لقد مر عقد كامل على الأزمة المالية، وعادت الأسواق لتنتعش من جديد وتسجل مستويات أعلى مما كانت عليه. بدوره رحّب القطاع المالي بحماس بالبيانات الضخمة والخوارزميات الحاسوبية التي نتجت عن الإنجازات التي حققها تعلم الآلة فضلاً عن الأرباح. إلا أنه علينا في الوقت نفسه ألا نمنح ثقتنا بالكامل للجيل الجديد من النماذج الكمية وهو الابتكار الذي يمكن أن يؤدي "إلى الإفراط ووضع النظام [المالي] في خطر"، كما حذر ويليام دودلي.

قدم جون ماينارد كينز قبل ثمانين عاماً مبدأ الريبة (عدم اليقين) غير القابل للاختزال والذي يميّز بين الأحداث التي يمكن للمرء أن يحسب لها احتمالات معقولة مثل دوران عجلة الروليت، وتلك بطبيعتها مجهولة مثل احتمال حدوث حرب خلال عشر سنوات. ونواجه بدورنا اليوم خطر عدم قدرة المستثمرين والتجار وواضعي القوانين على فهم إلى أي مدى التقدم التكنولوجي قادر، أو بمعنى أدق غير قادر، على الحد من عدم اليقين المالي.

لدينا مجالان محددان يثيران المخاوف؛ أولهما وجود العديد من أوجه التشابه المقلقة بين التطورات الأخيرة التي حدثت في مجالي تعلم الآلة والتداول الخوارزمي وبين النمو الهائل للهندسة المالية الذي حدث قبل الأزمة المالية. أما الثاني فهو أنه لا يمكننا الاسترخاء ببساطة لمجرد وجود بيانات أكثر وقوة حوسبة أكبر نظراً لأن النظرية الإحصائية تُظهر أنّ البيانات الضخمة لا تمنع بالضرورة حدوث مشاكل كبيرة.

في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، جذب المجال المالي عدداً من ألمع العقول في المجال الكمي، كما يحصل حالياً في أيامنا، والتي أنتجت تطورات نظرية ومنهجية ملحوظة. وحققت الهندسة المالية بدورها في بدايات الألفية نجاحاً تجارياً كبيراً كما يحصل اليوم، إذ نجحت الأدوات الحسابية التي طورتها مكاتب المشتقات المالية في بناء الأعمال وعززت الأرباح وحققت عوائد استثمارية هائلة. وعاصرت بدوري تلك الحقبة في نيويورك، حيث كنت جزءاً من عالم ديناميكي ريادي مليء بالنمذجة الاحتمالية المتقدمة والقوة الحسابية غير المسبوقة. كنا وقتها نروّض عدم اليقين المالي، أو هكذا ظننا.

لقد كشفت الأزمة المالية كيف أنّ تفكيرنا السابق كان "وهماً كمياً"، هو ما يمكن أن نكون عرضة لأن نراه يتكرر هنا ثانية، إذ أظهرت العديد من افتراضات النمذجة وجود عيوب كبيرة فيها، مثل العلاقة المتبادلة بين أسعار الأصول، فضلاً عن انهيار دعامات التمويل الكمي مثل الحدود المنطقية الابتدائية على أسعار الأوراق المالية مثلاً. كما غدا واضحاً كيف أخطأ المحللون الكميون للأوراق المالية بشكل كبير في تحديد مجموعة النتائج المحتملة، وقاموا بحساب الاحتمالات الشرطية للأحداث على افتراض بقاء العالم كما كانوا يعرفونه بشكل أو بآخر، متخذين قرارات انكشفت سخافتها حالما تحققت الأحداث التي اعتقدوا أنها مستحيلة.

وفوق ما سبق، ساد أيضاً ما أسماه الإحصائي آرثر ديمبستر "المسائل الإجرائية" والتي تنص على أنّ تطبيق التقنيات المتطورة عن ظهر قلب على حساب الاستنباط النوعي والحوكمة الذاتية سيقود إلى نتائج غير منطقية. ومن الأمثلة على ذلك اعتماد البنوك في كثير من الأحيان لنماذج مختلفة فيما يتعلق بتسعير عقود مشتقات مالية مختلفة ما تسبب في وجود منتجات مماثلة لنفس المؤسسة بأسعار متباينة.

يُذكرنا عالم اليوم الخاص بالمجال المالي الكمي بما حدث مطلع الألفية من ناحية جيشان المواهب الكمية والتقدم التقني السريع وتنامي الأرباح. وقد تكون المسائل الإجرائية الأمر السائد أكثر الآن، وتغذيها النجاحات الواسعة للخوارزميات والضغوط التنافسية المرتبطة بها لتبنيها؛ وتُمنح تلك النتائج مصداقية غير واقعية عبر الضغط التنظيمي للتحقق من صحة تلك النماذج أو "المصادقة عليها".

صحيح أنه في إمكاننا استكشاف مجموعات أكبر من النتائج المحتملة بسبب وجود بيانات أكبر وقدرة حوسبة أفضل مقارنة بالعقد الماضي، إلا أننا ما زلنا لا نعرف إلى أي درجة تختلف احتمالاتنا الشرطية التي تم حسابها عن تلك الفعلية، وما زلنا لا نعرف أي من افتراضاتنا سيتداعى. وفي الواقع، كلما باتت خوارزمياتنا أكثر تعقيداً، كما هو الحال مع التعلم العميق، زادت صعوبة تحديد الثغرات في المنطق الذي يُشكّل تلك الخوارزميات، أو فهم متى قد تُخفق تلك النماذج بشكل فادح.

يمكن أن يكون التعلم الآلي فعالاً للغاية في التنبؤ قصير المدى مستفيداً من البيانات والأسواق التي نواجهها، لكن التعلم الآلي غير جيد في الاستدلال والتعلم من البيانات المتعلقة بالعلوم الأساسية وآليات السوق. كما أنّ فهمنا للأسواق لا يزال غير مكتمل.

قد لا تقدم البيانات الضخمة نفسها أي مساعدة، كما برهنت عن ذلك مؤخراً زميلتي في جامعة هارفارد شياو لي منغ ضمن بحثها الذي يحمل عنوان "التناقضات الإحصائية والمفارقات الخاصة بالبيانات الضخمة". لنفترض على سبيل المثال أننا نريد تقدير واحدة من خصائص إحدى المجموعات السكانية الكبيرة، كالنسبة المئوية لمنتخبي ترامب في الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. سيعتمد مدى نجاحنا في القيام بذلك على ثلاثة بيانات كمية هي: كمية البيانات (كلما زادت، كان أفضل)؛ قابلية التغير للخاصية مثار الاهتمام (إذا كان الشخص منتخباً لترامب، ستكون المشكلة سهلة)؛ وجودة البيانات. تعتمد جودة البيانات على العلاقة التبادلية بين نية الشخص للتصويت وما إذا كان الشخص ذاته مدرجاً ضمن مجموعة البيانات. إذا كانت احتمالية إدراج منتخبي ترامب أقل مثلاً، فقد يؤدي ذلك إلى تحيز في التحليل.

أظهرت "منغ" كيف أنّ جودة البيانات تفوق أهمية كمية البيانات بشكل مثير. فعلى سبيل المثال، لنفترض أننا استطلعنا رأي 1% من الناخبين الأميركيين، أي ما يقرب من 2.3 مليون شخص، وأنّ احتمالية أنْ يكون أحد المستجيبين قد انتخب ترامب هي 0.1% أقل مقارنة بمن لم ينتخب ترامب. بالتالي تقدم البيانات الكبيرة تقديراً أقل موثوقية للنسبة المئوية الإجمالية لناخبي ترامب مقارنة بعينة عشوائية بسيطة من 450 شخصاً، حيث تكون الإجابات دقيقة مع هذا العدد البسيط.

الدرس المستفاد هنا فيما يتعلق بالقطاع المالي مهم جداً. إذا كانت مجموعة البيانات الخاصة بنا في حدها الأدنى ولكنها لا تمثل المجموعة السكانية بطريقة منهجية، لن تحول كثرة البيانات دون حدوث مشكلات كبيرة مهما كانت مجموعة البيانات تلك كبيرة. وأولئك الذين يلجؤون إلى نهج إجرائي لاستخدام الخوارزميات المعقدة ومجموعات البيانات الكبيرة في الإجابة عن الأسئلة الصعبة هم من يتعرضون للخطر بشكل خاص. من يستطيع أن يخبرنا كيف سيمكن لبياناتنا غير التمثيلية اليوم أن تمثّل المستقبل؟ نعم، قد لا نفترض أبداً مرة أخرى أنّ أسعار المنازل ستهبط في كل الولايات الأميركية في الوقت نفسه، لكننا لا نعرف الافتراضات الأخرى التي توضع ضمنياً.

ستزداد أهمية الدور الذي تلعبه الحكمة في تخفيف الاعتماد المفرط على النماذج الكمية وإساءة استخدامها، ويجب أن تكون حكمة ذاتية قائمة على الخبرة. تهدف الحكمة إلى مساءلة حتى أكثر الخوارزميات نجاحاً، والحفاظ على التواضع في وجه عدم اليقين غير القابل للاختزال قد يثبت الفرق بين الاستقرار المالي و"الأضرار المروعة" لأزمة أخرى.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!