facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger
shutterstock.com/Radachynskyi Serhii

استيقظت ذات يوم على ألم شديد في ذراعي الأيمن، كان ألماً لم أعهده من قبل، تحاملت على نفسي وانطلقت إلى الطوارئ، هناك، سألوني بعض الأسئلة البسيطة ثم أعطوني مسكناً للألم ومرخي للعضلات وقالوا إنه يمكنني المغادرة. زال الألم للحظات ثم عاد شديداً ولست أدري كيف مضت تلك الليلة. في اليوم التالي انطلقت منذ الصباح إلى المستشفى لزيارة طبيب متخصص بالأعصاب، سألني الكثير من الأسئلة حتى كأنني أرى في عينيه تشخيصاً للألم، لكنه قال: الأفضل أن نجري صورة رنين مغناطيسي، وبالفعل، قمت بإجراء الصورة وعدت للطبيب بعد أيام لتتضح المشكلة الحقيقية بما لا يدع مجالاً للشك، لكنها لم تكن في الذراع.

احصل مجاناً على دراسة حالة من خبراء كلية هارفارد للأعمال بعنوان "هل من الصحيح إعادة توظيف من ترك العمل لديك؟"، حملها الآن.

في الشركات، وقبل أن نستثمر ونبني بعض الحلول، نحتاج أحياناً إلى أن نسأل الكثير من الأسئلة لمعرفة أصل المشكلة، فربما نحتاج إلى إجراء صورة رنين مغناطيسي للمشكلة، أعلم أنها مزعجة جداً ومخيفة للبعض وقد تستهلك شيئاً من المال والوقت، لكنها مفيدة للغاية. يجب أن نحاول قدر الإمكان أن نبتعد عن حلول الطوارئ عندما لا نكون في حالة طوارئ، فالمسكنات تعالج الأعراض فقط، لا أصل المشكلة أو أصل المرض.

لقد سألت أكثر من 5,000 شخص سؤالاً بسيطاً، إذا أردت أن تبني حلاً لمشكلة ما، فأيهما أولى بالاهتمام فهم المشكلة أم إيجاد الحل؟ ولعل من التعليقات الغريبة التي وصلتني: "سؤال غبي، لا تُحَل المشكلة إلا إذا فهمناها"! هذا وإن كان من ضمن الـ 54.5% الذين يرون أن فهم المشكلة هو الأولى بالاهتمام، إلا أن 45.5% من الناس يرون أن الأولى بالاهتمام هو إيجاد الحل وليس فهم المشكلة.

يقول أحد الخبراء من شركة "غارتنر" (Gartner) إنهم أجروا بحثاً فوجدوا أن نسبة الفشل لدى من يبدؤون بالفكرة قبل الفحص الدقيق للمشكلة هي 85%، خصوصاً إذا كنا نتعامل مع مشكلات من النوع المعقد أو ما يُسمى باللغة الإنجليزية (Complex or Wicked Problems)، حيث الكثير من الأمور المجهولة، وهذا النوع هو الذي نتحدث عنه في مقالنا هذا.

فهم المشكلة أهم من البحث عن الحلول

قبل كتابة هذا المقال قابلت متخصصين في عدد من الشركات مثل "عِلم" (Elm) و"أريكسون" السعودية (Ericsson) و"إس أيه بي" (SAP) و"الاتصالات السعودية" (STC) وغيرها، وحاولت أن أفهم لماذا نؤمن أن فهم المشكلة مهم لكننا كثيراً ما نقفز إلى الحلول بسرعة، وإليكم بعض الأسباب التي وجدتها:

1- غالباً ما "نظن" أو "نشعر" أو "نعتقد" أننا نفهم المشكلة بشكل دقيق، ولسنا بحاجة لإضاعة المال والوقت "لنتيقّن" من هذا الشعور أو الظن أو الاعتقاد. من خلال الكثير من التجارب التي اطلعت عليها أستطيع القول أن هذه من أكبر المشكلات التي رأيتها لا تنفك تتكرر وتتجدد في أغلب الشركات، سواء عندما نبني الحلول أو نتخذ القرارات الإدارية أو الشخصية.

2- كثيراً ما نكون مدفوعين من الخلف عندما نعمل على إيجاد الحلول، فمَن يعمل فوقنا يريد نتائج سريعة بأي شكل كان.

3- كثيراً ما تنشأ علاقة عاطفية بيننا وبين الفكرة إذا جئنا بها قبل الفهم الدقيق للمشكلة، حيث يضعف المنطق في هذه العلاقة ويصعب علينا بعدها العودة إلى الوراء. كلما ازدادت العلاقة بيننا وبين الفكرة عمقاً –أي مضينا واستثمرنا في التنفيذ- صار الانفصال أصعب، حتى أننا ندافع أحياناً بكل ما أوتينا من قوة وأدوات ونرفض أن نواجه الحقيقة المؤلمة، وهي أن فكرتنا للأسف، لا تُعالج أصل المشكلة، إن الانفصال صعب، والمجتمع –داخل الشركة وخارجها- "لا يرحم" كما يقال.

4- كثيراً ما نميل إلى الكسل وحب الاختصار وإن كان اختصاراً مُخِلاً أحياناً، ففهم المشكلة فهماً دقيقاً يحتاج إلى وقت وجهد.

5- كثير منا لا يقبل أن يظهر بمظهر الجاهل ولو في موضوع واحد ولو ضمن فريقه المقرب، بل يُفضّل أن يلبس دائماً قبعة الخبير الذي لديه كل الإجابات لشتى أنواع الأسئلة، الأمر الذي يجعل من الصعب عليه أن يبحث عن أصل المشكلة التي يحاول حلها أو أن يُراجع الفهم الذي لديه أو يتّهم رأيه، وتكون المشكلة أعظم إذا كان هذا النوع من الأشخاص في موقع قيادي.

وضع الافتراضات والمضي سريعاً في بناء الحلول دون التأكد من هذه الافتراضات هي مشكلة موجودة في كل الشركات، لكنها تقِل كلما نمت الشركة ونضجت، ولهذا فقد وجدتُ أن الشركات العالمية قد بنت سلسلة من الإجراءات والممارسات التي تُقلل من هذا الأمر. هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة أنهم يتأكدون من الفهم الدقيق قبل الشروع بالحل، لكنهم يمنعون بناء الحلول اعتماداً على الافتراضات، فتجد أنهم يركزون على البحث الكمي (Quantitative Research)، أي حقائق وأرقام ونِسب مئوية، لجعل أمر الشروع السريع في بناء الحل أصعب، لكن الفهم الدقيق يحتاج إلى نوع إضافي مهم من البحث وهو البحث النوعي (Qualitative Research)، أي وصف ومشاعر وانطباعات ومعاني. وهنا وجدتُ أن الشركات العالمية إذا أرادت أن تبني الفهم الدقيق للمشكلة وعمل البحث النوعي فإنهم كثيراً ما يستخدمون التفكير التصميمي (Design Thinking) ويستعينون بمتخصصين في مجال المشكلة، وهذا بدوره يساعدهم بشكل كبير وفعال في فهم احتياجات العميل والمشكلة الحقيقية التي يعاني منها.

بعض الشركات المحلية قد نضجت بشكل كبير لكنها في الجملة تعاني من مشكلة البدء بتنفيذ الحلول قبل الفهم الدقيق للمشكلة، حيث إن بعضها يمكن أن يبدأ العمل على فكرة لحل مشكلة معينة معتمداً على بعض الأرقام (البحث الكمي) فقط، وقد تجد داخل الشركة الواحدة اختلافاً في منهجية وإجراءات وأسلوب تنفيذ الحلول، تبعاً لفكر وأسلوب القيادة في كل قسم. بعض الشركات المحلية بدأت تتبنى التفكير التصميمي كمنهجية لإيجاد الحلول الإبداعية للمشكلات، وهذا كان له أثر إيجابي على جودة النتائج.

بالنسبة للشركات الناشئة، فالمشكلة فيها أعظم والأثر عليها أكبر. هل تعلمون أن السبب الأول لفشل الشركات الناشئة عالمياً هو أن المنتج أو الخدمة "لم تجد احتياجاً في السوق"، وهذا تعبير آخر ليكون المنتج أو الخدمة "لم تحل مشكلة حقيقية". بل حتى السبب الثاني لفشل الشركات وهو عدم وجود السيولة المالية لتشغيل الشركة، لو دققنا في هذا السبب لوجدناه يعود أيضاً إلى أن الشركة لم تحل مشكلة حقيقية. وعلى هذا فإن نسبة الشركات التي تفشل لأنها لم تحل مشكلة حقيقة حوالي 71%، وهذه نسبة مرتفعة تتسبب في خسارة مليارات الدولارات سنوياً.

من الحلول التي قد تساهم في حل هذا الخلل أن يكون هناك دور مخصص لتشخيص المشكلات، حبذا لو كان لدينا استشاري تشخيص الألم أو المشكلة (Problem/Pain Diagnosis Consultant – PDC). بل يمكن أن يكون لدينا فريق أو عيادة صغيرة، عيادة تشخيص المشكلة أو الألم في كل قسم متخصص في بناء المنتجات أو تصميم الخدمات.

تشخيص المشكلة قبل السعي إلى حلها

سيعمل استشاري تشخيص المشكلات وفريقه على تشخيص المشكلة من خلال بعض الأسئلة والأدوات. إليكم بعض الأسئلة التي قد يطرحها في بداية التعاطي مع المشكلة:

  • ما هي المشكلة الحالية التي نحاول أن نحلها؟
  • لماذا من المهم حل هذه المشكلة –بعض المشكلات لا تستحق الجهد والوقت لحلها-؟
  • من هم المتأثرين بالمشكلة أو لهم علاقة بها؟
  • ما هو الشيء غير الواضح أو غير المفهوم بخصوص المشكلة؟
  • ما هي المعلومات المتوفرة لدينا اليوم حول المشكلة وما هي المعلومات الناقصة؟
  • هل يمكن تقسيم المشكلة لمشكلات أصغر؟ ما هي المشكلات الصغيرة؟
  • ما هي المحددات؟ أو الأمور التي لا يمكن تغييرها فيما يخص المشكلة؟
  • هل المشكلة تُلامس طبقة واسعة من المستخدمين؟ لماذا لم يتم حلها من قبل؟
  • هل ثمة محاولات فاشلة سابقة لحل المشكلة؟ ما هي؟
  • هل تم حل نفس المشكلة بنجاح في مكان آخر؟ كيف تم حل المشكلة؟
  • هل ثمة مشكلة موجودة في مكان آخر مشابهة لهذه المشكلة؟ كيف تم حلها؟

كذلك، سيقوم الفريق بممارسة "التقمص العاطفي" (Empathy) مع كل من له علاقة بالمشكلة من متخصصين ومتأثرين ومؤثرين ليفهموا المشكلة فهماً دقيقاً، ويتم ذلك من خلال التالي:

  • المقابلات: مقابلة كل من لهم علاقة بالمشكلة والاستماع إلى قصصهم. ويمكن أن يتم استخدام الاستبيانات أيضاً.
  • المراقبة: فهم ما لا يستطيع أصحاب المشكلة قوله في المقابلات، لكن نستطيع أن نقرأه في أفعالهم وسلوكهم.
  • الانغماس (Immersion): تجريب ما يعيشه المستخدم أو صاحب المشكلة لفهم المشاعر بشكل أعمق، تخيّل أن تلبس نظارة على عدساتها القليل من الفازلين لتفهم كيف يشعر من لديه ضعف كبير في النظر، أو تستخدم الكرسي المتحرك لتفهم كيف يشعر من لا يستطيع المشي.

أيضاً يمكن للفريق استخدام عدة أدوات للوصول إلى أصل المشكلة (Root Cause)، مثل الأسباب الخمسة أو (5 Why’s) وهي الأداة الأكثر شيوعاً وتُستخدم في الكثير من الشركات الابتكارية، يتم فيها استخدام أسلوب السؤال المتكرر لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ … -خمسة مرات أو أكثر أو أقل- مع المستخدم أو صاحب المشكلة حتى نصل إلى جذر المشكلة ونتفادى التعلّق بالأعراض الظاهرة.

تحليل البيانات

بعد انتهاء فريق تشخيص المشكلة أو الألم سيكونون قادرين على تحليل كل المعلومات والبيانات والخروج بتقرير مفصل يحتوي التالي:

  • ما هي المشكلة الحقيقية وما هي أسبابها؟
  • من هم المتأثرين بالمشكلة ومن هم المؤثرين بها؟
  • ما هو عدد المتأثرين بالمشكلة"
  • كم عدد الذين تمت مقابلتهم ومن أي الفئات؟
  • أهم الإضاءات (Insights) من البحث والمقابلات (من 3 إلى 8 إضاءات).
  • هل المشكلة موجودة في بلد معين أم هي مشكلة موجودة في عدة بلدان؟
  • ما هي الحلول السابقة التي تم تطبيقها لحل نفس المشكلة في أي مكان من العالم؟
  • ما هي الحلول السابقة التي تم تطبيقها لحل مشاكل مشابهة وإن كانت في قطاعات وأماكن مختلفة؟
  • ما هو حجم الأثر المتوقع لحل المشكلة (مادياً، استراتيجياً، اجتماعياً، معنوياً، …)؟

بعد هذا كله، يمكن أن نبدأ بالتفكير بالحلول.

قبل أن تبدأ مشروعك وتستثمر في تطوير الحل، حاول معرفة أصل المشكلة، زر عيادة تشخيص الألم. احذر أن يضيع وقتك في معالجة ألم الذراع بينما المشكلة الحقيقية في مكان آخر تماماً، في الرقبة، بين الفقرتين الخامسة والسادسة بالتحديد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!