تابعنا على لينكد إن

عندما كان البريد الإلكتروني حديث العهد قبل عشرين عاماً، بدأ المدراء يسألوننا وقتها ما إذا كان البريد الإلكتروني يمكن أن يُستعمل للمحادثات الحساسة، مثل المشاكل المتعلقة بالأداء أو التفاوض على الراتب. ولسنوات طويلة كنا نجيب: “كلا. لا يجوز استعمال البريد الإلكتروني لهذه الأغراض إطلاقاً”. ولكن أن العمل أصبح افتراضياً أكثر وأكثر، وبات حجم الأعمال التي تنجز عن طريق الانترنت أكبر بكثير، فإن السؤال تغيّر. فلم يعد الناس يسألوننا “هل بوسعنا استعماله لهذه الأغراض؟”. بل باتوا يطلبون منّا عوضاً عن ذلك أن نشرح لهم “كيف يمكننا استعماله لهذه الأغراض؟”

لذلك فإن موقفنا من هذه القضية تغيّر أيضاً، ومردّ هذا التغيّر إلى حدٍّ كبير هو إلى أننا اكتشفنا أناساً بدوا قادرين على طرح مواضيع محفوفة بالمخاطر بطرق مذهلة بفعاليتها من خلال البريد الإلكتروني.

صحيح أنكم يجب أن تحدّوا من استعماله للتواصل الذي يتّصف بالحساسية، إلا أن هناك ممارسات فضلى تسمح لكم بالاستفادة من فعالية البريد الإلكتروني دون المعاناة كثيراً من عوائقه وقيوده. ولكن قبل أن تُقدِموا على هذه الخطوة، اطرحوا على نفسكم السؤال التالي: “هل أستطيع إنجاز هذه المهمّة بأحسن شكل ممكن دون أن أرى وجه الموظف – ودون أن يرى هو وجهي؟”

والسبب في ذلك هو أن النظر إلى وجه الإنسان يعتبر مهمّاً. لا بل هو في غاية الأهمية. فوجوه الناس هي الأداة الأساسية التي نستعملها لاستكشاف نوايا الأشخاص الذين من حولنا. وقد وجدت عالمة النفس في جامعة برنستون سوزان فيسكي أن برمجتنا البدائية كبشر تحثنا على إجراء تقويم لأي كائن يدخل المنطقة التي يقع بصرنا عليها. وثمّة سؤالان لا إراديان نطرحهما على أنفسنا: هل ينوي هذا الشخص إيذائي؟ وهل يستطيع تنفيذ عملية الإيذاء هذه؟ ونحن نطلق هذه الأحكام إلى حدّ كبير من خلال قراءة التفاصيل الصغيرة والتعابير في وجوه هؤلاء الناس.

كما أننا لا نكتفي باستعمال الوجوه بغية جمع المعلومات، بل إن النظر في عيون الآخرين يجعلنا نتصرّف بطريقة أكثر أخلاقية وأكثر حزماً. فعندما يكون شخص ما بعيداً عن أنظارنا، فإنه يكون أكثر بعداً عن أذهاننا أيضاً. هل سبق لكم وأن انفعلتم تجاه شخص وسط الزحام المروري ثم اضطررتم إلى إدارة عنقكم في حركة يائسة لتتجنّبوا النظر إلى عيون ضحيتكم تلك عندما اكتشفتم بأنها وقفت إلى جانبكم على إشارة المرور التالية؟ وهل سبق وعانيتم من الخزي نتيجة قول أمر سلبي بحق إحدى الزميلات لتكتشفوا أنها تقف خلفكم تماماً؟ وهل سبق لكم أن قلتم شيئاً عن طريق الكتابة لم تكونوا لتقولوه أبداً شخصياً؟

بالتأكيد، أنا لدي بعض الأشخاص الذين تربطني بهم علاقة تسمح لي أن أرسل لهم أي نص ومهما كان وأن أنجو بفعلتي تلك، حتى لو كتبت لهم شيئاً موجزاً من قبيل: “تقريرك الماضي كان خالياً من الحقائق”. أنا أستطيع فعل ذلك لأنه في تلك اللحظات النادرة إذا امتقعت وجوههم فإنهم سيخبرونني. فهم يعرفونني بما يكفي ليتخيّلوا كيف كان شكل وجهي عندما كتبت العبارة (كان وجهي ينمّ عن الفضول، لكنني لم أكن غاضباً)، وإذا كانت تساورهم الشكوك بخصوص الصورة الذهنية التي يمكن أن يرسموها لي، فإنهم سيسألونني.

لكن هذا النوع من العلاقات يتّسم بالندرة لأننا نميل إلى الثقة بالمعلومات البصرية أكثر من ثقتنا بالمعلومات اللفظية. فإذا قال أحدهم: “كلا، أنا لست غاضباً منك”، بينما شفتاه ترتجفان وهو يقولها، فإننا نصدّق الشفاه وليس الكلمات التي تنبس بها.

وهذا أمر إشكالي في المحادثات الافتراضية التي تجري عبر البريد الإلكتروني لأن الموارد الذهنية الهائلة التي ستكون مشغولة عادةً بمسح تفاصيل وجه الشخص المقابل لن تكون قادرة على رؤية شيء، لذلك فإننا نخترعه. فقد نقرأ الكلمات التالية: “تقريرك الماضي كان خالياً من الحقائق” ونتخيّل وجهك وقد امتلأ بالازدراء ونتخيّل شفتيك وقد عضضت عليهما.

وفي غياب الثقة والمساءلة اللتين توفرهما لكم رؤية وجه شخص ما، فإنكم يجب أن تكونوا حذرين جدّاً. وإليكم أربع قواعد يجب ألا تغرب عن بالكم:

طابقوا بين تاريخ علاقتكم مع الشخص وما هو مطلوب للتعامل معه حالياً: فإذا كان يجمعكم مع الشخص المعني ما يكفي من التاريخ الذي يسمح لكم بتوقّع ردّ فعله على التواصل بدقة، فإن بوسعكم إجراء المحادثة معه عبر البريد الإلكتروني. ولكن إذا لم تكن معرفتكم بهذا الإنسان قوية، فإن اللقاء به شخصياً قد يكون هو الخيار الأفضل. وقد يكون التواصل مع ذلك الشخص بصرياً من خلال مكالمة الفيديو أو السكايب كافياً لمنحكم ما تحتاجونه من معلومات بصرية.

عبّروا عن نواياكم قبل التعبير عن المحتوى الذي تريدون إيصاله: يمكنكم غالباً تجنّب ردود الأفعال الدفاعية من الشخص الآخر من خلال البدء بعبارات تعبّر بوضوح عن نواياكم الحسنة – أو حتى من خلال التعبير عن خشيتكم من احتمال أن يسيء هذا الزميل فهم نواياكم. فعلى سبيل المثال، بوسعكم القول: “لدي مخاوف أودّ التعبير عنها تجاه فريق بنغالور. وأودّ أن أصف لك هذه المخاوف – غير أنني أخشى من أن تعتقد أنني أحاول أن أنقل العمل إلى دبلن. وأنا لن أفعل ذلك بكل تأكيد. وإنما كل ما أريده هو أن يحصل زبوننا على أفضل ما يمكننا تقديمه له. فهلا سمحت لي بأن أعدّد لك مخاوفي؟”

اكتبوا رسالتكم الإلكترونية مرّتين: في المرّة الأولى، أكتبوا المحتوى الذين تريدون إيصاله وحاولوا أن تصيغوا تلك الرسالة بصدق وأمانة. ثم أقرأوا تلك الرسالة ببطء محاولين تخيّل شكل وجه الشخص الآخر. فهذا الأمر سيضفي على ذلك الشخص طابعاً إنسانياً بالنسبة لكم وسيساعدكم في التقليل إلى الحدّ الأدنى من الاحتمال القوي بأن يستنتج ذلك الشخص أشياء أخرى غير تلك التي كنتم تنون قولها فعلاً. حاولوا أن تضعوا أنفسكم مكان الشخص الآخر، وحاولوا أن تتخيّلوا كيف سيكون شعوره عقب قراءة كل نقطة من نقاط الرسالة. ثم أعيدوا كتابة الرسالة بشيء من راحة البال. لا تحاولوا التنازل عن المحتوى الأصلي من خلال تغليفه بالعبارات الجميلة والمنمّقة أو من خلال تمييعه. وإنما لاحظوا المواضع التي قد تجعل الطرف الآخر يسيئ قراءة نواياكم، وحاولوا أن توضحوا ما هي الأشياء التي تودّون منه سماعها أو عدم سماعها منكم (أو رؤيتها أو عدم رؤيتها على وجوهكم). فعلى سبيل المثال، ربما تكونون قد كتبتم في البداية: “في آخر ثلاثة إصدارات للبرنامج الحاسوبي، لم يتمكّن فريق الاختبار في بنغالور من اكتشاف 71 خطأً.” وبعد أن تتخيّلوا كيف سيكون منظر وجوههم وهم يقرأون العبارة، تضيفون العبارة التالية: “لا يساورني أي شك بخصوص رغبة فريق بنغالور بتقديم أرفع مستوى ممكن من الأداء ..” وفي حالات أقل رسمية من هذه، رأينا أشخاصاً من البارعين في التواصل يصفون حتى تعابير وجههم وهم يكتبون شيئاً يهدف إلى المساعدة في التحكّم بتفسيرات مستلمي الرسالة للكلام.

إذا شعرتم بالاستفزاز (أو إذا بدوا وأنهم قد استفزوا)، حاولوا التواصل معهم مباشرة. في اللحظة التي تقرأون فيها الانفعال في جوابهم، أو إذا أحسستم أنتم بالانفعال، حاولوا تغيير وسيلة التواصل معهم. فحتى المكالمات الهاتفية تسمح لكم بأن تسمعوا الفروقات الصغيرة في النبرة، وفي حالات الصمت، وغير ذلك من المعلومات التي تساعدكم في التعامل مع العواطف والانفعالات. كما أن استعمال السكايب أو المؤتمر الهاتفي يمكن أن يمنحكم المزيد من المعلومات. فعندما تلتهب المشاعر، يشعر المرء بإغراء يشدّه نحو الرد عبر البريد الإلكتروني الذي يمنح شعوراً خادعاً بالأمان. لكن لا تخدعوا أنفسكم. فإذا كانت الأمور لا تسير على ما يُرام من خلال البريد الإلكتروني، فإنها لن تتحسّن أبداً من خلال الاستمرار في التواصل بهذه الطريقة.

من الممكن التعامل مع المواضيع الحساسة دون أن تكون لدى المرء ميزة رؤية الوجوه، طالما أنه قادر على تخيّل هذه الوجوه بدقّة، وضمان انضباطه الذاتي ليردّ على هذه التعابير الوجهية المتخيّلة. وعندما يتّضح لكم أن خيالكم أو إجراءاتكم غير كافية، حاولوا التواصل مع الشخص المعني بصرياً في أسرع وقت ممكن.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!