تابعنا على لينكد إن

منذ خمس سنوات، تسبب مسلسل تلفزيوني يتابع حياة سجينات في سجن نساء في هز عالم الدراما، إذ ذاع صيت المسلسل الذي يدعى “البرتقالي هو الأسود” (Orange Is the New Black) بصورة غير متوقعة، وساهم في وضع نتفلكيس على خارطة صانعي المحتوى الأصلي والمبدعين. لقد أصبح المسلسل بسخريته القاتمة وطاقم عمله المتنوع أكثر مسلسلات نتفليكس الأصلية مشاهدة. كما فازت الممثلة أوزو أدوبا بجائزتي إيمي لتصويرها الدقيق والمتعاطف لامرأة تعاني من أمراضها العقلية، وهي شخصية نادراً ما كانت تشاهد على شاشة التلفاز.

لم يكن هذا المسلسل ناجحاً فحسب، بل كان أيضاً مثالاً حول الإبداع القائم على البيانات في العمل، إذ أنه مع كثرة العروض التي تنتجها شركات وادي السيليكون مثل أمازون وهولو ونتفليكس، تأتي الخشية في أن تعتمد عملية إنتاج المسلسلات على أرقام ومعطيات بدل رؤية ونظرة فنية. إلا أنه وبعد خمس سنوات من انخراط نتفليكس في إنتاج مسلسلاتها الخاصة، فإننا نرى العكس تماماً، حيث نرى منصات معتمدة على البيانات، وتقدم في الوقت نفسه محتوى ترفيهياً مبتكراً وبجودة ممتازة. ويعود ذلك، لقيامها بالربط بين المحتوى والجماهير بطرق لم تحدث قط في تاريخ البث.

لدى المنصات الرقمية كنتفليكس بيانات أكثر حول أذواق المستهلكين مقارنة بالشركات العاملة في مجال الترفيه سابقاً، وهو أمر واضح للغاية. ولكن يسيء كثيرون فهم كيفية استخدامهم لهذه البيانات، فأغلب هذه الشركات لا تستخدم بياناتها لاتخاذ قرارات خلاقة حول كيفية إنتاج المحتوى، بل يستخدمونها لربط المشاهدين بمحتوى يلبي أذواقهم.

عندما يتعلق الأمر بإيجاد ودعم مسلسل حائز على جوائز مثل مسلسل “البرتقالي هو الأسود”، لم تكن ميزة نتفلكيس معرفتها بوجود عدد كبير من المعجبين بمسلسل ببطولة نسائية أو بقيام مؤلفة المسلسل جيجي كوهان بتأليف مسلسل ناجح آخر يدعى “ويد” (Weed)، فقد كانت تلك معلومات بديهية يعرفها أي مسؤول بث، لكن كانت ميزة نتفليكس التنافسية متمثلة في معرفة الفئة المعجبة بالمسلسل، وقامت بدورها بإيصال المسلسل مباشرة إليهم.

ويمكن أن يخلق هذا النوع من الربط قيمة كبيرة لكل من العملاء والشركات. ولننظر إلى موقع أمازون، والذي حقق جزءاً كبيراً في نجاحه كسوق، بسبب قيامه بالربط بين المستهلكين والمنتجات استناداً إلى بيانات شرائهم السابقة، وهو الأمر الذي لا يمكن للمتاجر غير الإلكترونية  التقليدية القيام به. وحالياً تتنافس أمازون مع نتفليكس من خلال محاولة نقل ذلك إلى ساحة المحتوى الرقمي.

ويمثل ما سبق الطريقة التي يمكن فيها لثروة البيانات، التي تحتفظ بها منصات الترفيه الرقمي تعزيز حرية الإبداع، لا قتلها. فبدلاً من التركيز فقط على العروض التي لديها شعبية كبيرة مؤكدة، يمكن لهذه المنصات تقديم المحتوى الفريد المخصص وتوصيله مباشرة إلى الشريحة التي تفضله. ويبدو أنّ هذا هو ما يريده العملاء من منصات البث عبر الإنترنت: إذ وجدت دراسة نشرناها في العام 2013 أنه عندما انتقل المستهلكون من جلب أفلامهم من محلات تأجير الفيديو التقليدية إلى خدمات البث عبر الإنترنت، باتوا ذي احتمالية أعلى لاختيار عروض عالية الجودة، بدل اختيار عروض حققت أعلى المبالغ ضمن شباك التذاكر.

وبحسب تيد ساراندوس، مدير المحتوى في نتفليكس، فإنّ نموذج الشركة يجعل من الممكن إنتاج أعمال فنية متنوعة المحتوى والغايات، بدلاً من بضع إنتاجات تقليدية. وبالتالي يمكن إنتاج مجموعة واسعة من القصص التي تحتوي على تنوع أكبر من الأصوات. لدينا مثلاً مسلسلات مثل مسلسل “البرتقالي هو الأسود” من نتفليكس، ومسلسل “ ترانسبيرنت” (Transparent) من أمازون ومسلسل حكاية أمة (The Handmaid’s Tale) من هولو، والتي تملك كلها معجبين مخلصين لها عبر الإنترنت. وكما أوضح ألان ورتزل، رئيس قسم أبحاث إن بي سي يونيفرسال، فإنّ “نموذج الأعمال هذا هو ما يجعلك تستمر باشتراكك لديهم شهرياً. فلا يملك كل مسلسل على نتفليكس شعبية جارفة”.

يتحدى هذا النهج تعريف صناعة الترفيه للنجاح، والذي يقاس تقليدياً بعدد المشاهدين والمبيعات. وعلى الرغم من عدم نشر نتفليكس للأرقام، لكن تشير بعض التقديرات إلى أنّ عدد المرات المشاهدة لكل مسلسل تكون أقل مقارنة بالقنوات التلفزيونية العادية. قد يكون هذا صحيحاً، لكنه بعيد عن صلب الموضوع. إلى جانب ذلك، لا تعمل نتفليكس على زيادة عدد المشاهدين لكل فيلم أو عرض على حدة، بل تقوم بمحاولة زيادة عدد المشتركين من خلال تجميع أفضل مجموعة من الأفلام والعروض لتلبية أذواق كل المشاهدين. يعني هذا أنّ أعداد الجمهور للعرض الواحد (وما ينتج عن ذلك من دولارات الإعلانات) ليس المقياس الملائم لنجاح منصة مثل نتفليكس، بل يكون رضا المشاهدين بشكل عام هو العامل المؤثر (في موازاة مع عائدات الاشتراك التي تحققها المنصة).

كما تميل العناصر الأخرى في نهج نتفليكس أيضاً إلى تقديم حرية إبداعية أكبر، إذ أنّ نموذج الأعمال القائم على الاشتراك يعني أنه لا يوجد معلنين بحاجة إلى نيل رضاهم، بل فقط عملاء من الواجب إبهاجهم، وهو يعطي شركات البث عبر الإنترنت المزيد من الفرص لخلق المحتوى الفريد أو المثير للجدل. كما تلعب الوفرة أيضاً دوراً هنا، فلدى البث التلفزيوني ساعات محدودة من الجدولة، ما يجعل تبعات فشل عرض فردي أعلى بكثير عليها. في المقابل، في عالم من الترفيه غير محدود، والترفيه بناء على الطلب، يمكن لصانعي المحتوى المغامرة بمحتوى متخصص. وفي حال لم يحب المشاهدون عرضاً معيناً، يمكنهم مشاهدة شيء آخر على نفس المنصة بدلاً من الانتقال إلى قناة منافسة. في الواقع، يكون انتقال المشاهد إلى عرض آخر أمراً جيداً لنتفليكس، لأنه يوفر للشركة المزيد من البيانات حول ما يفعله كل عميل وما يفضله وما لا يفضله، وهو أمر يمكن أن يعتبر عاملاً إضافياً في كيفية تخصيص المحتوى.

في نهاية المطاف، يؤدي ذلك كله إلى تجربة أفضل للعملاء، ونوع جديد من العلاقة بين المستهلكين ومقدمي المحتوى. وتبين أبحاثنا أنّ إحدى أكبر الفوائد التي تمنحها منصات البث عبر الإنترنت للمستهلكين تتمثل في زيادة تنوع المنتجات. وينطبق هذا بشكل خاص على “المنتجات الثقافية” مثل التلفزيون والموسيقى، حيث يصعب التنبؤ بالضبط بما سيكون العرض الناجح الجديد. وتبين البحوث أنه في حالات مثل هذه، يستفيد المستهلكون بشكل كبير عندما تتوفر مجموعة واسعة من المنتجات، حيث سيكون لمتجر مثلجات يحتوي على 100 نكهة أرجحية أكبر واحتمال أكبر، لأن يفضله الناس مقارنة بمتجر آخر يملك 10 خيارات فقط.

وبطبيعة الحال، ومن دون البيانات والتوصيات الشخصية التي يتم إنتاجها، يمكن أن يخلق انفجار المحتوى وفرة في الخيارات، حيث يعاني المستخدمون في اختيار النكهة التي يريدون. ولكن عند إضافة بيانات إلى هذا المزيج، فإنّ المستهلكين هم أكثر عرضة للحصول على المحتوى الذي يحبونه والذي يستهدف أذواقهم. وحتى إذا كان كل عرض يحتوي على عدد أقل من المعجبين، ستكون التجربة الإجمالية لكل مشاهد أفضل. فقد يرى المستهلكون نتفليكس وغيرها من منصات الترفيه القائمة على البيانات، ليست فقط منتجة للمحتوى، مثل أي شبكة تلفزيونية أخرى، ولكن يمكن رؤية هذه المنصة كأشخاص ماهرين في عملية الربط، حيث يقدمون ما تريد. أما تلك المنصات التي تقوم بالربط، فستتحسن أكثر مع تقدم التكنولوجيا.

تقليدياً، جاءت السلطة في صناعة الترفيه من القدرة على إنشاء وتوزيع المحتوى، ولكن التكنولوجيات الجديدة جعلت هذه العملية أسهل. وبات المورد النادر الآن هو اهتمام الجمهور، وتكمن قوة منصات الترفيه الرقمية في وجود البيانات لإدارة وتوجيه هذا الاهتمام. واليوم تملك هذه البيانات في المقام الأول كل من نتفليكس وأمازون، ولكنها تأتي قريباً من منصات جديدة نتجت من اندماج إن بي سي يونيفرسال و كومكاست، وأيه تي إن تي وتايم وارنر، ووالت ديزني وفوكس.

قد يخشى الناس نزعة قدوم المزيد من المحتوى الإعلامي من شركات تحركها البيانات بدلاً من أشخاص ذوي خبرة، وأنّ تأتي من أشخاص ذوي فكر مغلق بدلاً من أشخاص مبدعين. ولكن الحقيقة هي أنّ تلك المنصات تتيح للمبدعين التألق من خلال إيجاد جمهور لعملهم، مهما كان مقتصراً على فئة معينة. فبدلاً من قتل الإبداع، ربما تعزز البيانات الكبيرة العصر الذهبي الجديد للإبداع.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz