إننا نسعد عندما نقرأ حول حالات النجاح ودينامياته، إننا ندرسه ونحتفي به ونحاول أن نحتذي بالقادة الناجحين وبمسيرتهم نحو القمة. وأنا شخصياً لست مختلفاً عن الآخرين في ذلك: إذ أمضيت طيلة مسيرتي المهنية أساعد المدراء على النجاح، إما من خلال تدريبهم وتطويرهم أو من خلال تقدير نقاط قوتهم والفرص المتاحة أمامهم للتعرف على ما يلزمهم من تطوير للوصول إلى المستوى التالي على السلم الوظيفي. ومع انجذابي الشديد لقصص النجاح، إلا أنني وجدت أنّ أعظم الدروس إنما نستمدها من دراسة الإخفاقات.

لقد كان آخر بحث لي على سبيل المثال يدرس كيفية نجاح مدراء النخبة في الانتقال إلى سوية كبار الرؤساء التنفيذيين. ومن خلال تحليل المقابلات التي أجريتها معهم وجدت أنّ المدراء الذين كانوا قد عانوا من التعثر في مسيرتهم المهنية يتشاركون العديد من القواسم المشتركة فيما بينهم. ووجدت على وجه الخصوص أن كبار الرؤساء التنفيذيين يكونون عرضة للإخفاق عندما يجدون أنفسهم في خضم أحد سيناريوهات الانتقال الوظيفي الثلاثة التالية.

1. سيناريو القفز إلى القيادة. لا شك في أنّ الانتقال إلى سوية كبار القادة لهو أمر بالغ الصعوبة، تدلل عليه حقيقة أن 50% إلى 60% من أولئك القادة يخفقون في غضون الـ18 شهراً الأولى بعد ترقيتهم أو توظيفهم. فقد بقي جيل أميليو على سبيل المثال أقل من سنة في موقع الرئيس التنفيذي لشركة آبل عام 1997، كما أن مدير الموارد البشرية في شركة جنرال موتورز استقال في هذا العام بعد ثمانية أشهر من تبوئه منصبه.

وبالنسبة للبعض، يشكل هذا الانتقال إلى سوية القيادة العليا أكثر مما كانوا يسعون إليه. ولذلك نجدهم غير جاهزين لهذه الوتيرة المتسارعة أو تنقصهم الرؤية الشاملة الضرورية للثبات في منصبهم الرفيع. (61% من المدراء لا يمتلكون القدرة على مواجهة التحديات التي تواجه كبار القادة في مناصبهم). وتلك هي المخاطر الأكثر شيوعاً، وبخاصة بالنسبة للقادة الذين يترفعون سويات عدة دفعة واحدة لكي يعينوا في سوية القيادة العليا. ولكن حتى القادة المخضرمين وأصحاب الخبرة الكبيرة لا يمتلكون القدرة على رؤية ما ينتظرهم من صعوبات في عمل فريق القيادة ولا يعرفون التحديات التي ستواجههم في مناصبهم الجديدة إلا حينما يعتلون تلك المناصب ويشرعون في تنفيذ مهماتهم.

لقد قبلت إحدى المديرات اللواتي أعرفهن منصباً يتبع مباشرة للرئيس التنفيذي في إحدى الشركات، لكنها اكتشفت أنّ المجال الوظيفي الذي يقع ضمن مسؤولياتها كان قد أدير بطريقة سيئة فيما مضى، وكان يعاني من مشاكل مالية بالغة. بدأت بتحسين أداء مجالها الوظيفي في السنة الأولى لها في منصبها الجديد، لكنها اكتشفت في منتصف الطريق أنها لم تعد تتبع للرئيس مباشرة، بل إلى المدير المالي. وقد جعلتها الحالة الجديدة تشعر بأنها تخضع لنوع من الإدارة التفصيلية من قبل رئيسها، ولذلك غادرت منصبها بعد سنتين اثنتين.

ولعل الشيء الوحيد الذي يستطيع المدير الجديد أن يفعله لكي لا تكون ولايته في منصبه الجديد قصيرة، هو أن يسعى إلى تلقي الملاحظات والآراء حول أدائه بشكل مستمر. يخضع غالبية المدراء لاختبارات تقييمية صارمة قبل تلقيهم عرض الترفيع، لكنهم يصبحون بعد حصولهم على مناصبهم مشغولين إلى أقصى الحدود بمهامهم الوظيفية ولا يجدون الوقت اللازم لتقييم أدائهم ذاتياً. وغالباً ما يستفيد المدراء من استعراضات الأداء الشاملة والمعمقة إذا ما خضعوا لها بعد 6 أشهر من توليهم منصبهم ومن ثم بعد 18 شهراً منه. فقد علمت رئيسة إحدى الشعب في إحدى الشركات التي عملت معها من خلال استعراض الأداء الشامل الذي خضعت له أنّ أعضاء مجلس إدارة الشركة كانوا يشككون بقدراتها وإمكاناتها. ولعل ما ساعدها على تحسين وضعها هو أنها بذلت جهداً كبيراً ونجحت في التعرف على أعضاء المجلس وتفهم وجهات نظرهم ووضعت خطة مدروسة لكي تكسبهم إلى طرفها.  

وعلى العموم، فإنّ معرفة المجالات التي يظن الآخرون أنك بحاجة لأن تتطور فيها، تسمح لك بتلقي الدعم الذي تحتاجه، من خلال التدريب الشخصي على الإدارة التنفيذية، أو من خلال مرشدك المناسب على طريقة توجيه الأقران، أو من خلال تعديل فريق عملك لاستكمال النواقص وتوفير الكفاءات في المجالات التي تحتاج إلى التطوير. كما تساعدك تلك المعرفة على تقييم ما إذا كنت قادراً على استيعاب ثقافة الشركة والاندماج فيها أم كنت بحاجة لتقوية علاقاتك الداخلية والخارجية مع الشخصيات المهمة.  

2. سيناريو التحول المؤسسي. أدعي أنّ كل شركة أو مؤسسة تقريباً إما تفكر في إجراء تحول من نوع ما، وإما تجري ذلك التحول اليوم. ولكن حتى في هذا العصر المحكوم بمقولة أنّ "التغيير هو السنّة الجديدة للواقع"، فإنّ التحولات التي تنطوي على مخاطرة عالية يمكن أن تشكل خطراً كبيراً على المدراء الذين يخفقون في إعادة ابتكار مؤسساتهم وأنفسهم بالسرعة المطلوبة.

تؤدي الاستحواذات على سبيل المثال إلى حدوث التقاطعات الآنية في وظائف ومهام المدراء، ما يؤدي غالباً إلى استبعاد القادة الفائضين على نحو جارف. وكثيراً ما يخفق المدراء في استقراء المستقبل وتوقع التغيرات المفاجئة التي تطرأ في صفوف القيادة العليا، الأمر الذي يبقيهم عرضة لخسارة مواقعهم إذا ما خرج الأشخاص الذين يدعمونهم من صفوف القيادة. لكن العائق الأكبر في طريق المدراء أثناء عمليات التحول هو عدم الإدراك السليم للحاجة إلى التغيير أو الوقوف على الجانب الخطأ منه. فقد استقال دورك ييغر من منصبه كرئيس تنفيذي لشركة بروكتر وغامبل على سبيل المثال في العام 2000، بعد سنة ونصف السنة فقط من تسلمه لهذا المنصب، وذلك لأنه عكر صفو الثقافة المحافظة لشركة بروكتر وغامبل وأرّق القائمين عليها من خلال اعتماده لمسيرة تغيير مفرطة في شدتها وسرعتها. والحالة الأكثر شيوعاً هي أنّ القادة غالباً ما يبالغون في بطئهم ويظهرون عدم رغبة في الالتحاق بركب التغيير الوشيك الحدوث. فقد أزاحت جنرال موتورز على سبيل المثال رئيسها التنفيذي فريتز هندرسون في العام 2009 لأنه لم يكن محرك تغيير بالقدر الكافي.

ولكي يحافظ القادة على مناصبهم أثناء التحولات الكبرى على مستوى الشركات والمؤسسات والقطاعات، يتعين عليهم أن يقودوا التغيير بأنفسهم. كما يتعين عليهم أن يفكروا في المكان الذي يناسبهم في التركيبة الجديدة وأن يجدوا الطريقة المناسبة لكي يكونوا فيها مؤثرين، لا متأثرين. وعلاوة على ذلك يجب أن يبقوا على تواصل وثيق مع الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة لكي يستوضحوا ويوضّحوا موقفهم من الحاجة إلى التغيير وكيف سيديرون تطبيقه الفعلي.

3. مفارقة القمة. إنّ سيناريو التحول الأخير الذي من شأنه أن يعرقل المسار الوظيفي للمدراء القادة هو وصولهم إلى قمة السلم الوظيفي. فقادة الصف الأول يقفون في ذروة مساراتهم الوظيفية. فقد تنافسوا على مدار سنوات طوال وحققوا ما كانوا يصبون إلى تحقيقه: ألا وهو الوصول إلى القمة والانتساب إلى الفريق القيادي. وبنتيجة ذلك يختبر الكثيرون نوعاً من المفارقة: إنهم يعملون بجهد غير مسبوق لكي ينجحوا في مناصبهم، لكنهم لا يعلمون إلى أين يسعون في مسارهم الوظيفي. ومع مرور الوقت يمكن لانعدام اليقين هذا إلى جانب ضغط العمل أن يؤديا إلى الإرهاق. فقد حدث في بعض الأحيان للمدراء الذين دربتهم أن وصلوا إلى السقف وشعروا بأنهم "عالقون" في القمة. وسواء أكان المدراء يشعرون بالإرهاق أم كانوا يغادرون مناصبهم لأسباب أخرى، فإنّ متوسط ولاية قادة الصف الأول قد انخفض باستمرار على مدار السنوات القليلة الماضية. وبحسب إحدى الدراسات، فإنّ متوسط ولاية قادة الصف الأول في كبريات الشركات يبلغ 5 سنوات، في حين أنّ متوسط ولاية كبار مدراء التسويق لا يتجاوز الـ42 شهراً، بحسب دراسة أجرتها شركة سبنسر ستيوارت للبحوث والاستشارات القيادية.

ويمكن للقادة اتخاذ خطوات من شأنها إما إطالة ولايتهم وإما تحضير أنفسهم لما هو قادم في مسيرتهم المهنية. وكجزء من ذلك يمكنهم التفكير في علاقاتهم مع رعاتهم وداعميهم. وفي هذه المرحلة من مسيرتهم الوظيفية قد لا يكونوا بحاجة لرعاة يخلقون لهم فرصاً جديدة، بل ربما يحتاجون إلى مناصرين وداعمين من أندادهم وأشخاص قدوة يحتذون حذوهم. فبوسع قادة الصف الأول أن ينتقلوا إلى قيادة مؤسسة أخرى، أو أن يتقاعدوا ويتفرغوا للعمل في مجالس الإدارة. وقد يجتمع البعض الآخر من المدراء مع أنداد لهم يشاركونهم طريقة التفكير ذاتها ومستثمرين آخرين يؤسسون معهم مشاريع أعمال خاصة. لقد عملت أيضاً مع مدراء تنفيذيين أصغر سناً، قبلوا أن يُكلفوا بمناصب عالمية أو أن ينزلوا على السلم الوظيفي لاكتساب خبرات جديدة – وفق خطة مدروسة تسمح لهم بالصعود مجدداً والحصول على المناصب العليا في مجالات أخرى غير اختصاصهم السابق. وبغض النظر عن الخطط المستقبلية، يمكن القول إنّ قادة الصف الأول الذين يحيطون أنفسهم بالداعمين ويمتلكون رؤية واضحة حول مستقبلهم، يمتلكون في الغالب حظوظاً أوفر للاستمرار بالنجاح.

وهكذا فإنّ المقدرة على إعادة الابتكار هي السمة الوحيدة الأهم للمدراء الناجحين في هذه الأيام. وفيما قد تبدو إعادة الابتكار الناجحة مختلفة بالنسبة لكل واحد منا، غير أننا إن لم نسعَ إليها، فسيكون مصيرنا الفشل لا محالة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!