تابعنا على لينكد إن

لا أنكر أنني من أشد المعجبين بالتصاميم التي تدور حول رفاه الناس، كتلك التي تركز على تحسين تجربة العملاء والأبحاث المتصلة بحياة البشر، والنماذج الأولية التي تقرّب الشركات من أهدافها. لكني أيضاً من أشد المعجبين بنهج (التجربة الحية) (stagecraft) وهو نهج متصل بتقديم تجربة واقعية لمنتج جديد بهدف الحصول على ردة فعل حقيقية من المستخدمين في وقت مبكر بما يخص عملية التصنيع. ويقوم هذا النهج على استخدام كل الحيل المسرحية والسينمائية الممكنة لخلق أكثر (تجربة حية) يمكنها جعل الجمهور يؤمن أنّ ما يراه أو يسمعه أو يلمسه هو شيء حقيقي.

يستخدم هذا النهج في مرحلة مبكرة من عملية التطوير. إذ تكمن فائدته في إمكانية تقديمه رؤى مهمة لا يمكن معرفتها إلا من خلال فترة لاحقة ربما تكون متأخرة. وفي العملية التقليدية، لا توضع الخدمة أو المنتج أمام عملاء حقيقيين إلا وقت إنتاج نموذج أولي متكامل، حيث يبدأ الاختبار على البشر في مرحلة الإنتاج المبكرة ويستخدم المنتج بحده الأدنى القابل للحياة فقط بميزات كافية فقط لإشراك المستخدمين والحصول على ملاحظاتهم. كما أنه في نهج (التجربة الحية)، يكون نموذج الاختبار المبكر أكثر تفصيلاً بكثير ولديه كل ما سيمتلكه المنتج الحقيقي أو كما يُراد به أن يكون في نهاية المطاف. ويُعتبر هذا أمراً مهماً من أجل الحصول على التصميم الصحيح للعملاء أو المستخدمين خلال محاولتك تطوير منتج أو خدمة معقدة.

ويمكنني القول أني رأيت عملية تطبيق ناجحة لمفهوم (التجربة الحية) في المشاريع الأخيرة لشركة كونتينوم إينوفايشن (Continuum Innovation)، التي مقرها بوسطن، وأعمل فيها حالياً. إذ كان أحد مشاريع الشركة مؤخراً مشروعاً تابعاً لقسم العلوم والتكنولوجيا في وزارة الأمن الداخلي الأميركية. حيث استخدمت الوكالة (التجربة الحية) لجمع معلومات وملاحظات في مرحلة مبكرة جداً حول كيفية استخدام التكنولوجيات الجديدة ضمن معدات المسعفين والتي تُعتبر أمراً يستحيل تجربته في الحياة العملية، نظراً لأن فشل النموذج سيعرّض حياة البشر للخطر. وبالتالي، عملت كونتينوم على ضمان وجودها مع المسعفين في حالات طوارئ طبية حقيقية ضمن مدينة بوسطن لمعرفة كيف تتم إجراءات الطوارئ وعمل منظومة الإسعاف، وبعد إدراكها الأمور الأساسية، قامت بتنظيم تجربة طوارئ حية لاختبار أفكارها الجديدة ومدى تناسبها مع منظومة الإسعاف ومعرفة ما ينجح منها وما يفشل.

وتضمنت (التجربة الحية) ما يلي: يركب مسعفان سيارة إسعاف ذاتية القيادة تسير بهما نحو منطقة الحادث. ويرى المسعفان عبر جزء من زجاج السيارة الأمامي السيارات تقف جانباً لإفساح المجال، في حين يعرض الجزء الآخر منه بيانات تضم خريطة لموقع تحطم الطائرة وتوزع الضحايا ونوعية إصابات كل واحد منهم ودرجة خطورتها وأحدث تطوراتها وعلاماتهم الحيوية (وهذه الأخيرة قادمة من رقع جلدية وضعها ضباط شرطة أو رجال إطفاء على أجساد المصابين). وعندما يصل المسعفون إلى الموقع، تقدم الشاشة التي على معاصمهم أخطر الإصابات التي هم بحاجة إلى التعامل معها فوراً. حيث يرون إحدى المصابات وقد انخفض ضغط دمها بشكل متسارع (علامة على دخولها حالة الغيبوبة). ويقوم أحد المسعفين بوضع قناع الأكسجين على الضحية ويطلب عبر شاشة معصمه مسعفاً آخر للمساعدة في نقلها إلى سيارة الإسعاف على الفور.

كان كل ما سبق تمثيلية. فالسيارة التي تعمل من دون سائق هي نموذج سيارة بالحجم الطبيعي مع لوحة قيادة تخيلية لما تكون عليه سيارة إسعاف من دون سائق. أما المنظر الذي كان يراه المسعفان عبر الزجاج الأمامي فكان ناتجاً عن جهاز إسقاط، في حين كان ضحايا الحادث دمى تتصل كل واحدة منها بحاسب يعمل شخص على تزويدها عن بعد بالعلامات الحيوية الواجب عليها عرضها من ضغط دم ومعدل ضربات قلب وتنفس. أما المسعفون فكانوا أشخاصاً حقيقيين من منظومة الإسعاف يبذلون قصارى جهدهم لأداء هذا كما لو كان يحدث حقاً في شوارع بوسطن.

ومن خلال (تجارب حية) كهذه، يكتشف المصممون بسرعة أشياء مهمة حول الأفكار المطبقة ويحللون تلك الخاطئة منها ويطوّرون الصحيحة. حيث أنه في الماضي، لم تكن محاولات الإدارة لتصميم عتاد متصل بالتكنولوجيا أمراً ناجحاً، إذ قامت الإدارة وقتها بإقامة ورشات عمل مع موردين وعناصر شرطة ومسعفين ورجال إطفاء، وأجرت استطلاع آراء ومجموعات مركزة لمعرفة متطلباتهم، والتي كانت تُقدم بعدها إلى المهندسين والمصممين للعمل على النماذج الأولية. وكان ذلك يستغرق الكثير من الوقت والمال ويكلّف وزارة الأمن الداخلي مبالغ كبيرة.

وخلال عمل كونتينوم لصالح وزارة الأمن الداخلي، تم اكتشاف عدة أخطاء في مرحلة مبكرة. فعلى سبيل المثال، وفي فترة المقابلات سابقاً، كان المسعفون وضباط الشرطة ورجال الإطفاء متحمسين لفكرة ارتدائهم لشاشات تعرض المعلومات عليهم، لكن خلال (التجارب الحية)، وجد الجميع أنّ تلك الشاشات تحد من قدرتهم في التركيز على ما حولهم، ما ألغى الفكرة من الأساس. وبعد تلك البروفات، كانت وزارة الأمن الداخلي واثقة من امتلاكها الرؤى اللازمة لبدء العمل على تصميم فعلي واقعي.

وفي مهمة أُخرى، لصالح شركة أودي، كانت (التجربة الحية) أكثر تفصيلاً. إذ تمثلت الفكرة في تقديم خدمة تشارك سيارات تدعى “أودي وفق الطلب” (Audi on Demand) والتي تمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لقطاع صناعة السيارات بهدف أن تصبح بدورها مزود خدمات تنقّل. وفي العادة، يتم تحويل الفكرة إلى قسم البحث والتطوير والذي يمضي أشهر أو سنوات، ويقوم بأبحاث عن خدمات التأجير وتشارك السيارات وتقاسم الركاب وجمع بيانات العملاء واختبار الأفكار مع برامج رائدة. وبدلاً من ذلك، انتقلت أودي إلى الأمام، وخلقت “قرية بوتمكين” (Potemkin village) (كتجربة حية) لمعرفة شعور عملاء حقيقين يجربون هذه الخدمة.

