تولد معظم "صدمات عدم اليقين" عبر التاريخ موجة من عدم اليقين التي تتلاشى بسرعة معقولة، مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أو صدمة أسعار النفط التي تسببت بها أوبك عام 1973، أو اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي. وتكون الأسواق على اطلاع عادة بهذه الأحداث، وتكسب المزيد من الثقة بمرور الوقت. لكن قضية البريكست كانت مختلفة، إذ بدأت بقفزة حادة في حالة عدم اليقين بعد أن صوتت المملكة المتحدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو/حزيران عام 2016. استمرت حالة عدم اليقين هذه، ومع مرور المزيد من الوقت دون اتفاق على شروط انسحاب المملكة المتحدة، أصبحت الشركات أكثر تشككاً بشأن الاتفاق على صفقة من الأساس، وبشروط هذه الصفقة، واحتمالية إجراء استفتاء عام ثان. وتعتبر فترة الكساد العظيم أوضح مقارنة تاريخية أدت إلى هذه الفترة الممتدة من عدم اليقين، إذ بدأت بانهيار سوق الأسهم في العام 1929، ما أثار حالة من عدم اليقين التي استمرت حتى العام 1932. كان البريكست بمثابة صدمة سياسية مقابل صدمة اقتصادية، وصدمة غير متوقعة إلى حد كبير. وكما نوقش على نطاق واسع في الأسابيع التي سبقت التصويت، أشارت الرهانات إلى بلوغ متوسط احتمال البريكست إلى حوالي 30% فقط، ولم يتجاوز هذا المتوسط نسبة الـ 40% على الإطلاق (بيل، 2016). والسبب الثالث الذي يجعل البريكست حالة غير عادية من صدمات عدم اليقين هو وجود العديد من العوامل غير المعروفة التي يصعب على الشركات تقديرها. على سبيل المثال، هناك حالة من عدم اليقين حول الشروط التي ستترك بموجبها المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، وماهية علاقة المملكة المتحدة الأطول أجلاً مع الاتحاد الأوروبي، وكيفية انتقال المملكة المتحدة إلى هذا الوضع النهائي، وأثر ذلك على الوصول إلى الأسواق، وتوافر العمالة المهاجرة وتنظيم المنتجات، وأثر ذلك كله على آفاق الشركات الفردية. وتوفر مقاييس عدم اليقين الشائعة الاستخدام رسائل متضاربة حول حالة عدم اليقين منذ استفتاء الاتحاد الأوروبي، حيث ارتفعت التدابير التي تستند إلى تقارير وسائل الإعلام إلى مستويات غير مسبوقة، في حين كانت هناك زيادة طفيفة في التدابير الأخرى مثل تقلبات سوق الأسهم. وإلى جانب الطبيعة الفريدة لصدمة عدم اليقين التي تسبب بها البريكست، قد تكون هناك حاجة إلى انتهاج أساليب جديدة. وللمساعدة على التوصل إلى فهم أفضل للشكوك التي يتسبب بها البريكست بشكل أفضل، قام فريقنا من بنك إنجلترا وجامعة نوتنغهام وجامعة ستانفورد بإدارة منصة صانع القرار، وهي دراسة استقصائية لحوالي 7,500 مدير أعمال تنفيذي في المملكة المتحدة. يجمع الاستطلاع بيانات حول كيفية إبلاغ الشركات عن تأثرها في البريكست وبشأن متغيرات مثل المبيعات والأسعار والاستثمار والعمالة. ويدار الاستطلاع شهرياً، ما يساعد على تتبع وجهات نظر الشركات في الوقت الفعلي تقريباً، ويمكن استخدامه للمساعدة في تقييم تأثير البريكست وعدم اليقين الذي يرتبط به من خلال مقارنة أداء الشركات التي تتأثر بالبريكست بدرجة ما. وجدنا أن البريكست كان مصدراً مهماً لعدم اليقين بالنسبة للعديد من الشركات البريطانية. وأسفر هذا بحسب تقديرنا عن انخفاض في الاستثمار بنسبة 6% في أول عامين بعد الاستفتاء، مع انخفاض العمالة بنسبة 1.5% أيضاً. ومن المحتمل أن يقلّل البريكست من إنتاجية المملكة المتحدة المستقبلية بحوالي نصف نقطة مئوية من خلال تأثير متوسط مستوى كفاءة الإنتاج الذي ينحسر بعيداً عن الشركات ذات الإنتاجية الأعلى باتجاه الشركات ذات الإنتاجية المنخفضة. وتتوقع غالبية الشركات أن البريكست سيؤدي في النهاية إلى خفض المبيعات وزيادة التكاليف. وتقدم لنا الردود من استقصاء منصة صانع القرار أربع نتائج رئيسة تتعلق بكيفية تأثير البريكست على الشركات البريطانية. البريكست هو مصدر مهم ومتنام لعدم اليقين بالنسبة للشركات طُرح على كبار الرؤساء التنفيذيين والرؤساء الماليين في أغسطس/آب من العام 2016 السؤال التالي: "إلى أي مدى أثرت نتيجة الاستفتاء في الاتحاد الأوروبي على مستوى عدم اليقين الذي يؤثر على عملك؟"، وأشار 36% منهم إلى اعتبار البريكست واحداً من أول ثلاثة مصادر حالية لعدم اليقين. وصرّح 9% منهم أنّ البريكست كان العامل الأكثر أهمية، بينما أشار 27% من المجيبين أنه كان أحد أهم مصدرين أو ثلاثة مصادر لعدم اليقين ولكنه ليس المصدر الأول. وأظهرت الموجات المتتالية لهذا السؤال مواصلة الشركات وضع البريكست على رأس قائمة مصادر عدم اليقين. وتشير النتائج منذ صيف عام 2018 إلى زيادة عدم اليقين الناجم عن البريكست. وارتفعت نسبة الشركات التي أجابت أن البريكست كان أحد أهم ثلاثة عوامل لعدم اليقين من 36% في شهر أغسطس/آب عام 2016 إلى 54% في الفترة ما بين نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018 ويناير/كانون الثاني عام 2019، مع زيادة نسبة الذين اعتقدوا أن البريكست كان المصدر الرئيس الحالي لعدم اليقين من 9% إلى 23%.
تتوقع الشركات أن يؤدي البريكست في نهاية المطاف إلى انخفاض المبيعات المحلية والأجنبية وإلى ارتفاع التكاليف. ويوضح الرسم البياني أدناه التأثيرات التي تتوقعها الشركات من البريكست على مبيعاتها وصادراتها وتكاليفها، حيث توقعت الشركات في المتوسط أن يخفض البريكست من مبيعاتها في نهاية المطاف بحوالي 3%. كما توقعت أيضاً أن تكون التأثيرات على الصادرات سلبية، في حين توقعت ازدياد تكاليف الوحدة وتكاليف العمالة وتكاليف التمويل.
خفّض البريكست بالفعل نمو الاستثمار والعمالة قمنا بتحليل التغير في الاستثمار والتوظيف للشركات التي تتأثر أكثر بالبريكست من خلال كل من عدم اليقين وتأثيرات المبيعات المتوقعة بهدف تقدير تأثير البريكست. قد تكون هناك تأثيرات من خلال كلتا القناتين، لكن وجدنا أن أقوى التأثيرات حتى الآن جاءت بسبب حالة عدم اليقين، وذلك إلى الحد الذي تمكنّا فيه من التمييز بين العاملين باستخدام بيانات الاستبانة الخاصة بنا. ويظهر الرسم البياني التالي أن لدى الشركات التي ترى أن البريكست مصدراً مهماً لعدم اليقين نمو استثمار أقل منذ الاستفتاء من تلك التي ترى عدم اليقين في البريكست أقل أهمية، حيث استخدمنا تحليل مقارنة الانحدار للبيانات الاستقصائية التي تلت الاستفتاء مع بيانات الحسابات الخاصة بالسنوات السابقة لتقدير تأثير عدم اليقين في البريكست على نمو الاستثمارات والتوظيف من قبل الشركات. بناء على ذلك، فإننا نقدر أن حالة عدم اليقين في البريكست أسفرت عن حوالي 6% من الاستثمار الأقل في السنة الأولى بعد استفتاء البريكست بين شهر يوليو/حزيران عام 2016 ويونيو/تموز عام 2017. ونقدر أيضاً أن معدل التوظيف انخفض بنحو 1.5 نقطة مئوية، وكان التأثير أكبر في السنة الثانية بعد البريكست بين شهر يوليو/حزيران عام 2017 ويونيو/تموز عام 2018 مقارنة بالعام الأول.
من المحتمل أن يؤدي البريكست إلى انخفاض نمو الإنتاجية في المملكة المتحدة مستقبلاً. كانت الشركات في الاقتصاد البريطاني التي تصدر المزيد من السلع والخدمات إلى الاتحاد الأوروبي وتستورد المزيد من المواد وتوظف المزيد من الأيدي العاملة هي الأكثر تشككاً، وتوقعت تأثيراً سلبياً على مبيعاتها بسبب البريكست. تميل هذه الأنواع من الشركات الأكثر تأثراً دولياً إلى أن تكون أكثر إنتاجية من المتوسط. بينما تتوقع الشركات الأكثر إنتاجية أن يكون تأثير البريكست على مبيعاتها أكثر سلبية من الشركات الأقل إنتاجية. إذا قلّل البريكست من إنتاج الشركات ذات الإنتاجية العالية بمقدار أكبر من الشركات ذات الإنتاجية المنخفضة، سيؤدي ذلك إلى انخفاض متوسط الإنتاجية من خلال تأثير متوسط مستوى الكفاءة. تشير تقديراتنا إلى أنّ تأثير إعادة التخصيص هذا قد يؤدي في النهاية إلى خفض مستوى إنتاجية المملكة المتحدة بحوالي 0.5%. وبالنظر إلى أن الاقتصاد البريطاني شهد نمواً متدنياً في الإنتاجية خلال العقد الماضي، بنسبة 1% في السنوات القليلة الماضية، فإن هذا التأثير يستحق حوالي نصف عام من نمو الإنتاجية.
لا يزال العالم منذ ثلاث سنوات يراقب ويتساءل عما إذا كان البريكست سيحدث، وعن شروطه في حال حدوثه بالفعل. ومع ذلك استمرت حالة عدم اليقين وازدادت خلال الأشهر الأخيرة. ويوثّق بحثنا عواقب عدم اليقين هذا في شكل الاستثمار وفرص العمل الفائتة. إذا توصلت المملكة المتحدة إلى صفقة، فقد يتحقق بعض هذا الاستثمار المؤجل. لكن إذا اختارت المملكة المتحدة البريكست "دون صفقة" أو إجراء استفتاء ثان، فقد تزداد حالة عدم اليقين مرة أخرى وتضيف إلى تلك العواقب. وعلى الرغم من أنّ التأثيرات الرئيسة للبريكست كانت على ما يبدو بسبب حالة عدم اليقين حتى الآن، تتوقع الشركات أيضاً أن يخفض البريكست مبيعاتها على المدى الطويل، والذي من المحتمل أن يحمل آثاراً مهمة على الاستثمار والتوظيف والإنتاجية أيضاً. تلقى بلوم وميزن 683.636 جنيه استرليني في شكل منحة قياسية من مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية لبحث بعنوان "قياس تأثير البريكست على الاستثمار والإنتاجية والمبيعات والتوظيف في المملكة المتحدة". وسيدعم التمويل إجراء استقصاء عبر الإنترنت وأبحاث حول تأثير البريكست على المملكة المتحدة لمدة ثلاث سنوات، من تاريخ 1 سبتمبر/أيلول عام 2017 وحتى 31 أغسطس/آب عام 2020. وينفّذ المشروع بالتعاون مع بنك إنجلترا وجامعات نوتنغهام في المملكة المتحدة و ستانفورد في الولايات المتحدة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!