التحولات المعلوماتية التي يحتاجها قطاع الرعاية الصحية

20 دقيقة
التحول المعلوماتي في مجال الصحة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

في أواسط تسعينيات القرن الماضي، كان الجميع يعلم بأنّ مؤسسات الرعاية الصحية في الولايات المتّحدة الأميركية مبتلاة بالهدر في الإنفاق. وكان السؤال الأساسي بالنسبة لشركة إنترماونتين هيلث كير (Intermountain Healthcare) التي تخدّم سكّان ولايتي يوتا وآيداهو هو: كيف يمكننا البدء بالتوفير الداخلي؟ وسرعان ما أظهرت تحليلات البيانات أكثر المستهدفات وعداً: فقد شكّلت 104 حالات من أصل 1,440 حالة تعالجها الشركة 95% من الرعاية المقدمة، في حين شكّلت خدمتا – التوليد ومعالجة مرض نقص التروية القلبية – 21% من أعمالها. فماذا عن التحول المعلوماتي في مجال الصحة؟

لقد ركّزت الفرق المعنية بتحسين الجودة أولاً على هاتين الخدمتين. وتسلّحت هذه الفرق بنظام معقد للسجلات الصحية الإلكترونية (EHR)، فضلاً عن نظام معلوماتية منفصل يبيّن تفاصيل تكاليف الأنشطة، واستعملت مبادئ إرشادية مُسندة بالبراهين، واستعانت بخبرة أطباء الشركة لإعادة تصميم آلية سير العمل الخاصة بالجوانب السريرية والمرضية. وقد عمل كبار المدراء التنفيذيين، ومجلس الأمناء، والأطباء، والممرضّين والممرضّات معاً لدعم هذا المسعى الهادف إلى تحسين الرعاية الصحية المقدّمة. وحتى اليوم خضعت 60 خدمة إلى إصلاح شامل، في حين يُنظر إلى إنترماونتين بوصفها جهة رائدة على المستوى الوطني في تحسين الجودة وإدارة التكاليف. ولم يكن أي من هذه الأشياء ممكناً لولا نظم المعلوماتية التي تستعملها.

يُعتبر هذا المثال ملفتاً ومثيراً للإعجاب. ولكن لسوء الحظ، لا يزال مثالاً نادراً. لكن القصة الأكثر شيوعاً في قطاع الرعاية الصحية هي قصة الاستثمارات الكبيرة في مجال المعلوماتية والتي لا تتمخض عن نتائج عملية كبيرة. وقد استلهمت مراكز خدمات الرعاية الطبية والمساعدة الطبية التابعة للحكومة الأميركية المثال من شركة إنترماونتين وغيرها من الأمثلة المشابهة، حيث أنفقت 37 مليار دولار على شكل مبالغ تحفيزية مقابل خدمات المعلوماتية الخاصة بالرعاية الصحية بين العامين 2011 و2017. وبحلول العام 2016، كان أكثر من 50% من الأطباء الذين يعملون في عياداتهم الخاصة، وأكثر من 80% من المستشفيات قد طبقوا نظاماً أساسياً للسجلات الصحية الإلكترونية يلبّي المعايير الدنيا التي حدّدها مكتب المنسق الوطني لنظم المعلوماتية الخاصة بالرعاية الصحية. ومع ذلك، فإنّ هذه النظم لم تترك أثراً كبيراً في مجال تحسين الجودة والتقليل من التكاليف حتى يومنا هذا. لا بل إنّ المسؤولين الطبيين في العيادات ينتقدون هذه النظم، ويتحسّرون على إضاعتها للوقت، بحسب رأيهم، ويقولون بأنها صارمة وليست سهلة الاستخدام، وتتدخّل في علاقتهم مع زبائنهم. وهناك العديد من مؤسسات الرعاية الصحية التي تشعر بأنها تخسر أكثر مما تكسب من تطبيق هذه النظم الإلكترونية ومن إدراجها ضمن نطاق عملياتها. فعلى سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 2017، أعلن مركز إم دي أندرسون للسرطان بأنه سوف يسرح 900 موظف، أي ما يقارب 5% من قواه العاملة. وكان السبب من وراء هذه الخطوة وإلى حد كبير خسائره المالية التي عزاها إلى نظام السجلات الصحية الإلكترونية الجديد. وعلى نطاق أعم، لا تزال الجهود الرامية إلى إقناع مؤسسات الرعاية الصحية بتقاسم المعلومات متأخرة، تماماً مثل تأخر الجهود الرامية إلى تمكين مختلف النظم المعلوماتية من التواصل مع بعضها البعض، ما يتسبب ببقاء البيانات “عالقة” ضمن قواعد بيانات منعزلة عن بعضها البعض بجدران فاصلة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن تحسّن منصات الرعاية الصحية الجديدة من مستوى رعاية المرضى؟

واحد من الأسباب الأساسية التي تجعل السلبيات تطغى على الإيجابيات هو الطريقة التي تستخدم بها نظم المعلوماتية. فحتى تاريخ اليوم، كانت أولويات معظم مؤسسات الرعاية الصحية تتمثل في استبدال السجلات الورقية بسجلات إلكترونية، وتحسين عمليات الفوترة من أجل زيادة تحصيل الفواتير إلى الحد الأقصى. وعلى الرغم من أنّ الإيرادات قد ارتفعت نتيجة لذلك، إلا أنّ تأثير نظم المعلوماتية على التكاليف وتحسين جودة الرعاية السريرية كان متواضعاً ومقتصراً على تسهيل بعض الأنشطة، مثل إدخال الطلبات ضمن النظام لمساعدة المرضى في إجراء الاختبارات والحصول على الأدوية بسرعة وبدقة. ولم يكن هناك إلا عدد قليل نسبياً من المؤسسات التي أخذت خطوة هامة باتجاه تحليل الكم الهائل من البيانات الموجودة في قواعد بياناتها بهدف فهم مدى فعالية الرعاية التي تقدّمها. بعبارة أخرى، استعمل العديد من مؤسسات الرعاية الصحية نظم المعلوماتية كأداة لمراقبة العمليات والبروتوكلات “الحالية”؛ لكن قلة فقط منها استفادت من هذه النظم لتدرس إمكانية “تحسين” هذه العمليات والبروتوكولات – وإذا كان ذلك ممكناً، للتصرف بحسب المقتضى. وهذا سبب مهم يفسر ضعف النمو في الإنتاجية في قطاع الرعاية الصحية وكونه أقل من النمو المسجل في العديد من القطاعات والصناعات الأخرى (راجع الفقرة الجانبية التي تحمل عنوان “معاناة قطاع الرعاية الصحية من ضعف الإنتاجية”).