كما وعدت خدمة “أودي وفق الطلب” العميل بتقديم طراز من اختياره أينما أراد ضمن منطقة خليج سان فرانسيسكو. ويمكن للعملاء أيضاً ترك السيارة أينما أرادوا. إذ قام موظفو كونتينوم بتأسيس متجر في وادي السيليكون أنشأوا  قائمة من المستهلكين الأثرياء ممن يحبون قيادة السيارة الراقية ولكنهم يكرهون متاعب الملكية. وحصل العملاء على التطبيق الذكي لتحديد سيارة وفتح وبدء تشغيلها عند وصولهم إليها. كما أوصل “ممثلو أودي” تلك السيارات. وكان هناك رقم خاص للعملاء مع مكتب مساعدة يعمل على مدار اليوم (وهو في الواقع موظف من كونتينوم مع رقم مؤقت).

إلى جانب ذلك، من المهم للغاية إنشاء واجهة “عالية الدقة” تقنع المستهلكين أنها خدمة حقيقية. ونجح الأمر: إذ لم يعرف الزبائن مطلقاً أنه وراء تلك التطبيقات والخدمات فريق عمل في حده الأدنى يعمل على المشروع بشكل تجريبي.

تعلمت أودي دروساً قيمة. حيث اكتشفت أنّ السعر ليس عائقاً كبيراً لهؤلاء العملاء، ومع استخدامهم للخدمة، أصبحت تصوراتهم لقيمتها أكثر إيجابية بكثير. لكن اكتشفت أيضاً أنّ الوقت كان عاملاً أكثر أهمية في ارتياح العملاء. حيث درست هذا عبر قيامها عمداً بتأخير تسليم بعض السيارات للعملاء وتتبع ردود فعلهم. إذ لم يكن هناك مشكلة في حال كان التأخير يصل حتى 15 دقيقة، لكن كان العملاء في المقابل يطلبون فترة سماح لأنفسهم مقدارها 30 دقيقة مقابل دقائق التأخير تلك. كما علم الفريق في وقت مبكر أنه لا يمكن تقديم تجربة ركن السيارة في مرآب، نظراً لعدم إمكانية وضع موظفين في كل مرآب. بالتالي أُلغي ذاك الجزء من المشروع. واليوم، لا تزال خدمة “أودي وفق الطلب” تعمل كخدمة حقيقية في منطقة خليج سان فرانسيسكو إنما على نطاق محدود.

ليس من الضروري عمل (تجربة حية) لكل منتج أو خدمة، لكنها ستحقق فائدة كبيرة في الحالات التي تكون فيها المنتجات معقدة أو سيتم استخدامها في بيئات لا يمكن التحكم فيها. وتُعتبر الخدمات والتطبيقات على الإنترنت أبرز المرشحين لهذه الطريقة كونها سهلة التطبيق في نفس الوقت الذي لا يمكن فيه حتى لأفضل المبرمجين توقع تصرفات العملاء الفعلية. وفي غضون ذلك، استخدمت إحدى شركات الخدمات المالية الرئيسية (التجربة الحية) لاختبار خدمة جديدة لها واكتشفت أنها لن تنجح. حيث كلفت التجربة آلاف الدولارات، لكن إطلاق تلك الخدمة تجريبياً كان ليكلف الملايين.

وتسمح (التجربة الحية) للرؤساء التنفيذيين بوضع أفكار لابتكارات رئيسية أكثر طموحاً، حيث يمكن استخدام هذه التجارب لمعرفة رأي العملاء من خلال تقديم “المنتج الحقيقي” في مرحلة مبكرة، والحصول على التصميم الصحيح بشكل أسرع. وفي نفس الوقت، تبقيك (التجربة الحية) بعيداً جداً عن المسار الخاطئ.

أخيراً، يُعتبر زماننا هو زمن الابتكار، وعندما لا يكون من السهل إطلاق مشروع أولي جديد، يمكن (للتجربة الحية) أن تكون أداة مفيدة تساعدك على معرفة إذا كان مشروعك سيثمر في المستقبل أم من الأفضل الانتقال إلى مشروع آخر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz