هارفارد-بزنس-ريفيو-القادة-والتابعين

القادة العظماء، وخاصةً في المؤسسات الكبرى، ليسوا بشراً حقيقيين، بل هم صور ذهنية.

ربما كانوا لحماً ودماً بالنسبة لفريق الإدارة العليا والمساعدين المحسوبين ضمن كبار التنفيذيين، ولكنهم بالنسبة للخارجين عن هذه النطاقات، بدايةً من الأقسام التشغيلية وحتى وحدات العمل، مجردُ بنىً خياليةٍ. إنَّ الموظفين يخلقون صوراً للهيئة التي يبدو عليها القادة بناءً على رسائل البريد الإلكترونية المتراكمة لرؤسائهم وتغريداتهم وخطبهم ومقاطع الفيديو الخاصة بهم، علاوةً على الحكايات التي يجمعونها عنهم من أماكن متفرقة.
وتفترض الشركات، أو على الأقل تأمل، أن يستقي العاملون لديها إلهامهم بطريقةٍ ما من تلك الصور الذهنية لقادتهم. لكنَّ الموظفين يميلون إلى إصدار الأحكام المسبقة؛ فأي عيبٍ في القائد يمكن بسهولةٍ أن يهدم هذه الصور، غير أنَّ عملية بناء الصورة الخيالية الذهنية مُعقدةٌ، وقد تُترجَم نقاط ضعفٍ بعينها على أنها نقاط قوةٍ، مما يضفي على الصورة هالةً من الأصالة. وفهم هذه العملية يمكن أن يكون مفيداً للقادة الذين يعقدون آمالهم على تحفيز مرؤوسيهم وإلهامهم.
يشير بحثنا المُوَسَّع إلى أنَّ هناك أربع قواعد تحكم الطريقة التي يخلق بها الموظفون القادةَ الخياليين الذين يعيشون في أذهانهم، وكيفية استجابتهم لهم.
القاعدة الأولى: يميل الموظفون للحكم على الكِتاب من عنوانه. لا يعني هذا أننا نستهزئ بالموظفين، فهذه عادة الجميع. حيث إنَّ الناس يكتفون ببناء تقييماتهم لقدرة القائد وجاذبيته على معلوماتٍ محدودةٍ. وحقيقة الأمر أنهم يُفضلون امتلاك معلوماتٍ ضئيلةٍ طالما أنه من الأسهل استيعابها.
القاعدة الثانية: يبحث الموظفون عن إجاباتٍ عن القليل من الأسئلة المحددة: هل يهتم القائد لأمري شخصياً؟ هل يمتلك معايير عالية؟ هل لديه رؤيةٌ جذابةٌ للمستقبل؟ هل يبدو إنساناً على نحوٍ يمكنني التعاطف معه؟
القاعدة الثالثة: يفضل الموظفون الحصول على إجابات عن تلك الأسئلة على هيئة قصصٍ تُستخدم بعدئذٍ لخلق صورةٍ ذهنيةٍ. وتساعد الصورة الذهنية الموظفين على أن يقرروا إن كانوا سيثقون في القائد ويتبعونه أم لا.
القاعدة الرابعة: يلتفت الموظفون في تقييمهم للقصص إلى تلك القصص التي يعتبرونها موثوقةً ويتجاهلون ما سواها. ويبحث الناس عند تقييمهم لجدارة الثقة بتلك القصص عن لحظات صراحةٍ غير متوقعةٍ، ورواياتٍ غير متحيزةٍ للآخرين تصل إليهم عبر قنواتٍ مُرتجلةٍ وغير رسميةٍ. فالتفاعلات الرسمية المُخطط لها لا توفر تلك اللحظات. وحينما تُروى القصص الموثوقة مجدداً، فإنها تكتسب حياةً خاصةً بها فتؤثر في جميع العاملين بالمؤسسة.
لقد اكتشفنا في مقابلاتنا الشخصية مع الموظفين العديد من الأمثلة على تلك القواعد. أخبرنا موظفٌ يعمل في شركة هاير Haier الصينية، المتخصصة في تصنيع الأجهزة المنزلية، أنَّ الرئيس التنفيذي زانج رويمين أوقف الإنتاج بالكامل ذات مرةٍ بعد أن عثر على انبعاجاتٍ وخدوشٍ على الأجهزة الصادرة من أحد خطوط التصنيع. وأصدر أوامره للعاملين بأن يمسكوا بالمعاول ــ لا ليصلحوا العيوب، بل ليحطموا المنتجات المعيبة. فذُهِلَ العاملون وسرعان ما تناقلوا تلك القصة بين زملائهم.
كانت الحكاية موجزةً وأجابت عن السؤال المتعلق بالمعايير العالية، واتسمت بالإثارة، وأضفى عليها تداول الألسنة لها مصداقيةً.
مثالٌ آخر: بعد أن بلغ الابن الصغير لأحد موظفي شركة مايكروسوفت حد الغطاء التأميني الطبي المسموح به لعلاج مرض سرطان الدم، أرسل الموظف رسالةً بالبريد الإلكتروني إلى بيل جيتس الذي كان رئيساً تنفيذياً للشركة آنذاك. وبعد أن استدعاه جيتس إلى مكتبه، شاهده الموظف وهو يتصل هاتفياً بالمدير التنفيذي لشركة التأمين مستدعياً إياه للاجتماع به و”عنفه تعنيفاً شديداً”، بحسب ما أخبرنا أحد مدراء الشركة. وعندما غادر الموظف مكتب جيتس، حصل ابنه على غطاءٍ تأمينيٍّ. ومرة أخرى، نجد أنَّ الحكاية موجزةٌ وثريةٌ بالمعلومات حول مشاعر القائد تجاه موظفيه ودراميةً وتتسم بالمصداقية.
إن القادة الذين يُعرض عليهم تحليلنا لكيفية خلق الموظفين صورَهم الذهنيةَ غالباً ما يسألوننا عمَّا إذا كان هناك أي شيءٍ يستطيعون القيام به للتأثير في هذه العملية. فهم يريدون أن يضمنوا أنَّ الصور الخيالية للرئيس التنفيذي، المدمجة في أذهان الموظفين، تتسم بأنها مِعطاءة ومُلهمةٌ لا سلبيةٌ ومُحبطةٌ.
ثمة جوانب بعينها لهذه العملية يتعذر السيطرة عليها أصلاً؛ فما إن تبدأ في محاولة تنظيم الأحداث لصالح الموظفين، ستجد نفسك تجنح إلى منطقةٍ دقيقةٍ ومُخادعةٍ. لكنَّ القادة لديهم بالفعل خياراتٌ تتعلق بكيفية الإجابة عن الأسئلة الأربعة التي تدور بخلد الموظفين؛ وهي الأسئلة التي تدور حول ما إذا كان القائد يهتم لأمرهم، ويمتلك معايير عاليةً، ويطرح رؤيةً جذابةً، ويبدو إنساناً عطوفاً. لنبحث كل سؤالٍ من هذه الأسئلة.
الاهتمام. ثمة جزءٌ مهمٌ من دورك كقائدٍ، ألا وهو أن تعرف الذين يعيشون فتراتٍ صعبةً في مؤسستهم، وأن تبحث عن سبلٍ لمد يد المساعدة إليهم. فمذكرةٌ شخصيةٌ تُرسل إلى موظفٍ في إجازة مرضيةٍ، أو شكرٌ شخصيٌّ لموظفٍ عَمِلَ لساعاتٍ إضافيةٍ خلال فترةٍ حسَّاسةٍ تحديداً، ستساعد على التعبير عن اهتمامك بالموظفين.
ابحث عن فرصٍ للتعرف على كيفية الاهتمام بالموظفين وإبداء الاهتمام بهم. وابد اهتمامك بلا ضجيج؛ فلا ينصب تركيزك على النحو الذي ستفيدك به تلك اللفتات في نهاية المطاف.