معاناة قطاع الرعاية الصحية من ضعف الإنتاجية

يجيد بعض القطاعات استعمال التكنولوجيا أكثر من القطاعات الأخرى، وإحصائيات إنتاجية العمّال تثبت ذلك. ففي حالة قطاع الرعاية الصحية في الولايات المتّحدة الأميركية، كان هذا القطاع ينمو بوتيرة أسرع من وتيرة نمو الاقتصاد الإجمالي، ولكن بما أنّ عدد الموظفين في قطاع الرعاية الصحية كان يسجّل تزايداً سريعاً فيما كان استعمال المعلوماتية متأخراً، فإن نمو الإنتاجية كان في حدوده الدنيا.

ضعف الإنتاجية

وبالتالي، كيف يمكن لمؤسسات الرعاية الصحية أن تحقق المكاسب الموعودة من استثماراتها الكبيرة والمتنامية في نظم المعلوماتية للمساعدة في تخفيض التكاليف وتحسين المحصلات التي يحصل عليها المرضى؟ فعلى الرغم من أنّ اهتماماً كبيراً كان قد أولي للمكاسب الطبية المحتملة من التكنولوجيات الجديدة مثل الفحوص العامّة غير الباهظة التكلفة، والذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء التي تراقب العلامات الحيوية باستمرار، إلا أنّ تركيزنا الأساسي ينصبّ على الطريقة التي تسمح للمؤسسات المعنية في تقديم الرعاية الصحية بتحقيق استفادة أكبر من استثماراتها الحديثة أو المزمعة مستقبلاً في نظم المعلوماتية المطبّقة على مستوى الشركة بأكملها.

تشير أبحاثنا المتعلقة بالطرق التي يمكن أن تساعد قطاع الرعاية الصحية في تقليد تجارب القطاعات الأخرى بأنّ مؤسسات الرعاية الصحية، وعوضاً عن أن تنظر إلى نظم المعلوماتية بوصفها أداة عمليات تساعد في الفوترة، والرصد، وضبط الأخطاء، فإنها يجب أن تتبنّى هذه النظم بوصفها أداة تساعد في إدخال تحوّل على طريقة تقديم الرعاية الطبية بحدّ ذاتها. ويستدعي هذا الأمر إعطاء الأولوية لتحسين الجودة على حساب خفض التكاليف، وتسهيل عملية جمع البيانات وتحسينها، وتحويل البيانات إلى معلومات يمكن للممارسين الطبيين الاستفادة منها في اتخاذ الإجراءات المطلوبة، ووضع نماذج تشغيلية وتجارية جديدة. وقد اكتشفنا بأنّه على الرغم من كون أعداد هائلة من مؤسسات الرعاية الصحية تسير في هذا الاتجاه، إلا أنّ غالبيتها لا تُدْخِلُ التغييرات الكلية والشاملة المطلوبة لإحداث التحوّل المنشود.

تحسين الجودة

في المراحل التاريخية السابقة، كان تبنّي نظم المعلوماتية الخاصة بالرعاية الصحية وإدارتها متروكين لمدير المعلوماتية في المؤسسة وغيره من الموظفين التقنيين. وهذا خطأ. فقد أثبت عدد كبير من المؤسسات – من قبيل مركز بوسطن الطبي ونظام غايسينغر الصحي في بنسلفانيا، وإنترماونتين، ومايو كلينك، ولانغون هيلث في جامعة نيويورك (إن واي يو) – بأنّ نظم المعلوماتية الخاصّة بالرعاية الصحية لا تكون فعّالة إلا عندما يعمل جميع أعضاء المؤسسة على تسخير قدراتها الكامنة. (وهنا وعلى سبيل الإفصاح نقول بأن أحد المؤلفين، وهو روبرت هاكمان، قد درّس في برامج تعليمية خاصّة بالمدراء التنفيذيين في اثنتين من المؤسسات المذكورة في هذه المقالة، ألا وهما إنترماونتين هيلث كير ومستشفى برغهام آند ومنز، وهما مملوكان من ذات الشركة الأم ألا وهي مستشفى ماساتشوستس العام).

هناك جهتان أساسيتان من خارج نطاق الموظفين التقنيين – وتحديداً القيادة العليا والموظفون الطبيون – يجب أن تؤديا دوراً أساسياً. فالقادة يُعتبرون أساسيين وحاسمين لأنه يتعيّن عليهم دفع الموظفين الطبيين إلى تبنّي القضية من خلال إقناعهم بأنّ الاستعمال الفعال للمعلوماتية (تكنولوجيا المعلومات) هو أمر حيوي لضمان تقديم خدمة بجودة أرفع. فقد قادت الحاجة الملحة إلى التقليل من تكاليف الرعاية الصحية العديد من القادة إلى الانهماك في تحقيق هذا الهدف. لكن الواقع المبشر يبيّن أنّ تحسين العمليات السريرية يمكن أن يسهم في تخفيض التكاليف وتحسين الجودة في الوقت ذاته، وسوف نناقش لاحقاً ما هو المطلوب لاستعمال نظم المعلوماتية لتحقيق ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف تغذي السجلات الطبية الإلكترونية الابتكار والإبداع في مجال الرعاية الصحية؟

إنّ التعهد بتحسين الجودة يجب أن يتعدى كونه مجرد كلمات؛ بل يجب أن يُترجم إلى ممارسات ملموسة. وهذا بالضبط ما فعله نظام غايسينغر، مثلاً. فقد حوّل نظم المعلوماتية لديه إلى جزء من استراتيجية أوسع لتقديم نوع من “الكفالة” لمن يخضعون للعمليات الجراحية؛ فإذا ما ظهرت اختلاطات خلال 90 يوماً من إجراء العمل الجراحي، فإنّ المريض لا يتحمل أي تكلفة إضافية مقابل معالجة المشكلة. وبدأ الأمر مع مجازة الشريان التاجي (CABG)، حيث قام فريق من الموظفين الطبيين بتطوير بروتوكول مؤلّف من خمس مراحل يبدأ عند التشخيص ويمتد طوال فترة الكفالة. وقد حدد الفريق بادئ الأمر 40 مبدأً إرشادياً مُسنداً بالبراهين جرى إدماجها بعد ذلك، وفقاً لدراسة حالة أجراها صندوق الكومنولث، ضمن نظام السجلات الصحّية الإلكترونية من خلال “صيغ نموذجية ومجموعات أوامر ورسائل تذكير”، ما رفع نسبة الالتزام من 59% إلى 100%. وعلاوة على ذلك، فقد حسّن نظام المعلوماتية المتكامل التواصل بين مختلف الموظفين الطبيين (بما في ذلك الأطباء الممرضين من ذوي الخبرة المتقدّمة) من أجل تنسيق الرعاية المقدّمة إلى المريض. وقد كانت النتائج هامة: فقد تراجعت نسب الوفيات في مرحلة ما بعد العمل الجراحي بمقدار الثلثين، فيما انخفض الإنفاق على العناية الحادّة اللاحقة بما يقارب 50%، وحصل تحسّن فعلي في الربحية الإجمالية لخدمات الجراحات القلبية. وبفضل نجاح برنامج مجازة الشريان التاجي، فقد وُسّع النموذج ليشمل 14 حالة سريرية أخرى، إضافة إلى الرعاية الأولية، مع التركيز على أصحاب الأمراض المزمنة.

كما دعم مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك أقواله المتعلقة بالتحسين بأفعال ملموسة. فعندما تولّى الدكتور روبرت غروسمان منصب الرئيس التنفيذي للمركز، ومن ثم عميد كلية الطب في جامعة نيويورك في عام 2007، كانت مبادرته الرئيسية الأولى هي إدماج نظم المعلومات المختلفة في الكلية ضمن تجمع واحد للبيانات لكل من المستشفى وكلية الطب. وقد شدّد على أنّ السبب في ذلك هو تقويم أداء النظام في مجال الجودة مقارنة بالمقاييس الخارجية، ودعم إدخال التغييرات على سير الأعمال الإدارية والسريرية. وقد زادت المعلومات الناجمة عن ذلك من استعداد رؤساء الأقسام والمسؤولين الإداريين لتحدي المعايير السائدة، وتصميم التحسينات وتطبيقها. فعلى سبيل المثال، أجبرت الحاجة إلى إنشاء حقول للبيانات في نظام المعلوماتية المعنيين على خوض النقاش بخصوص تعريف “التميّز” وتحديد الطرق الفضلى لتقويم أثر موظفي الخطوط الأمامية.

في العام 2016، تلقّى مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك عدّة جوائز وطنية في مجال الجودة، وأدرج ضمن أهم 10 مستشفيات في الولايات المتحدة على قائمة (U.S. News & World Report) إلى جانب كل من مايو كلينيك، وكليفليند كلينك، ومستشفى ماساتشوستس العام. وقد كان أداء المستشفى المالي ملفتاً هو الآخر: فبين العامين 2007 و2015، زادت الإيرادات من الزبائن بأكثر من الضعف.

لقد بات مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك يحقق أكثر من 220 مليون دولار على شكل أرباح تشغيلية، في حين يزيد هامش ربحه على 9%. والملفت في الأمر، هو أن كل من نظام غايسينغر ومركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك وجدا بأنّ تحقيق أهداف الجودة لم يأت على حساب الأداء المالي. لا بل أنّ هذا الأداء قد تحسّن.

تسهيل عملية جمع البيانات وتحسينها

إنّ امتلاك بيانات ذات جودة رفيعة في الوقت المناسب هو أمر أساسي لتتبع مدى التحسن في المحصلات وقياسها. ومع ذلك، فإن طرق جميع البيانات التي تستخدمها معظم مؤسسات الرعاية الصحية ليست على قدر المسؤولية، وترخي بظلالها على الشؤون الإدارية، وغالباً ما تقود إلى إنتاج أخطاء.

من المستحيل تقريباً أن تتحدث إلى مجموعة من الممارسين الطبيين دون أن ينتقل الحديث بسرعة إلى مهمة جمع المعلومات الطبية وإدخالها ضمن نظام المعلوماتية الجديد وكيف أنها تستهلك قدراً كبيراً من الوقت. وقد توصلت دراسة للزمن والحركة منشورة في مطبوعة “حوليات الطب الداخلي” عام 2016 إلى أنّ الأطباء يقضون ساعة أو ساعتين كل ليلة بعد انقضاء ساعات عملهم وتحديداً لإنجاز المهام المتعلقة بالسجلات الصحية الإلكترونية (EHR). ويُسهم هذا العبء الإضافي الذي يُضاف إلى الحمل الثقيل الملقى على كاهلهم أصلاً في استمرار حالة الإنهاك التي يعاني منها الأطباء في الولايات المتحدة. وتُظهرُ الدراسات بأنّ هذه المشاكل جلعت الأطباء يلجؤون إلى طرق مختصرة مثل نسخ الملاحظات ولصقها والنقر السريع على الإنذارات والإشعارات التي تظهر على الشاشة، ممّا يهدّد جودة البيانات المجمّعة.

يتمثّل أحد التوجّهات السائدة في نقل وظيفة جمع المعلومات من الممارسين الطبيين إلى المرضى. وفي نهاية المطاف، يجب أن يكون الهدف هو الانتقال إلى جمع البيانات بطريقة غير مباشرة حقّاً.

وتجاوباً مع هذا الأمر، توظّف مؤسسات كثيرة الآن موظفين إداريين طبيين لإدخال المعلومات ضمن نظم السجلات الصحية الإلكترونية نيابة عن الأطباء. ومع ذلك، فإنّ غرابة وجود طرف ثالث في غرفة الفحص – ناهيك عن التكلفة الإضافية – تجعل الاستعانة بالموظفين الإداريين الطبيين أمراً مثيراً للجدل. وعلاوة على ما سبق، فإنّ معلومات المرضى المجمّعة والمدخلة في النظام بهذه الطريقة معرّضة للخطأ.

فما هو الحل؟ يتمثّل العلاج في تحويل عملية جمع البيانات من “حدث” يستغرق وقتاً وربما يُنجز بطريقة خاطئة إلى حدث يجري “في الخلفية” أثناء تفاعل الممارسين الطبيين والمرضى مع بعضهم بطريقة طبيعية. هذا ويُقدم قطاع تجارة التجزئة مثالاً عما هو ممكن. فخلال العقود القليلة الماضية، شهد قطاع التجزئة حصول تحوّلين كبيرين فيما يخص شخصية من يجمع البيانات وطريقة جمعها. ومن الأمثلة على ذلك عملية الدفع النهائي أثناء الخروج من المتجر. فقد أعتاد موظفو الصناديق على إدخال سعر كل غرض ضمن سجل الأموال النقدية. لكن إدخال الماسحات الضوئية (السكانر) الخاصة بنظام الباركود قلّل كثيراً من الزمن الذي يحتاجه موظفو الصناديق لإنجاز هذه المهمة، وقلل من الأخطاء في عملية إدخال البيانات وأدخل تحسيناً هائلاً على عملية إدارة المخزونات. وفي مرحلة لاحقة، بات بمقدور الزبائن إجراء المسح الضوئي للأغراض التي يرغبون بها بأنفسهم. وها هي شركة أمازون تنقل الأمور خطوة إضافية من خلال تطبيق تجربة المتاجر الفعلية (أمازون غو)، التي تقضي على فكرة طوابير بالكامل. فعوضاً عن ذلك، يعتمد نظام جمع البيانات غير المباشر على رؤية الكمبيوتر، وخوارزميات التعلّم العميق، والمستشعرات التي تقرأ تلقائياً ما هو موجود في سلال التسوّق التي يحملها المتسوّقون أثناء خروجهم من المتجر. وتجري شركات تجزئة أخرى، مثل كروغر وآبل، تجارب على نماذج مشابهة.

وفي قطاع الرعاية الصحية، بدأ تحول مشابه لكنه يتحرك ببطء. ويتمثّل أحد التوجهات في نقل وظيفة جمع المعلومات من الممارسين الطبيين إلى المرضى. فعلى سبيل المثال، بعد أن يتفق طبيب الرعاية الصحية الأولية مع المريض على تطبيق هدف طبي معين مثل تخفيف مستويات ضغط الدم أو نسبة سكر الدم، يمكن لهؤلاء المرضى إدخال هذا الهدف وما يرافقه من خطّة علاجية ضمن واحد من التطبيقات الإلكترونية المخصصة للمراقبة الصحية والتي توفّرها مجموعة من الشركات. يقوم المرضى بعد ذلك بقياس نشاطهم ومعلوماتهم السريرية بصورة دورية عبر التطبيق الإلكتروني والإبلاغ عنها. وفي بعض الحالات، تُنقل البيانات التي يجمعها المريض تلقائياً إلى طبيبه. ومن الأمثلة على ذلك برنامج الطب الرقمي لضغط الدم المرتفع الذي طوره نظام أوشسنر الصحي. فمن خلال تكنولوجيا الهواتف الذكية، تنقل قراءات ضغط الدم التي تستند إلى قياسات يقوم بها المرضى في مكان بعيد مباشرة إلى نظام السجلات الطبية الإلكترونية لدى أوشسنر، ممّا يسمح للأطباء بمراجعة البيانات بين الزيارات وإدخال تصويب على مسار الخطة العلاجية للمريض. وفي تجربة مضبوطة أوردتها المجلة الأميركية للعلوم، تمكّن 71% من المرضى من تخفيض معدلات ضغط الدم لديهم إلى النطاق الطبيعي خلال 90 يوماً، مقارنة مع 31% في مجموعة الضبط. وقد قال المرضى الذين يستعملون برنامج الطب الرقمي لضغط الدم بأنهم أكثر رضاً بنسبة 10% عن الرعاية الصحية التي يتلقونها.

وفي نهاية المطاف، يجب أن يكون الهدف هو الانتقال إلى جمع البيانات بطريقة غير مباشرة حقاً. ويستعمل بعض الرواد هذه الطريقة غير المباشرة في جمع البيانات لتتبع المسائل التشغيلية المرتبطة بسير العمل وتعبئة الموارد. فقد طوّر مستشفى مايو كلينيك نظاماً للتتبع الآني يعتمد على مستشعرات تعمل بالأمواج الراديوية لتعقب الموظفين والمرضى والتجهيزات في قسم الإسعاف. وقد سمحت هذه البيانات للقسم في تكوين فهم أفضل للرعاية المقدمة وتحديد العوائق التشغيلية وإصلاح المشاكل التي تخص سير العمل. بعد ذلك استفاد المستشفى من هذه المعلومات لوضع أنظمة للجمع التلقائي للمقاييس التي تخص جودة العملية (مثل الزمن الفاصل بين تسجيل المريض لدى سكرتاريا قسم الإسعاف وبين وضعه في السرير وعرضه على الطبيب) وإرسال تلك المعلومات تلقائياً إلى الوكالات الحكومية والجهات الناظمة. (انظر مقالاً بعنوان “نظام التتبّع الآني بمستشعرات الأمواج الراديوية يحسّن الرعاية الطبية في المشافي” على موقع هارفارد بزنس ريفيو hbr.org).

وعلى المنوال ذاته، فقد بنى المركز الطبي في جامعة روش في شيكاغو عيادة جديدة للمرضى الخارجيين مزودة بمستشعرات نظام التتبع الآني في كل غرفة ولدى كل موظف طبي ومريض وجهاز طبي، حيث ينبّه النظام الموظفين عندما يغادر مريض سريره أو غرفة المعاينة، ما يُلغي الحاجة إلى قيام مدير العيادة بإبلاغ موظفي التنظيف بأن الغرفة بحاجة إلى تنظيف، ويحول دون اقتحام خصوصية المريض الذي ربما لا يكون قد ارتدى ملابسه بعد عقب انتهاء المعاينة. ربما يكون الوقت الموفّر في حالة كل مريض قليلاً نسبياً، وقد لا يتجاوز الدقيقة الواحدة. ولكن على مدار يوم كامل، يسمح الوقت المُوفّر للموظفين الطبيين برؤية المزيد من المرضى، الأمر الذي يسهم في تحسين الإنتاجية.

ومع مرور الوقت، وعندما تصبح هذه التكنولوجيات المخصصة لجمع البيانات بطريقة غير مباشرة أقل تكلفة، وعندما يصبح الموظفون الطبيون والمرضى أكثر ارتياحاً في التعامل معها، فإن المكاسب المتحققة منها سوف تزداد. وهذا الأمر سوف يساعد المؤسسات على تبرير تكلفة هذه التكنولوجيا وسوف يسهّل التغلّب على العوائق مثل المخاوف الموجودة لدى الموظفين من كونهم خاضعين للمراقبة الدائمة.

تحويل البيانات إلى معلومات تفيد في اتخاذ إجراءات فعلية

إنّ إقناع الموظفين الطبيين بالتفاعل مع نظام معلوماتية جديد – وتخفيف عبء هذه العملية عن كاهلهم – ليس إلا نصف المعركة. كما أنّ تحويل البيانات المجمعة إلى معلومات تفيد في اتخاذ إجراءات فعلية هو أمر حيوي أيضاً، ويحتاج إلى دعم من القيادة العليا. تتمثّل واحدة من أهم المهام الأساسية بالنسبة لأي قائد في وضع التوقعات الخاصة بكيفية هيكلة النظام. ونحن لا نتحدث هنا عن المواصفات الفنية، وإنما عن المبادئ الإرشادية المؤسسية والثقافية لاستعمال البيانات لدعم الأنشطة المرتبطة بالرعاية اليومية.

تتمثل واحدة من الخطوات الأساسية في إنشاء مخزن للبيانات الأساسية للمؤسسة، ومساعدة الموظفين الطبيين على فهم أهميته. ففي معرض محاولة غروسمان لأن يشرح لموظفي مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك أهمية تطبيق النظام المعلوماتي، شدد على قيمة امتلاك مصدر وحيد للحقيقة ضمن المنشآت الخاصة بالمرضى الداخليين، ومراكز المرضى الخارجيين، وكلية الطب. وفي خضم تطوير مخزن البيانات، أُجبرت أطراف عديدة في مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك ممن كانت تعمل سابقاً على حماية مواقعها ومعلوماتها على التعاون مع الآخرين. وقد انتهت النزاعات التي كانت تنشب لتحديد المصدر الأدق للبيانات من بين عدة مصادر، بينما تمكّن غروسمان من إقناع رؤساء الأقسام بالبدء باستعمال أدوات مثل لوحات التحكم بالبيانات لتقويم الممارسات الناجحة (وغير الناجحة) في مختلف الأقسام. ومع مرور الوقت، وعندما أصبحت المكاسب الناجمة عن تزايد الشفافية أوضح، تراجعت حالة التشكيك التي كانت موجودة لدى المسؤولين الطبيين في بادئ الأمر بخصوص نجاعة النظم المعلوماتية. فقد أصبحت الأقسام تتلقى بيانات خاصة بمقاييس الجودة المسجلة في الأقسام الزميلة ضمن مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك (مثل معدلات الأمراض المكتسبة في المستشفى في مختلف أقسامه، وفترة بقاء المريض في المستشفى، وغيرها)، ما سمح لهذه الأقسام بأن تقرر كيف يجب عليها أن تغيّر سير العمل فيها.

إضافة إلى دور كبار القادة في التشجيع على تطوير البنية التحتية الضرورية للبيانات، يجب عليهم أيضاً أن يساعدوا في وضع رؤية تخص كيفية استعمال البيانات المُجمّعة لتحسين الإنتاجية. ففي العديد من الحالات، قد يشمل السير في اتجاه تحقيق الرؤية دعم إنشاء مقاييس جديدة بالكامل للأداء. يُعتبر مقياس (Sabermetrics)، كما يُعرف بالإنكليزية، وهو عبارة عن عملية تحليل حسابي لبيانات لعبة البيسبول (كرة القاعدة) مثالاً يبيّن كيف يمكن للمقاييس الجديدة – والتكنولوجيات المخصّصة لجمع المعلومات المتعلقة بها وتحليلها – أن تُحدث ثورة في قطاع معيّن. وتشمل هذه الآلية قياس الجوانب الخاصّة بأداء اللاعبين الأفراد واحتساب حجم مساهماتهم في النتائج التي يتوصّل إليها الفريق. في بادئ الأمر، كانت عملية جمع البيانات مُرهِقة ومُتعبة. وبعد أن وجد الرواد الذين صمموا هذا المقياس من يحتضنهم في النوادي الكبيرة، جرى تطوير مخازن للبيانات بهدف تسهيل عملية الجمع والتحليل. ومنذ العام 2015، رُكّبت كاميرات ذات دقة عالية ورادارات خاصة في جميع الملاعب لالتقاط المعلومات التي كان تتبّعها سابقاً عملية صعبة، مثل السرعة والتسارع، بهدف تحديد مهارات اللاعب الدفاعية كمياً. وهذا بدوره قاد إلى إنشاء مقياس جديد تماماً أصبح هو المعيار الأساسي والشامل لتحديد قيمة أي لاعب بالنسبة للفريق.

وبالمقارنة مع القطاعات الأخرى، فإنّ قطاع الرعاية الصحية يُعتبر في المراحل المبكرة نسبياً من تطبيق علم تحليل البيانات الضخمة. لكن مستقبله يبدو واعداً. فعلى سبيل المثال، لجأت مجموعة صغيرة ولكن متنامية من المؤسسات المعنية بالرعاية الصحية إلى بناء أنظمة معقّدة تسهّل تكوين فهم أعمق للتكاليف، وتشكّل مثالاً واضحاً وسريعاً يبين كيف يمكن للابتكارات في مجال تقديم الرعاية الصحية أن تحسّن النتائج والتكاليف في الوقت ذاته. وقد كانت شركة إنترماونتين رائدة في هذا الميدان، لكن الشركات الأخرى تسير على خطاها. فقد أنشأت جامعة يوتا نظاماً لقاعدة بيانات تضم 200 مليون معلومة خام يمكن أن تسهم في تقديم معلومات بخصوص مجموعة من المقاييس التشغيلية الرئيسة مثل تكلفة الدقيقة الواحدة في غرفة الإسعاف. وبحسب مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز، فإنّ المؤسسة استفادت من هذه المعلومات لتغيير سير عملياتها التشغيلية، وتقليل التكاليف بنسبة 0.5% سنوياً خلال السنوات القليلة الماضية، في حين بلغ المعدل الوسطي للزيادة السنوية في تكاليف المراكز الطبية الأكاديمية الأخرى في منطقة عملها 2.9%.

يتمثّل أحد الاستعمالات الهامة الأخرى لتحليل البيانات الضخمة في تحديد التفاوت غير الضروري في المعالجة. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك مركز كريستال رن للرعاية الصحية في نيويورك، وهو عبارة عن عيادة طبية متعددة الاختصاصات يمتلكها مجموعة من الأطباء. فقد رغب هذا المركز في وضع معالجة قياسية (معيارية) لـ 15 مرضاً مشخّصاً شائعاً بين صفوف مرضاه. وكما ذكرت مطبوعة الشؤون الصحية “هيلث أفيرز”، فإنّ المؤسسة حسبت أولاً التكلفة السنوية الإجمالية للمريض الواحد – مقسمة بحسب رسوم الاختصاصيين والمخبر وقسم الأشعة والجراحات – ثم أجرت مراجعة لتكلفة الرعاية الصحية بين مختلف الأطباء بحيث يمكن لكل واحد من هؤلاء الأطباء أن يجري مقارنة بينه وبين زملائه في كل بعد من الأبعاد. وبعد أن حصل مركز كريستال رن على هذه المعلومة، تمكّن من تحليل التفاوت الموجود، وقرر السبب الأساسي الكامن وراء ذلك، وطبّق بعض الممارسات الجديدة. وخلال عام واحد، تراجع التفاوت في العلاجات المقدّمة في 14 من أصل 15 مرضاً مشخّصاً، ما ساعده في توفير أكثر من 4 ملايين دولار. وبحسب تقديراتنا، فإنّ هذا الرقم مثّل أكثر من 10% من التكاليف الطبية لمركز كريستال رن.

كما تمنح نظم المعلوماتية الفرصة لمؤسسات الرعاية الصحية لاستعمال التحليل التنبئي للبيانات لتوجيه عملية اتخاذ القرارات المستقبلية الخاصة بالشؤون السريرية والتشغيلية. هذا ويجري تطوير النماذج التنبئية في “الطب الدقيق” للربط بين بعض الطفرات الوراثية المعينة وبعض الأشكال المحددة للعلاج. فعلى الرغم من أنّ أوسع انتشار لاستعمال الطب الدقيق كان في علاج السرطان واشتهر بسببه، إلا أنّه بات الآن يُطبق في مجموعة أوسع من التخصصات. فعلى سبيل المثال، يمكن لاختبار “GeneSight” (كما يُسمّى بالإنكليزية) أن يحسّن معالجة مرض الاكتئاب من خلال استعمال المعلومات الجينية للمريض للتنبؤ بالاستجابة المتوقعة لـ 26 دواء متاحاً للعلاج النفسي.

كما يمكن للمؤسسات المتخصصة بالرعاية الطبية أن تستعمل التحليل التنبئي للبيانات لاتخاذ قرارات تشغيلية أفضل تتعلق بعملية تخصيص الموارد، وتحديد سلّم الأولويات للابتكارات السريرية. فعلى سبيل المثال، حدد المستشفى العام في ماساتشوستس مجموعة المرضى ذوي المخاطر العالية ووضع برنامجاً علاجياً استباقياً لهذه الفئة من المرضى. فماذا كانت النتيجة؟ تراجعت نسبة إدخال هؤلاء المرضى إلى المستشفى بنسبة 20%، وهبطت نسبة زياراتهم إلى قسم الإسعاف بمقدار 13%، بينما تراجعت نسبة التكلفة السنوية للعناية بهم 7% على مدار ثلاث سنوات. وحصل تحسن في نسبة الوفيات ورضا الأطباء وتجربة المرضى.

إضافة إلى الحصول على الأجهزة والبرمجيات الضرورية، يجب على القادة الاستثمار في موظفين متفرّغين للعمل على نظم المعلومات وعمليات تحليل البيانات الضخمة.

وعلى المنوال ذاته، فقد استعمل مركز بوسطن الطبي نظام المعلوماتية الخاص بالرعاية الصحية والذي يستخدمه ليتنبأ بتوقيت احتمال حصول تزايد كبير في الطلب ضمن وحدات المرضى الداخليين. وقد قدّرت هذه الأداة المستخدمة عدد عمليات تخريج المرضى المطلوبة خلال 24 ساعة من خلال إدراج المعلومات الخاصة بالطلب الحالي في قسم الإسعاف والطلب المتوقع في اليوم التالي، والحالات الجراحية التي تتطلّب سريراً للمرضى الداخليين في اليوم التالي والسعة الحالية للأسرة والأطباء. وخلال العام الأول من تطبيق هذه الأداة، حصل تراجع بنسبة 50% تقريباً في أعداد “الإنذارات الصفراء”، وهي الإنذارات التي تصدر عندما لا تكون هناك قدرة كافية على استيعاب الطلب.

يبدو أنّ النماذج التنبئية تمتلك القدرة على أن تصبح ذات فائدة أكبر، وهذا الأمر قد يحصل قريباً. فمع حصول توسّع في عملية معالجة اللغة الطبيعية، وفي التعلّم الآلي، سوف تتّضح آراء إضافية من هذا الكم الهائل من البيانات المتاحة في نظم المعلوماتية الخاصة بالرعاية الصحية. (انظر مقالاً بعنوان: “تقنيات التعلم الآلي والتنبؤ بأمراض القلب والسكري” على موقع هارفارد بزنس ريفيو العربية)

صياغة نماذج تشغيلية وتجارية جديدة

في تقرير صدر عام 2012 بعنوان “رعاية أفضل بتكلفة أقل: الطريق إلى التعلم المستمر في مجال الرعاية الصحية في أميركا” سلّط معهد الطب الضوء على الطرق المتاحة للاستفادة من المعلوماتية بهدف تحسين نظام الرعاية الطبية في أميركا. وبعد مرو خمس سنوات، ها هي التوصية الأولى المطالبة بإنشاء بنية تحتية رقمية لتسجيل البيانات السريرية والمالية وتلك الخاصة بعملية الرعاية تقترب من الاكتمال.

أما التوصية الثانية التي تقدّم بها معهد الطب فتمثّلت في إتاحة البيانات للموظفين الطبيين عندما يكونون في طور اتخاذ قرار حول كيفية معالجة المرضى. وهذا الأمر ينفذ بطريقة مشتتة نوعاً ما. فعلى سبيل المثال، دخلت شركة إنترماونتين في شراكة مع شركة كارنر لإنشاء نظام مرن للدعم السريري يعتمد على أحدث المعارف المتاحة. ولتسهيل الحصول على المدخلات الصحيحة، تعمل فرق التطوير السريري في إنترماونتين على الرصد الدائم للمبادئ الإرشادية للممارسات المُسندة في مختلف الاختصاصات وترجمتها إلى أدوات في نُظم المعلوماتية تساعد الموظفين الطبيين في عملهم.

وإضافة إلى الحصول على الأجهزة والبرمجيات الضرورية، يجب على القادة إدخال التغييرات المكملة في النماذج التشغيلية والتجارية بهدف توليد القيمة والاستفادة منها. ويتمثّل واحد من الأشياء التي تحظى بالأهمية القصوى في الاستثمار في موظفين متفرغين للتعامل مع نظم المعلوماتية وتحليل البيانات الضخمة، وهم عبارة عن أفراد توكل إليهم مهمة إدارة نظم المعلوماتية وتحليل البيانات الموجودة فيها. فبعد أنّ ركّب مركز بوسطن الطبي نظامه الخاص بالسجلات الصحية الإلكترونية، زاد أعداد موظفيه الدائمين في قسم المعلوماتية بأكثر من 40% لإدارة نظام المعلوماتية وتوسيعه. كما وسع فريق الاستراتيجية لديه إلى سبعة موظفين دائمين مهمتهم هي استخلاص المعلومات من الكم الهائل من البيانات. وتعمل هذه المجموعة على إجراء الاستقصاءات وتنسيق الاستجابات للتحدّيات التشغيلية الأساسية، بما في ذلك إدارة عملية توزيع الأسرة على المرضى الداخليين، والتقليل من نسب إعادة إدخال المرضى إلى المستشفى. وقد تمكّن المركز من توفير ملايين الدولارات والتي تتجاوز بأشواط تكاليف تعيين هؤلاء الموظفين المتفرّغين.

كما أنّ هناك حاجة إلى فرق من الموظفين السريريين المتخصصين لترجمة الاستنتاجات المستقاة من هذه التحليلات إلى طريق أفضل لتقديم الرعاية. فعلى سبيل المثال، شملت جهود مركز بوسطن الطبي الرامية إلى التقليل من “الإنذارات الصفراء” إعادة تصميم فريق ضبط الأسرة، وهو عبارة عن مجموعة من الموظفين والمدراء الميدانيين الذين يتتبعون الطلب الحالي من المرضى الداخليين وتقويم الطلب المحتمل في اليوم التالي. وكان أعضاء الفريق في الأساس يدخلون البيانات ضمن ملف إكسل بسيط واحد؛ أما الآن فقد باتوا قادرين على اتخاذ مجموعة من الإجراءات – مثل إضافة موظفي دعم، وتوجيه إشعارات إلى الوحدات الطبية، وإتاحة المزيد من الأسرّة – بناءً على البيانات والتحليلات المأخوذة من نظم المعلوماتية الخاصة بمركز بوسطن الطبي.

كما أنّ البيانات التي يمكن لنظم المعلوماتية القوية أن توفّرها تؤدّي دوراً حاسماً في ضمان الحصول على الدعم من الموظفين الطبيين لأي تغييرات في سير العمل. فعلى سبيل المثال، عندما طرح غروسمان أول نظام تحكم على مدراء العيادات في مركز لانغون هيلث في جامعة نيويورك قوبل بالتذمر بخصوص جودة البيانات ومدى اتساقها. وعوضاً عن أن يسمح لهذا الأمر بأن يعيق المشروع ويشكل ضغطاً عليه، ألقى الكرة في ملعب هؤلاء المدراء، قائلاً لهم أنهم إما أن يعملوا على نظام المعلوماتية هذا لإصلاح البيانات أو أن يقبلوا النتائج. وفي نهاية هذه العملية، اعتبرت البيانات المصدر الوحيد للحقيقة في جميع أرجاء المركز الطبي، والأساس الذي بنيت عليه الجهود المستقبلية في مجال تحليل البيانات الضخمة. وقد سهّل ذلك على المؤسس تتبّع المقاييس بشكل متّسق. وتساعد لوحات التحكّم الآن مدراء العيادات في العمل مع الموظفين الميدانيين لتطبيق التداخلات الرامية إلى تحسين عملية تقديم الرعاية، وتتبّع ما هو ناجح وما هو فاشل، وإقناع الموظفين الطبيين العنيدين بتبنّي البروتوكولات الجديدة، والتقليل من التفاوت في الممارسات العلاجية.

وإضافة إلى هذه التغييرات المدخلة على القوى العاملة وعمليات التشغيل، يجب على مؤسسات الرعاية الصحية أن تعيد النظر في نماذجها التجارية من أجل الحصول على القيمة القصوى من استثماراتها في النظم المعلوماتية. فواحد من الاستنتاجات التي جرى التوصل إليها بناء على تحليل المعلومات في مركز بوسطن الطبي هو أن بعض المرضى الداخليين كانوا بحاجة إلى رعاية طبية في مجال إعادة التأهيل وهو أمر باهظ التكلفة داخل المستشفى ومن الأفضل تقديمه في مراكز مخصصة لإعادة التأهيل. لكن نقل هؤلاء المرضى إلى مرافق خارجية، لم يكن بالأمر السهل: فموقع مركز بوسطن الطبي كمستشفى يشكل شبكة أمان في بوسطن كان يعني أنّ العديد من الناس الذين كان المركز يسهر على خدمتهم يفتقرون إلى تغطية تأمينية لخدمات إعادة التأهيل. ومع ذلك، فقد كان واضحاً بأنّ الإبقاء على مريض يحتاج للحصول على خدمات إعادة التأهيل لم يكن أمراً غير ملائم لصحة المريض فحسب؛ وإنما كان أيضاً يحد من قدرة مركز بوسط الطبي على استقبال أفراد آخرين كانوا بحاجة إلى أسرة داخل المستشفى كمرضى داخليين. وبناء عليه، فقد قرر المستشفى دفع تكاليف علاج المرضى غير المشمولين بالتغطية التأمينية في مؤسسة خارجية متخصصة بإعادة التأهيل. وقد كان هذا الحل مفيداً للجميع: فقد حصل مرضى إعادة التأهيل على رعاية أنسب، في حين فاقت الإيرادات التي حصل عليها المستشفى من المرضى الإضافيين الذين كانوا يحتاجون إلى عناية فائقة التكاليف التي ترتّبت عليه جراء تغطية علاج مرضى إعادة التأهيل في الخارج.

يُعتبر التغير في النموذج التجاري لمركز بوسطن الطبي فيما يخص مرضى إعادة التأهيل جزءاً من تحول أوسع في الولايات المتّحدة بعيداً عن نموذج الخدمة المجانية السائد على نطاق واسع (والذي لا يحصل بموجبه الموظفون الطبيون على أجورهم إلا عند فحص المريض في العيادة، أو عند قبول مريض في المشفى، أو إجراء اختبار أو جراحة) والانتقال إلى نظام مدفوعات يعتمد على القيمة يمنح مؤسسات الرعاية الصحية مبلغاً ثابتاً مقابل كل مريض لفترة محدّدة أو لجولة رعاية محدّدة. وقد باتت المؤسسات العامّة والخاصّة جزءاً من هذا التحول. فوجود نظام معلوماتي متقن الأداء يزود الموظفين الطبيين بما يحتاجونه لتحسين جودة الرعاية الصحية التي يقدّمونها ولفهم التكاليف وضبطها يمكّنهم من المبادرة لقبول هذه الترتيبات مع الدافعين – أو حتى اقتراحها.

فعلى سبيل المثال، كان لنظام المعلوماتية المعقد في شركة إنترماونتين دور حاسم في تطوير نموذج تجاري يستند إلى فئات مختلفة من المستفيدين، ويعتمد على مبدأ التعويض بناء على القيمة. يتمثّل أحد عناصر هذا النموذج في بوليصة التأمين الصحي التي يوفّرها للشركات الكبيرة وهي عبارة عن عقد لثلاث سنوات يحدّ من الزيادة في الأقساط بحيث تساوي مؤشر أسعار المستهلكين مُضافاً إليه نقطة مئوية واحدة، وهذا أدنى بكثير من الزيادات التي كانت تسجّل تاريخياً. وبما أنّ نسبة أكبر من قاعدة زبائنها باتت تتحول نحو نماذج من هذا القبيل، فإن إنترماونتين سيصبح لديها حافز أكبر للاعتماد بقدر أكبر على الاستثمارات الهائلة التي وضعتها في نظم المعلوماتية، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير البروتوكولات، والتغييرات في سير العمل، بهدف تحسين جودة عملية تقديم الرعاية الصحية والتخفيف من تكلفتها.

يتحدّث صنّاع السياسات والاقتصاديون على الدوام عن “زيادة الانحناء في المنحنى البياني للتكلفة” في الرعاية الصحية – أي تحويل نظام متضخم ومفعم بالهدر ينمو بوتيرة أسرع من وتيرة نمو الاقتصاد إلى نظام يُنفق أقل وينمو بوتيرة أبطأ. وقد رأينا كيف أسهمت نظم المعلوماتية في زيادة الانحناء في المنحنى البياني للتكلفة في العديد من القطاعات. وتشير أبحاثنا إلى أنّ الأمر ذاته يمكن أن يصحّ في قطاع الرعاية الصحية، وهناك جيوب من النجاح يمكن بوضوح الإشارة إليها. لكن العمل الضروري هو مجرد البداية فقط.

هناك مشاكل كبيرة في البنية التحتية لنظم المعلوماتية يجب التغلّب عليها. فالعديد من نظم اليوم لا تزال تتمتع بصرامة مفرطة: فليس من السهل تعديلها لتناسب حاجة المستخدم، أو إدخال المعلومات الدقيقة فيها أو مواصلة تحديثها لإدراج البروتوكولات السريرية الجديدة. وعلاوة على ما سبق، فإن الأنظمة المختلفة لا تستطيع تبادل المعلومات، ما يصعّب إنشاء سجل صحي يحتوي على التاريخ الطبي الكامل للمريض، ويمكن لأي موظف طبّي في أي مؤسسة صحية أن يصل إليه. ويُعتبر غياب تبادل المعلومات عائقاً يحول دون تجميع الكميات الهائلة من بيانات المرضى المغفلة الاسم والمطلوبة للعثور على طرق جديدة لمعالجة الأمراض.

بالإضافة إلى التغلب على هذه التحدّيات التكنولوجية، سيتعيّن على مدراء العديد من مؤسسات الرعاية الصحية أن يحذوا حذو نظرائهم التقدميين من خلال إدخال الإصلاحات التي تسمح لهم باستعمال نظم المعلوماتية لتحقيق نتائج أفضل للمرضى وبتكلفة أقل. لكن العوائق التي تمنع المؤسسات من تسخير نظم المعلوماتية لديها لإدخال تحوّلات على الرعاية الصحية المقدّمة لا تُعتبرُ من النوع الذي لا يمكن التغلّب عليه. وبالتالي فإنّ أكثر المطلوب هو وجود الإرادة والدعم من مدراء المؤسسة وموظفيها الطبيين من أجل قيادة التحول المعلوماتي في مجال الصحة.

اقرأ أيضاً: 

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!