يطالب الموظفون بمساءلة القيادة فيما يتعلق بالتحرش الجنسي في أماكن العمل. ومثال على ذلك التظاهرات التي نظمها موظفو جوجل احتجاجاً على تقديم صفقات مجزية للتسريح من العمل لرجال متهمين بالتحرش، ما دفع الرئيس التنفيذي لجوجل سندار بيتشاي، والرئيس التنفيذي للشركة الأم ألفابت لاري بيج للاعتذار.

يجب على قادة الشركات التصرف على نحو أفضل من ذلك. فتكاليف التحرش الجنسي باهظة وواضحة، بدءاً من غضب الموظفين وصولاً إلى خسارة إنتاجية الموظفين وتناقص أعدادهم. وقد قدرت إحدى الدراسات أنّ كل موظف يتعرض للتحرش الجنسي يكلف شركته مبلغاً وسطياً يصل إلى 22,500 دولار أميركي كتكاليف مترافقة مع خسارة الإنتاجية فقط. لكن وعلى الرغم من ذلك لا تزال الحلول صعبة المنال.

يشير بحثنا إلى خطوة واحدة يمكن للقادة اتخاذها من أجل المساعدة على الحد من التحرش الجنسي، وهي إخبار الموظفين أنّ منع التحرش هو أمر ذو أولوية قصوى بالنسبة للشركة. وستكون بضع جمل فقط كافية لإفهام الموظفين وجوب وضع هذه المشكلة ضمن أولوياتهم وإعداد بيئة لا تسامح فيها مع التحرش الجنسي.

إن إيصال هذه الرسالة أمر حاسم لأن البيئة التنظيمية هي الأفضل بين جوانب الشركة الأخرى في توقع حدوث حالات التحرش الجنسي. وعندما تتساهل البيئة مع التحرش الجنسي سيشعر أفرادها بعدم وجود الكثير من العواقب المترتبة عليه، وأنّ المتحرشين سينالون الحماية في حين يُنبذ المشتكون أو يعاقبون. وقد ميزت بيئات كهذه مؤسسات وقعت فيها حوادث تحرش جنسي على مستوى رفيع كحادثة هارفي واينستين وتشارلي روز. وعلى نحو معاكس، يفهم الموظفون في البيئة التي لا تتسامح مع التحرش الجنسي أنّ مؤسستهم تأخذ موقفاً حازماً ضد هذا الأمر عن طريق أخذ الشكاوى على محمل الجد ومحاسبة المعتدين.

أثارت خبرات عملنا في التعليم العالي اهتمامنا بتأثير ما يقوله القادة. ففي عام 2015 أجرت عدة جامعات أميركية استبانات من أجل قياس حوادث العنف الجنسي ضمن حرم الجامعة في جميع أنحاء البلاد. وأصدر رؤساء الجامعات حينها بيانات تعرض النتائج. وعندما نقلت وسائل الإعلام هذه البيانات لاحظنا تنوعاً كبيراً في كيفية كتابتها، حيث عبّر بعضها عن الغضب في حين تجاهل بعضها الآخر نتائج الاستبانات. دفعنا ذلك إلى التساؤل عما إن كانت الاستجابات المختلفة تحدد كيفية نظرة الطلاب تجاه التحرش الجنسي ضمن جامعاتهم، فأجرينا تجربة وطنية كي نتمكن من اكتشاف أثر الرسائل التي يوصلها القادة بصورة أوسع.

في البحث الذي نشرناه مؤخراً، وجدنا أنّ طريقة كلام القادة تحدد فعلاً رد فعل الناس ومواقفهم تجاه التحرش الجنسي. وفي تجربتنا، قرأ 618 مشتركاً عن طريق الإنترنت في الولايات المتحدة بياناً موجزاً لشركة وهمية بشأن نتائج استطلاع لآراء موظفيها عن التحرش الجنسي. وتلقى المشتركون بيانات مختلفة، كان بعضها يتضمن اقتباساً عن رئيس تنفيذي يشدد على خطورة المشكلة، مثلاً: "نتائج الاستطلاع هذه تستدعي القلق"، في حين تضمن بعضها الآخر اقتباساً عن رئيس تنفيذي يحط من أهمية المشكلة، مثلاً: "نحن نشك بأنّ هذا الاستطلاع يعكس معدلات حقيقية للتحرش الجنسي في شركة سولدولا". وتلقى جميع المشتركين المعلومات ذاتها عن وقائع الاستطلاعات.

تبين أنّ هذا الاختلاف البسيط بين تصريحات القادة قوياً. إذ كان احتمال تصنيف التحرش الجنسي كمشكلة ذات أولوية قصوى متدنياً لدى المشاركين الذين قرأوا التصريح المشكك، بينما صنفه القسم الآخر الذي قرأ التصريح الذي يعتبر التحرش الجنسي مشكلة خطيرة على أنه مشكلة ذات أولوية قصوى. ولم يتأثر هذا النمط بجنس المشترك أو انتمائه السياسي.

وفي حين بينت دراستنا هذه إمكانية رفع القادة لمستوى الاهتمام بالتحرش الجنسي، قد يقول البعض أنّ هذا الأمر لا يصب في صالح الشركة، لماذا نعترف بأنّ التحرش الجنسي يشكل مشكلة ونخاطر بتشويه سمعة الشركة؟

أولاً، إنّ الحط من أهمية المشكلة قد يؤدي إلى ضرر أكبر بسمعة الشركة. وكما رأينا في الكثير من الحالات هذا العام، عندما يفهم الموظفون من قائدهم أنه لا يتعامل مع التحرش الجنسي بجدية، قد يصل الأمر إلى لجوء الضحايا إلى الإعلام، وكما ذكرنا آنفاً، قد يؤدي هذا التجاوب السلبي مع هذه الفضائح إلى عواقب عميقة ومكلفة، بما فيها انقلاب القيادة والموظفين وانخفاض الإنتاجية والتظاهرات وحتى المقاطعة. وعلى ذلك، تترتب آثار طويلة الأمد للنظرة العامة تجاه الثقافة السامة على الاسم التجاري للشركة، وهذا يصعّب عليها جذب الزبائن والاحتفاظ بهم، وكذلك الأمر بالنسبة للموظفين الراغبين بالعمل في بيئة آمنة ومنصفة.

ثانياً، يتساوى تجاهل المشكلة مع خيانة المؤسسة، وهو يتسبب بضرر يعاني منه ضحايا التحرش الجنسي. فضحايا التحرش الجنسي يعانون من تبعات صحية سلبية، وتبين الأبحاث أنّ خذلان المؤسسة للضحايا يؤدي إلى تفاقم هذه التبعات.
لا يكون القادة حياديين عندما لا يتخذون أي إجراء حيال المشكلة. بل قد يشكل عدم تحركهم هذا احتضاناً لثقافة يصبح التحرش الجنسي فيها أكثر رواجاً. ولكن بحسب بحثنا، إذا اعتبر القائد أنّ الحد من التحرش الجنسي أولوية في الشركة سيدفع الموظفين الآخرين في المؤسسة إلى أخذه على محمل الجد أيضاً. وبالطبع، لن تكفي تصريحات القادة وحدها لمعالجة هذه المشكلة، بل يجب على الشركات التي ترغب باجتثاث التحرش الجنسي إرفاق الأقوال بالأفعال واتخاذ خطوات لإدخال الشفافية والمساءلة إلى السياسات وإجراءات التحقيقات. ولكن استخدام اللهجة المناسبة في إيصال رسالة واضحة بعدم التسامح هو الأمر الأهم في البداية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!