لا يزال موعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي غير مؤكد. كان من المفترض أن يكون "يوم البريكست" في 29 مارس/آذار، لكن رئيسة وزراء المملكة المتحدة تيريزا ماي طلبت تمديداً لمدة ثلاثة أشهر ستحاول خلالها إقناع البرلمان البريطاني بالموافقة على شروط الخروج التي تفاوضت عليها مع بروكسل، لكن نواب البرلمان رفضوا هذه الشروط مرتين. إذ سيتطلب التمديد موافقة بالإجماع من الأعضاء الباقين في الاتحاد الأوروبي والبالغ عددهم 27 عضواً، وهو أمر بعيد كلّ البعد عن أن يكون مضموناً. في هذه الأثناء، لا يزال احتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "دون صفقة" أمراً ممكناً، بمعنى أنه لن يكون هناك اتفاقات لعلاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

وفي حين أنّ هذا الاحتمال الأخير قد يُضفي وضوحاً فورياً من نوع ما، إلا أنّ حالة عدم اليقين التي طال أمدها كانت مؤلمة بالنسبة للشركات التي تأثرت بالعملية السياسية.

وتقدم الشركات اليابانية التي استثمرت في بريطانيا مثالاً مثيراً للاهتمام حول كيفية تعامل الشركات الدولية مع الاضطرابات السياسية التي تعصف بالاقتصاد البريطاني بسبب البريكست. كانت الشركات اليابانية العاملة في المملكة المتحدة والسفير الياباني في لندن صريحين بشكل غير معتاد بشأن عدم رضاهم عن البريكست والتعامل غير الملائم مع هذه القضية من قبل السياسيين البريطانيين. ومع ذلك، لا تراهم يُسارعون الخطى للخروج من المملكة المتحدة، بل يقومون بدلاً من ذلك بتحركات دفاعية محدودة لحين انبعاث النور في خضم هذه الفوضى.

وتشمل هذه التحركات نقل المقرات الرئيسة إلى دول الاتحاد الأوروبي والانتقال إلى البلدان التي يجرون الصفقات المالية فيها بشكل قانوني. وستحدد هذه الشركات السرعة التي ستنقل بها عملياتها إلى الاتحاد الأوروبي أو تعود بها إلى اليابان، أو تركها في المملكة المتحدة عندما تعرف المزيد عن الجوانب الهامة للعلاقة التجارية والاستثمارية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد البريكست، من التعريفة الجمركية إلى الإجراءات الجمركية، ومن انقطاع سلسلة التوريد إلى معدلات الضريبة على الشركات.

ومن المحتمل أن يكون هناك اتفاق للتجارة الحرة بين المملكة المتحدة واليابان على المدى الطويل. ومع ذلك، انهارت المحادثات حول هذا الموضوع في فبراير/شباط مع طلب الجانب الياباني لشروط أفضل من التي حصلت اليابان عليها بموجب اتفاقها التجاري الحالي مع الاتحاد الأوروبي. وجرى تأطير ذلك جزئياً للتعويض عن الحجم الأصغر لسوق المملكة المتحدة وحقيقة أنّ عمليات الشركات اليابانية في المملكة المتحدة لن تمر دون قيود إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

لا يزال الاستثمار الياباني يتدّفق إلى المملكة المتحدة، لكنه يذهب إلى الاتحاد الأوروبي بشكل أسرع. وقد كانت الاستثمارات اليابانية في المملكة المتحدة وبقية الاتحاد الأوروبي تنمو بنفس الوتيرة منذ عام 2015 وحتى شهر يونيو/حزيران عام 2016، عندما أجرت المملكة المتحدة الاستفتاء الذي صوتت فيه بالخروج من الاتحاد الأوروبي. وواصلت نموها من منتصف عام 2016 بنفس الوتيرة في بقية دول الاتحاد الأوروبي لكنها تباطأت إلى النصف في المملكة المتحدة.

وبلغ إجمالي الاستثمارات التراكمية للشركات اليابانية في المملكة المتحدة 158 مليار دولار، وذلك من خلال 634 شركة يابانية حققت مبيعات سنوية بلغت 68 مليار دولار، وتوظيف 150.000 عامل حتى نهاية شهر مارس/آذار عام 2017، وفقاً لمعطيات بنك اليابان ووزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة. ويُمثل التصنيع ربع إجمالي الاستثمارات اليابانية في المملكة المتحدة، على الرغم من أنه يمثل 60% من العمالة. وتُمثّل الخدمات أكثر من 60% من الاستثمارات، ولكنها حازت على معدل أقل في العمالة بنسبة 40% من الموظفين.

والجزء الأكثر وضوحاً من هذه القضية هو من نصيب شركات صناعة السيارات "الثلاث الكبرى" في اليابان، أي هوندا ونيسان وتويوتا، التي توظف حوالي 60 ألف عامل بريطاني في إنتاج السيارات ومبيعاتها. تُصنّع هذه الشركات مجتمعة 40% من السيارات في المملكة المتحدة، وكانت استثماراتها هي التي أنعشت صناعة السيارات في المملكة المتحدة بعد انهيار الصناعة في السبعينيات. ومن قبيل المفارقة أن هذه الشركات الثلاث تمتلك مصانع، وبالتالي وظائف، في مدن مثل ساندرلاند وسويندون التي صوتت بشدة لصالح البريكست.

تتأثر حسابات شركات السيارات اليابانية حول مكان الاستثمار الجديد بأكثر من مجرد البريكست، إذ تشمل العوامل الأخرى تباطؤ مبيعات السيارات في جميع أنحاء أوروبا، واتفاقية التجارة بين اليابان والاتحاد الأوروبي، ما يجعل تركيز إنتاجية بعض طرازات السيارات في اليابان أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

أعلنت نيسان في أواخر شهر فبراير/شباط، أنها ستتوقف عن إنتاج طرازي إنفينيتي كيو 30 و كيو إكس 30 في مصنعها في سندرلاند في شمال شرق إنجلترا بحلول منتصف هذا العام، ولكن كجزء من سحب ماركتها الفاخرة من أوروبا الغربية في مواجهة منافسة من شركات صناعة السيارات الألمانية. وجاء ذلك عقب إعلانها إلغاء خطة إنتاج طراز جديد لسيارتها الرياضية متعددة الأغراض إكس تريل في مصنع سندرلاند نفسه، حيث توظف حوالي 7,000 شخص، مشيرة إلى عدم اليقين في قضية البريكست.

كما وعدت شركة هوندا في عام 2015 قبل استفتاء البريكست تنفيذ استثمار بقيمة 263 مليون دولار في مصنع سويندون في جنوب إنجلترا، وهو مصنع الإنتاج الأوروبي الوحيد والمصنّع العالمي الوحيد لسيارة هوندا سيفيك هاتشباك. إلا أنّ الشركة صرحت في منتصف فبراير عن عزمها إغلاق المصنع في عام 2021 مع فقدان 3.500 وظيفة. وقالت هوندا أنّ القرار يستند إلى اتجاهات عالمية، إذ انخفضت مبيعات هوندا في أوروبا إلى النصف من الذروة التي بلغتها في عام 2007، لكنها أقرت بقلقها بشأن التعريفات الجمركية فيما بعد البريكست. ويأتي خمسا المكونات التي تستخدمها هوندا في سويندون من الاتحاد الأوروبي، وتذهب 35% من صادرات المصانع إليه في المقابل. ومن المتوقع أن تعيد الشركة الإنتاج إلى اليابان.

كما صرّحت تويوتا في وقت سابق من شهر مارس/آذار الماضي أنها قد تنهي إنتاجها في المملكة المتحدة في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون صفقة. ومن بين 144.000 سيارة صنعتها تويوتا في المملكة المتحدة في عام 2017، ذهب نحو سبعة أثمان هذا العدد إلى الاتحاد الأوروبي. وأوضحت الشركة أنها ستصنع الجيل المقبل من أوريس هاتشباك في مصنعها في ديربيشاير على الرغم من البريكست، بعد تخصيص استثمارات بقيمة 300 مليون دولار، ومنحة من الحكومة البريطانية بقيمة 28 مليون دولار، لإعادة تجهيز المصنع.

أما في قطاع الإلكترونيات، تقوم شركتا سوني وباناسونيك بنقل مقريهما الأوروبي إلى هولندا لضمان استمرار خضوع عملياتهما الأوروبية للإجراءات الجمركية المشتركة للاتحاد الأوروبي. وستقوم باناسونيك بنقل 10 موظفين فقط من المملكة المتحدة، أما سوني فلن تنقل أي موظف في هذه المرحلة. ولن تنقل سوني أياً من عملياتها من المملكة المتحدة.

تقوم العديد من الشركات اليابانية أيضاً بتحويل فواتيرها المقيّمة باليورو إلى بلد في الاتحاد الأوروبي. وستفقد الشركات المالية في المملكة المتحدة في مرحلة ما بعد البريكست حقوق "حرية الحركة والتنقل" التي تسمح لشركات الخدمات المالية القائمة والمرخصة في إحدى دول الاتحاد الأوروبي أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية بالقيام بأعمال تجارية في أي دولة عضو أخرى ضمن الاتحاد الأوروبي.

لذلك، تقوم المؤسسات المالية اليابانية التي تمتلك شركات مقرها المملكة المتحدة بإنشاء فروع لها في الاتحاد الأوروبي بغية إعادة الحصول على هذه الحقوق، على الأقل عبر الاتحاد الأوروبي بعد البريكست. وستؤدي هذه الخطوة إلى زيادة التعقيد التنظيمي بالنسبة لهذه الشركات وطلب رأس مال وسيولة إضافية، ولكنه أقل الخيارات المتاحة سوءاً.

وستقوم شركة نومورا (Nomura) المالية القابضة اليابانية، التي تضم حوالي 2,300 شخص في لندن، بتأسيس شركة وساطة تجارية في فرانكفورت لاستخدامها كمركز تجاري لنقل 50 إلى 100 موظف إلى فرانكفورت وأماكن أخرى في أوروبا. وتخطط نومورا لإعادة عدد صغير من المصرفيين إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تغطيها، حتى يتمكن المصرفيون الذين يغطون الشركات الإسبانية من الانتقال إلى مدريد، على سبيل المثال. ولدى نومورا بالفعل رخصة بنكية فرنسية، ولكن يجب أن تحصل على موافقة من الجهات التنظيمية في البلاد لتوسيع ميزانيتها العمومية. وتُجري الشركة حالياً محادثات مع المنظمين الفرنسيين حول استخدام باريس ككيان إقراض أوروبي بعد البريكست.

والقائمة تطول، إذ تُوسع مجموعة ميتسوبيشي يو إف جيه (Mitsubishi UFJ) المالية عملياتها في أمستردام وتخطط لإنشاء فرع في باريس، مع زيادة عدد موظفيها في لندن بشكل بسيط. واختارت دايو (Daiwa) مدينة فرانكفورت كمركز لها في الاتحاد الأوروبي، لكنها ستبقي على عمل 450 موظفاً في لندن. كما أعلنت مجموعة ميزوهو (Mizuho) المالية وسوميتومو ميتسوي (Sumitomo Mitsui) المالية عزمهما عن إنشاء فروعاً لها في ألمانيا. وانتقل بنك نورينتشوكين (Norinchukin) الياباني إلى هولندا.

يمكن أن توقف المملكة المتحدة بعض النزيف عن طريق خفض معدل الضريبة على الشركات بشكل ملحوظ بعد البريكست للاحتفاظ بالاستثمار أو جذبه. ومع ذلك، يمكن لليابان أن تعاملها كملاذ ضريبي. وهذا من شأنه أن يجعل الشركات اليابانية معرضة لخطر التزامات كبيرة محتملة في الداخل بسبب القوانين المعادية للملاذ الضريبي في طوكيو. ويُعتقد أن هذا قد أثقل كاهل قرار باناسونيك بنقل مقرها الأوروبي إلى أمستردام.

ومن أهم نتائج هذه الخطوات هو أن الشركات اليابانية لا تزال مستنيرة الفكر في خضم هذا الضباب السياسي، وتتخذ قرارات دفاعية معقولة لتحمي نفسها مما هو مؤكد حول البريكست على المدى القصير، وتوقف قرارات الاستثمار طويلة الأجل حتى يكون هناك وضوح حقيقي. وبالنظر إلى أنه سيتعين على المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي التفاوض بشأن ترتيباتهما التجارية المستقبلية، والتي من المحتمل أن تستغرق سنوات كما تستغرق الاتفاقيات التجارية في كثير من الأحيان، قد يكون هذا النهج هو الأنسب والذي يجب على الشركات الدولية النظر فيه عندما يتعلق الأمر بالمملكة المتحدة ليس فقط للمستقبل القريب، ولكن لعدة سنوات قادمة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!