المعايير. صحيحٌ أنَّ الموظفين يريدون أن يتمتعوا بالاستقلالية، غير أنَّ أغلبهم يودون توظيف استقلالهم لخدمة معايير عاليةٍ. وتنبع تلك المعايير من القائد. والمعايير المتدنية تفضي إلى قصور الالتزام، حتى بين أكثر الموظفين تحفزاً. فالمعايير العالية مصدرٌ للتحفيز. ولاستغلال المعايير العالية استغلالاً جيداً، اختَر مجالاتك التي ستطبقها عليها بعنايةٍ. ويجب أن تكون المعايير متطابقةً، ولكن اعلم أنَّ التطبيق المتزمِّت يؤدي إلى نتائج عكسيةٍ: إن طلبتَ الكمال في كل جانبٍ من جوانب الأداء، فستظهر بمظهر المتصيد للأخطاء المستبد. لقد اكتشفنا من خلال مقابلاتنا الشخصية أنَّ القادة الأكثر كفاءةً، الذين تُحاك حولهم القصص والحكايات، اشتهروا بشيء واحدٍ أو شيئين، كالاستعداد دوماً للاجتماعات، أو التركيز على جودة المنتج، أو دعم خدمة العملاء الممتازة. وأياً ما كان المعيار المطلوب فإنَّ القائد يدعمه ويُطالب الآخرين بالالتزام به.
عندما تفرض معاييرك على الآخرين، ضع في اعتبارك أنَّ الممارسة الأمثل على الإطلاق تتمثل في الثناء على الملأ والتدريب أو التعنيف على انفراد. فغالباً ما يأتي التعنيف على الملأ بنتائج عكسيةٍ، إمَّا بسبب تعاطف بقية الموظفين مع الموظف المستهدف، أو لأنَّ القائد يستبق الأحداث دون وعيٍ كاملٍ بالظروف والملابسات. وهذه طبعاً ليست بالقصة التي تود أن يتداولها الموظفون في شركتك. فإذا عنفت بالفعل أحد الموظفين علناً، فاحرص على ألا تجعل الموقف يبدو شخصياً. حُكيَ أنَّ رئيساً تنفيذياً، بعد أن أحس بأنَّ الفريق التنفيذي ليس متأهباً للاجتماع الربع سنويّ لمناقشة المنتج، وقف وغادر الغرفة بهدوءٍ. لم يُختصَّ أحدٌ باللوم، ومع ذلك فقد كانت الرسالة قويةً وواضحةً.
الرؤية. إنَّ اختلاق قصصٍ توحي بأنك شخصٌ حالمٌ قد يكون أمراً ينطوي على تحدٍ. لقد اكتشفنا أنَّ قصص الماضي عادةً هي التي تجعل الآخرين يؤمنون بأنك ستكون صاحب رؤيةٍ مُلهمةٍ في المستقبل. فذِكر قصةٍ مثيرةٍ عن كيف شقت الشركة طريقها سيفي بالغرض. أخبرنا موظفو شركة ستارباكس Starbucks، الذين أجرينا مقابلةً شخصيةً معهم، عن لحظة “الدهشة” التي اشتهر بها مؤسس الشركة هوارد شالتز في مَشْرَبٍ للقهوة السريعة في إيطاليا. وروى موظفٌ بشركة نتفليكس Netflix قصة انزعاج ريد هاستينجز من تراجع رسوم خدمة استئجار مقاطع الفيديو التي تقدمها الشركة. أحياناً تتخذ قصة النشأة هيئة رحلة الرئيس التنفيذي إلى الشركة. فقد تحدثت سوزان وُجسيكي، الرئيس التنفيذي لشركة يوتيوب، عن تجاربها في مجال ريادة الأعمال في طفولتها، وتأجيرها لاحقاً مرأبها لمؤسسي شركة جوجل، وكونها من أوائل المنضمين إلى شركة جوجل، وحثها الشركة على اتخاذ قرارات استراتيجية آتت ثمارها (كشراء شركة يوتيوب).
