كيف تتحكّم في مستقبلك المهني بشكل أفضل؟

4 دقائق
كيف تتحكم في مسيرتك ومستقبلك المهني؟
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ألقى اختصاصي علم النفس في جامعة “هارفارد”، الدكتور دانيال غيلبيرت، خطاباً على مسرح “أحاديث تيد” (TED Talk) بعنوان “سيكولوجية شخصيتك المستقبلية”، تحدث فيه عن كيفية التحكم بالمستقبل المهني، ووضح فيه تحيزاً يملكه الجميع تقريباً، وهو الاعتقاد بأن شخصياتنا الحالية ستبقى ثابتة على الدوام.

سيقرّ معظم الناس بأن شخصياتهم اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل عشرة أعوام، لكننا نعاني من صعوبة أكبر بكثير في رؤية التغييرات المحتملة في المستقبل. يشير غيلبرت وغيره إلى هذا المفهوم باسم “وهم نهاية التاريخ“، على الرغم من إدراكنا أن شخصياتنا في الماضي تختلف اختلافاً واضحاً عن شخصياتنا في الحاضر، إلا أننا نعتقد أن شخصياتنا الحالية هي النسخة الحقيقية والنهائية عن أنفسنا، وأنها ستبقى كما هي في المستقبل. يقولها غيلبرت بجملة بسيطة: “الإنسان هو عمل جارٍ يظن خاطئاً أنه منتهٍ”.

تتغير شخصيتك ومهاراتك والأمور التي لا تعجبك مع مرور الزمن، سواء كان هذا التغير مقصوداً أم لا. وجدت دراسة نُشرت مؤخراً استمرت لأكثر من 60 عاماً، أن شخصيات جميع المشاركين فيها تقريباً أصبحت مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل 60 عاماً.

لا مفر من التغيير، لكن ليس خارج نطاق سيطرتك.

ثلاث استراتيجيات تساعدك على صنع شخصيتك المستقبلية:

الخطوة الأولى: ميّز بين شخصياتك القديمة والحالية والمستقبلية.

تقول القاعدة: إن الإنسان يركز بالدرجة القصوى على شخصه الحاضر، فيتمسك بهويته الحالية ويطلق أحكاماً قطعية بدرجة مذهلة عن شخصيته الآن، على سبيل المثال “أنا شخص انطوائي” أو “أنا لا أجيد التعامل مع الناس”، وما شابه ذلك. لا تترك هذه الأوصاف شيئاً من المرونة للتغيير والنمو، ما يؤدي إلى نشوء حالة “الغفلة” بحسب الدكتورة إلين لانغير، إختصاصية علم النفس في جامعة “هارفارد”.

عندما تعتقد أن شخصيتك تتسم بصفة ما، فلن تتمكن من رؤية بدائل هذه الصفة. توضح لانغر ذلك بقولها: “إذا اعتبرنا أمراً ما واقعاً وأقررنا به، فلن تخطر لنا طرق التفكير البديلة…على سبيل المثال، عندما يشعر شخص ما بالاكتئاب يعتقد أنه مكتئب طوال الوقت، لكن الانتباه الواعي للتقلب سيثبت أن هذا ليس صحيحاً”.

الحقيقة هي أنك لست الشخص الذي كنته فيما مضى، وأنت لا تفعل الأشياء مثلما كنت تفعلها في السابق، ورغباتك الحالية مختلفة عن رغباتك من قبل. وبدلاً من إطلاق الأحكام على نفسك والتركيز على شخصيتك الحالية، اعترف بنموك وتغيرك عما كنت عليه في الماضي.

يقول المدرب الريادي دان سوليفان: “يجب عليك قياس الربح وليس الفجوة”. يمكنك تدريب نفسك على رؤية النمو، حتى لو كان قصير الأجل، عن طريق قياس التقدم على أساس أسبوعي وشهري أو حتى ربع سنوي. سَل نفسك: ما النجاحات التي حققتها في الأيام التسعين الماضية؟ ما أن تبدأ بتمييز شخصيتك في الماضي عن شخصيتك الحالية، يصبح من الممكن أن ترى شخصيتك المستقبلية على أنها شخص مختلف أيضاً.

الخطوة الثانية: تخيل شخصيتك المستقبلية التي تريدها.

“الخيال أهم من المعرفة. لأن المعرفة محدودة بكل ما نعرفه ونفهمه، في حين يسع الخيال العالم بأكمله، وكل المعارف التي سنكتسبها ونفهمها”.

– ألبرت أينشتاين

الاقتناع بالحاضر أسهل علينا من تخيل المستقبل. لكن إذا لم تأخذ وقتك في تخيل الشخص الذي تريد أن تكونه في المستقبل، فستصبح الشخص الذي تصنعه الحياة، مهما كان. بينت الأبحاث أن تشكيل شخصيتك المستقبلية يتطلب “ممارسة مدروسة“، أي القدرة على تطوير نفسك باتجاه هدف محدد. فلن يكون بإمكانك النمو بفاعلية إذا لم يكن لنموك هذا اتجاه محدد، لذا يجب أن تحدد هدفاً واضحاً لتتمكن من تشكيل العملية.

على سبيل المثال، عندما قررت أنني أريد أن أصبح كاتباً محترفاً، لم تكن الفكرة وحدها كافية. كان عليّ تحويل فكرتي إلى نتيجة قابلة للقياس، وهي الحصول على عقد كتاب بقيمة مبلغ من 6 أرقام مع واحدة من أكبر خمسة دور نشر في نيويورك، حينها تمكنت من وضع تصميم عكسي للعملية التي سأتبعها لتحقيق هذا الهدف. مكنني امتلاك هدف واضح من طرح أسئلة مفيدة على الأشخاص المناسبين.

أيضاً، تبين الأبحاث أن كلاً من الدافع والأمل ينبع من مزيج النتيجة المرجوة الواضحة، والإيمان بقدرتك على النجاح، والمسار الذي يوصلك إلى النجاح. عمل الاختصاصيون في مجال علم النفس الإيجابي المزدهر على تقليب عديد من الفرضيات القديمة، ليتوصلوا إلى أن الإنسان لا يحفزه ماضيه وحده، بل تدفعه رؤيته للمستقبل أيضاً، ويطلق علماء النفس على هذا المفهوم اسم “التنقيب عن النفس“.

ببساطة، تشكل رؤيتك لمستقبلك سلوكك في الحاضر بنسبة كبيرة. وإذا كان مستقبلك واضحاً ومشوقاً، وتؤمن بأنك قادر على تحقيقه، فسينعكس ذلك على سلوكك في الحاضر.

إذاً، من ستكون في المستقبل؟ أنت وحدك من يمكنه الإجابة عن هذا السؤال. ويوضح الدكتور غيلبرت، أن الخطوة الأولى هي تخيل نفسك في المستقبل. فشخصيتك المستقبلية ليست شخصاً تكتشفه، وإنما شخص تقرر أن تكونه.

وإحدى الطرق للبدء بعملية التخيل هذه هي تدوين خطواتك. ابدأ بما يلي: حدد ما بين أمر وثلاثة أمور يمكنك فعلها اليوم لتحقق تقدماً نحو شخصيتك المستقبلية. وأي خطوة تقوم بها ستكون على الأغلب خارج منطقة راحتك، لأن شخصيتك الحالية تحدد منطقة راحتك الحالية. وإذا تابعت هذا الإزعاج الأولي، ستصبح أكثر مرونة من الناحية النفسية، ومع مرور الوقت ستنمو لتصبح الشخص الذي تريده.

الخطوة الثالثة: غيّر روايتك عن هويتك

الهوية أقوى بكثير من الشخصية. والهوية هي ما يحرك السلوكيات التي تتحول مع مرور الزمن إلى شخصية. فشخصيتك، هي مجموع مواقفك وسلوكياتك المستمرة، وما هي إلا نتيجة الهوية.

وروايتك عن هويتك هي القصة التي تحكيها عن نفسك، عن ماضيك وحاضرك ومستقبلك. وإذا كانت هويتك متجذرة في ماضيك وحاضرك فقط، فستؤدي هذه العقلية الثابتة إلى شعورك بأن شخصيتك دائمة. لكن إذا ركزت على تخيل نفسك في المستقبل، بدلاً من التركيز على شخصيتك الحالية، فسيصبح تغيير روايتك عن هويتك ممكناً.

وهذا ليس أمراً ينبغي لك التفكير فيه مع نفسك فحسب، بل يجب أن تخبر من حولك عن الشخص الذي تريد أن تكونه! ليس عليك أن “تتظاهر بالأمر إلى أن يتحقق”، وإنما أن تعترف بصدق وتواضع بأنك ستكون في المستقبل شخصاً مختلفاً عما أنت عليه في الحاضر فعلاً. لم تصل إلى شخصيتك المستقبلية بعد، لكنك تسير باتجاهها.

يتطلب الأمر شجاعة بالطبع. فمن الأسهل كثيراً أن تقول: “هذا ما أنا عليه”. وسيكون الاعتراف علناً وقول: “هذا ما أود أن أكونه” مجازفة بما أنك لا تستطيع ضمان النجاح. إلا أن هذه الطريقة الوحيدة لتحزم أمرك بشأن الشخص الذي تريد أن تكونه في المستقبل.

فإخبار الناس عمّن تريد أن تكون، قوي بدرجة مذهلة لأنه سيقنعك بجعل سلوكك متوافقاً مع قصتك. إذا كانت روايتك عن هويتك متجذرة في الماضي، فماضيك سيحدد سلوكك. لكن إذا حددت بعزم من ستكون في المستقبل، وامتلكت الشجاعة لإخبار الآخرين عن هذه الرؤية، ستتمكن من التحول فعلاً إلى تلك الشخصية المستقبلية التي تريدها.

تحدثت الدكتورة كارول دويك عن أهمية عدم تعريف نفسك من خلال حاضرك، بل من خلال الشخص الذي تود أن تكونه. نحن جميعاً في حالة تحول مستمرة. لذا، فلتكن شخصيتك المستقبلية المرغوبة هي ما يتنبأ بسلوكك الحالي، وليس ماضيك.

سيوجهك سلوكك الحالي نحو الشخص الذي تعتقد أنك هو، فيقوي هويتك ويصبح هو شخصيتك في نهاية المطاف. سلوكك هو من ينشئ شخصيتك، وليس العكس.

إذاً، من تريد أن تكون؟ ابدأ بإخبار الناس عنه.

ابدأ بالتصرف مثل شخصيتك المستقبلية بدلاً من شخصيتك السابقة. تقبّل الغموض والتغيير، وتقبل التعلم والفشل، ولا تدع الحاضر يحدد هويتك. ابدأ ممارسات مدروسة كي تنمو مع مرور الوقت وتتحول إلى قصتك التي تستمر بالتطور. تحرك، واستثمر في بناء هويتك المستقبلية.

بهذه الطريقة ستصبح الشخص الذي تريد، وستتحكم بمستقبل المهني بشكل أفضل.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!