فصّل غاري هامل وميشيل زانيني في مقالة حديثة، الأعباء التي تتكبدها مختلف القطاعات من جراء البيروقراطية المتزايدة. ولا شك أنّ العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية الموحدة سيؤكدون على الفور النتائج التي توصل إليها المؤلفان ومن ضمنها:

  • أن البيروقراطية آخذة في النمو ولا تتقلص.
  • تعمل البيروقراطية على تدمير القيمة بطرق لا حصر لها، بما في ذلك إبطاء حل المشكلات، وعدم تشجيع الابتكار، وصرف قدر كبير من الوقت على المناورات السياسية والتحايل على النظام للحصول على المراد.

يرى المدراء التنفيذيون على الأرجح الحواجز البيروقراطية في مؤسساتهم وشركاتهم أقل مما يراها موظفو الخط الأول الذين يتعاطون مباشرة مع العملاء.

لقد رأيت في العديد من مؤسسات الرعاية الصحية كيف أنّ الأطباء وغيرهم من الموظفين الذين يساعدون المرضى بالفعل، يخضعون لأعداد متزايدة من التوجيهات المبعثرة من الجهات العليا، الأمر الذي يضطرهم إلى ابتكار حلول عملية للتغلب على الأنظمة التي تعجز عن تقديم حلول مجدية للمشكلات.

ولكن ماذا بشأن الحلول؟ يقول هامل وزانيني إنه "لا توجد خريطة لتفكيك البيروقراطية". لكنني أختلف معهما.

تحارب المؤسسات الكبرى في جميع القطاعات البيروقراطية من خلال اعتماد هيكلية واضحة لنظم القيادة بهدف ربط جميع الموظفين في المؤسسة بالقضايا التي يواجهها موظفو الخط الأول كل يوم. كما أنها تحدد بعناية أدوار كل رتبة من رتب القيادة لتضمن دعم توفير حل سريع للمشكلات التي تواجه موظفي الخط الأول وتطوير أداء أولئك الذين هم تحت إشرافهم ليفعلوا الأمر نفسه. إنّ تصميم وإدارة نظمها التشغيلية اليومية (الإنتاج)، والإدارة، والتطوير على أساس هذه الرغبة الواضحة في محاربة الهدر الناتج عن السلوك البيروقراطي يصبح جوهر ميزتها التنافسية.

يتضمن هذا النهج ركنين أساسيين يقدمان مثالين واضحين على كيفية محاربة الورم أو التضخم البيروقراطي: الأول هو نظم إدارة يومية خفيفة أو مبسطة، والثاني، نهج يقوم على حل المشكلات في الوقت الحقيقي للقضاء على الإصابات في مكان العمل.

تعد شركتا تويوتا وهوندا وغيرهما من شركات صناعة السيارات، رائدة في أنظمة الإدارة اليومية الخفيفة. ومثلما يوضح جون توسان الرئيس التنفيذي لشركة كاتاليسيس (Catalysis) والرئيس التنفيذي السابق لثيداكير (ThedaCare)، وهو نظام صحي في ولاية ويسكونسن الأميركية، فإنّ هذه الأنظمة تضمن عند تصميمها وتشغيلها بشكل فعّال أن يكون لدى كل قائد في كل يوم برنامج عمل واضح عليه القيام به للمساعدة في فهم المشكلات التي يواجهها موظفو الخط الأمامي وفرص التحسين. تجعل أنظمة الإدارة اليومية الخفيفة الأهداف والاستراتيجيات العليا واضحة تماماً ومتاحة لجميع موظفي الشركة وتضمن أن تساعد جهود القادة وليس أن تعيق على الخطوط الأمامية العمل الضروري لتحقيق تلك الأهداف.

لا شك في أنّ تعلم الحفاظ على السلامة في الوقت الحقيقي يوفر جرعة مضادة تكميلية للتضخم البيروقراطي. فلدى شركات مثل دوبون (DuPont)، وألكوا (Alcoa) وغيرهما من الشركات الرائدة عالمياً في مجال السلامة، يجري إبلاغ كل المراتب عن أي إصابة وحتى الرئيس التنفيذي، ويتم الإبلاغ عن التحقيقات والحلول في غضون 48 ساعة، وتشارك هذه المعلومات مع الجميع في الشركة كل يوم. ويوفر هذا الإجراء للقادة مؤشراً يومياً وملموساً يتمحور على القيم في ما إذا كانت المؤسسة تتعلم بصورة فعالة وتحل مشكلات الخطوط الأولى، أم أنّ هذه الإشارات تُحظر لسبب ما. لقد ثبت أنها آلية رائعة لتطوير العمليات ككل، فهي تجبر البيروقراطية على توفير الدعم بدلاً من أن تكون حجر عثرة، وعلى كسر الحواجز بسرعة وحل المشكلات وتعليم الخطوط الأولى وتمكينها.

لحسن الحظ، يستخدم عدد من مؤسسات الرعاية الصحية الرائدة وبنجاح هذا النهج من أجل مكافحة الآثار الضارة للبيروقراطية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لعبت شركة ثيداكير دوراً ريادياً في الإدارة اليومية الخفيفة لحماية وتوسيع نطاق ابتكارات نماذج الرعاية التي حسنت الجودة وخفضت تكلفة الرعاية بنسبة 30 في المئة.

في النظام الصحي في جامعة فيرجينيا، يقود الرئيس التنفيذي كل يوم فريقاً يضم قادة النظام الصحي و"شريحة" من كل قسم من المؤسسة لمراجعة أسباب حدوث الوفيات غير المتوقعة بين المرضى، وكذلك كل إصابة ناجمة عن حوادث – مثل أخطاء متصلة بالأدوية أو السقوط – وقعت خلال الأربع والعشرين ساعة السابقة. ويقيس الفريق أيضاً مدى قوة حل المشكلات ومدى تشارك التحذيرات والتعلم عبر النظام الصحي. وكثيراً ما يزور أعضاء الفريق إحدى الوحدات السريرية التي وقعت فيها حادثة، ليبرهن بشكل ملموس للموظفين أهمية تعلمهم بشكل سريع من الحوادث.

وفي منطقة ميينيابوليس-سانت بول في ولاية مينيسوتا الأميركية، اتفق نظاما فيرفيو وهيلث-ايست الصحّيان مؤخراً على الاندماج. وقد فعلا ذلك ليس لأن الأمر منطقي من الناحية الجغرافية في سوق موحدة، وإنما كذلك لأن المدراء التنفيذيين لكلا النظامين ملتزمان باستخدام نظام الإدارة الخفيف لتحقيق الأهداف.

من السهل على المؤسسات والشركات أن تبدأ باستخدام هذه التقنيات. ويتمثل أحد النهج البسيطة في أن يتخذ القادة مستشاراً داخلياً أو خارجياً متمكناً في هذه الأساليب لتوجيههم من أجل الرصد المباشر للعمل في الخطوط الأمامية. ففي غضون 20 دقيقة سيرى القادة أموراً لم يتعلموها خلال سنوات من الاجتماعات. وسيكون بعضها مثيراً للاهتمام: إذ إنّ الموظفين لديهم الدافعية والموهبة لإسعاد المرضى. وقد يكون بعضها مزعجاً لكنه مفيد: ففي إحدى المرات شاهد مدير تنفيذي ممرضاً يبحث عن مضخة وريدية من أجل مريضه لأكثر من 20 دقيقة. واكتشف آخر أنّ الماء الساخن لم يكن متوفراً في العديد من وحدات العناية المركزة لعدة أيام لأن الحواجز البيروقراطية المتأصلة في قضايا الميزانية والمناورات السياسية كانت تمنع الأقسام من العمل معاً لحل المشكلة.

تمعن البيروقراطية في تدمير قيمة وأهمية العديد من أنظمة الرعاية الصحية، ولكن ليس بالضرورة أن تسير الأمور على هذا النحو، فهناك طرق أخرى أثبتت فعاليتها في مقاومة هذا التدمير، وهي تتطلب التصميم الواعي لنظم الإدارة بهدف تحرير قدرات جميع الموظفين بحيث يمكن استخدامها لتلبية احتياجات المرضى.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!