتعين علينا أن نستثمر وقتنا ومواردنا في إنشاء بيئة تشجع وتدعم رواد الأعمال. ولا أقصد بذلك الأشخاص الذين يقومون بإطلاق أعمال فقط، بل أقصد الأشخاص القادرين على حل المشاكل أيضاً والمفكرين النقديين الذين لا يجدون أنفسهم خارج العمل لفترات طويلة لأنهم يعثرون على فرص العمل في أي مكان.

ويبدأ هذا الأمر انطلاقاً من المنازل والمدارس والجامعات وصولاً إلى مكان العمل بحد ذاته مع تطوره لاستيعاب المرونة والتغيير المصاحبات للثورة الصناعية الرابعة.

وتهدف منصة “شراع” للقيام بذلك بالضبط واحتضان ورعاية صنّاع التغيير من المواهب الشابة ورعاية روح ريادة الأعمال التي تنطوي على إمكانية لا متناهية وبناء بيئة ريادة أعمال مزدهرة من نقطة الصفر. لذلك، وفي حين أنه سيكون من السهل الاستسلام للخوف والشواغل المرتبطة بهذه الثورة، أجد نفسي أكثر في الجانب المتحمس لقدومها.

نعم، سيكون هنالك هبوط أولي في مستويات العمالة مع الطلب المتزايد من القطاعات الجديدة، ولكن في حال عملت الحكومات والنظم التعليمية والمؤسسات بصورة تعاونية على تخفيف حدة هذا الأمر من خلال التدريب وبناء المهارات وإنشاء فرص العمل الجديدة، لن يكون الوضع مختلفاً حينها عن الوقت الذي حلت خلاله الكهرباء محل الطاقة البخارية أو البريد الإلكتروني الذي حل مكان البريد التقليدي بالنسبة للجزء الأكبر من الناس. وبكل تأكيد، سوف نتكيف مع آلام النمو وجميع المسائل المرتبطة بذلك. والأهم من ذلك، سوف نحقق الازدهار وسنعيش في عالم يمكّن الجميع من متابعة شغفهم واهتماماتهم ويفرز الوظائف وفرص العمل التي يجدونها أكثر إشباعاً لتطلعاتهم، لأن “المستقبل لن يكون تحت سيطرة الآلات بل سيكون ابتكاراً من عمل الإنسان”، وذلك بحسب إريك برينجلسفون مدير مبادرة الاقتصاد الرقمي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!