ولكن، تذكر أنه لكي يتحقق الأثر الأمثل فإنَّك بحاجةٍ لمشاركة قصصٍ كهذه وتسليط الضوء عليها عبر قنواتٍ غير رسميةٍ. ومن ثمَّ فإنَّ مقطع الفيديو الخاص بك بعنوان “رؤيتي” و”لديَّ رؤيةٌ حقاً”، ليس الطريقة المثلى لخلق صورة ذهنية إيجابية.
التحلي بالإنسانية. هذه هي الخصلة التي تجعلك تبدو مُتاحاً للآخرين ويتسنى لهم من خلالها التماهي معك وإقامة صلةٍ وثيقةٍ بك. إذا كنت من بين القادة المؤسسيين العالميين الساعين وراء النجاح بلا هوادة، فتذكر أنَّ الإخفاقات والنكسات، بل وحتى نقاط الضعف، تستقر في لبِّ القصص التي تعبر عن إنسانيتك وتنقلها للآخرين.
سمِعنا في بحثنا الذي أجريناه قصصاً عن تنفيذيين يعانون إعاقاتٍ بدنيةً وأمراضاً، ومنهم من قوبل بالرفض مراراً وتكراراً ومنهم من تعرض لنكسات. لقد ساعدت هذه التحدياتُ الموظفين على أن يروهم في حلةٍ بشريةٍ. أخبرنا أحد الموظفين أنَّ الشريك الإداري لشركته كانت لديه عادةٌ غريبةٌ، حيث كان يقهقه بعصبيةٍ في لحظاتٍ غير مناسبةٍ. وذات مرةٍ أخذ الشريك يضحك خلال اجتماع مع عميل مهم واضطر في نهاية المطاف إلى الاستئذان للخروج. وكان واضحاً من الطريقة التي قص بها الموظف القصة أن هذه “المشكلة” كانت أمراً حبَّبَ الموظفين في الشريك.
ثمة جانبٌ آخر من الإنسانية ينطوي على توصيل رسالةٍ للآخرين بأنك لست أفضل من غيرك. يحرص إيفون تشوينارد، مؤسس ومالك شركة باتاجونيا Patagonia، على تناول طعام الغداء مع موظفيه كلما زار مقر الشركة، ودائماً ما يدفع ثمن وجباته في مطعم الشركة. لقد تداولت الألسنة تلك القصص في أروقة الشركة. إنَّ الأفعال البسيطة التي يُقدم عليها تُرسل رسالةً واضحةً مفادها أنه إنسانٌ وأنه خاضعٌ للقوانين، شأنه شأن بقية الموظفين.
وكما أوضحنا من قبل، فإنَّ الطريقة المثلى لترويج قصتك هي عبر البُدلاء؛ وأعني الموظفين الذين سبق أن تفاعلوا معك تفاعلاتٍ مُلهمةً ونشروا قصصك في أرجاء المؤسسة. فهؤلاء يُعَظِّمون اهتمامك ومعاييرك ورؤيتك وإنسانيتك.
ولكن حتى لو افتقرتَ إلى البدلاء، فتأكد أنك لو واصلت إنجاز الأمور على النحو السليم فسيلاحظ الناس ذلك حتماً ويتداولون قصصاً إيجابيةً عنك. وستتبلور تلك القصص نفسها وتتحول إلى جيشٍ من الصور الذهنية التي ستُعبئ الموظفين وتشحذ قواهم لتحقيق أهدافك.

ناثان تي واشبورن، أستاذ مشارك في مجال الاستراتيجية في كلية جون إم هانتسمان لإدارة الأعمال، جامعة ولاية يوتاه.

بنجامين جالفن، أستاذ مساعد في كلية ماريوت للإدارة، جامعة بريجهام يونج.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz