تابعنا على لينكد إن

غالباً ما تغرق أقسام الموارد البشرية في بحر النشاطات الإدارية، مثل إدارة سجلات الموظفين والتخطيط للرحلات الجماعية في الشركة، بحيث تغفل عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في ضمان امتلاك المؤسسة لرأس المال البشري الذي تحتاجه لتطبيق استراتيجياتها. ولا يمكن لأعظم رحلة تقوم بها أي شركة في العالم أن تعوّض فشل قسم الموارد البشرية في مساعدة هذه الشركة على وضع الناس المميزين في الوظائف الصحيحة خلال اللحظات الحاسمة.

تحتاج الإدارة الناجحة لرأس المال البشري مهارات كيفية وتحليلية غالباً ما تكون نادرة لدى المتخصصين في الموارد البشرية، ولاسيما من يظلون ينظرون إلى أنفسهم كموظفين إداريين وليس كشركاء استراتيجيين. أما اليوم، يجب على مدراء الموارد البشرية أن يلتفتوا إلى قيمة البيانات، ويعرفوا كيف يستخدمونها لمساعدتهم في الإيفاء بالتزاماتهم تجاه شركاتهم.

نحن هنا لا نتحدث عن بيانات كبيرة، وإنما الحديث هنا يدور حول بعض البيانات الصغيرة، أي البيانات العادية المملة التي تراكمها الشركات منذ سنوات وتتزايد إمكانية الوصول إليها، سواء من مصادر داخلية أو خارجية. كما أننا لا نتحدث عن المقاييس المعتادة للموارد البشرية، التي تقيم مدى فعالية قسم الموارد البشرية في أدائه لمهامه الإدارية. وإنما نحن هنا بصدد التطرق إلى البيانات التي يمكن أن تبين ما ينتظر الشركة، وتساعد في تخطيط القوى العاملة.

لنأخذ حوض الاستحمام، على سبيل المثال: قبل بضع سنوات، عمدت شركة تكنولوجيا عالمية إلى تخفيض النفقات، وبالتالي لم تكن في موقع يسمح لها بتوظيف أشخاص جدد، لكن تحليلاً لبياناتها أظهر أنها كانت ذاهبة نحو المشاكل. وشملت الأرقام القياسية أعمار المهندسين، وخبرتهم، ومهارتهم، إضافة إلى التواريخ المتوقعة لمغادرة الموظفين سواء عند تقاعدهم أو لأسباب أُخرى.

كانت إحدى النتائج على شكل رسم بياني يبين عدد المهندسين بحسب سنوات الخدمة. وكان على شكل حرف (U)، وبدى كأنه صورة مقطعية لحوض الاستحمام. هذا الشكل كان يعني وجود عدد كبير من الخريجين الجدد والكثير من الموظفين ذوي الخبرة والمهارة العالية، مع عدد قليل من الواقعين في منزلة بين المنزلتين. إضافة إلى ذلك، كان الاستنزاف أكبر بكثير بين صفوف المحترفين الذين هم في مطلع مسارهم المهني، مقارنة مع الموظفين العاملين منذ فترة طويلة.

هذا الشكل البياني، إلى جانب البيانات الأُخرى، بيّن وجود مشكلة خطيرة لم تكن الشركة تلقي لها بالاً. ألا وهي حاجتها الماسة إلى تعيين المزيد من المهندسين لتلبية الالتزامات الحالية والمستقبلية تجاه زبائنها.

ثم راجعت الشركة مجموعة من البيانات الخارجية، مثل التراجع الإجمالي في عدد خريجي كليات الهندسة والنقص المتوقع بعد 10 سنوات في أعداد القوى العاملة من المهندسين، وأدركت أنها تواجه مشكلة كبيرة. ونتيجة لذلك، سرّعت الشركة عملية التعيين لديها، وانتهى بها المطاف بتوظيف 10.000 مهندس سنوياً.

ثمّة أنواع أُخرى من البيانات تمتلك قيمة استراتيجية مشابهة. فتقييم التقلب في الموظفين ضمن كل وحدة أو وظيفة، على سبيل المثال، لا يقدم فهماً للاحتياجات المستقبلية من الموظفين فحسب، وإنما ينبهك إلى المشاكل: هل هناك مشكلة في الإدارة؟ أم هل هناك مشكلة في نظام التعويضات؟ والأهم من كل ذلك، هل ستكون الشركة قادرة على المنافسة بعد 10 أعوام من اليوم؟

وبمناسبة التطرق إلى التعويضات، يمكن لهذا الانتشار الواسع اليوم للبيانات المتعلقة بالأجور أن يساعد الشركة والموظفين على عقد المقارنة بين الأجور. فعندما كان من الصعب الحصول على معلومات حول الرواتب، كانت الشركات تركّز بصورة رئيسية على سوق العمل الداخلية، هل يحصل الموظفون الذين يمتلكون الخبرة ذاتها ويشغلون وظائف مشابهة على أجور مشابهة؟ أما الآن فقد أضحى التركيز أكبر على مدى التقارب بين سلم الرواتب في الشركة وسلالم الرواتب لدى المنافسين. وترتبط القيمة الاستراتيجية لهذه البيانات بموقع الشركة: هل ترغب بأن تكون الرائدة في السوق من خلال تقديم أجور أفضل، أم ترغب بأن تكون متطابقة مع ما هو سائد في السوق؟ فإذا كان ثمّة ندرة في المرشحين، تكون الشركة في وضع أفضل إذا حاولت أخذ موقع ريادي في السوق.

لم تعد مهمة قسم الموارد البشرية مقتصرة على العمليات، كما كان الحال يوماً ما. وإنما في العديد من الشركات لم ترتق هذه الأقسام إلى الطاقة الكامنة الكبيرة التي تمتلكها كمحرك أساسي للأداء في الشركة. يعود السبب في ذلك جزئياً إلى أنّ العديد من المتخصصين في الموارد البشرية غير مدربين على فهم قيمة البيانات التي تنتجها وظيفتهم، أو على معرفة أي مقاييس أو أشكال تحليل بيانات يجب أن تستعمل لدعم استراتيجيات شركاتهم. فأرقام مثل هذه تخفي بين طياتها آراء تبين ما إذا كانت مهارات القوى العاملة تطابق الخطط الاستراتيجية للشركة أم لا، وما إذا كانت الخطط الخاصة بتطوير الموظفين فعالة، وما إذا كانت الفرق الافتراضية تؤدي وظيفتها حقاً، أم لا.

إذاً، من خلال الغوص في الآراء المستندة إلى البيانات فقط يمكن لقسم الموارد البشرية التأكد من أنّ جهوده في تخطيط القوى العاملة، والبحث، والانتقاء، والتعيين، والتدريب والتطوير، والتعويض، وغير ذلك من الوظائف الأساسية، تساعد الشركة على السير في الاتجاه الصحيح.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz