يعاني الكثيرون حول العالم من انعدام الاستقرار الاقتصادي، ويريدون العودة إلى وقت كانوا فيه قادرين على تحقيق مستوى معيشي طيب وتوفير حياة كريمة لأنفسهم ولعائلاتهم. وعلى مستوى أميركا قد وعد الرئيس ترامب بتحقيق هذه الأمنية، "جعل أميركا عظيمة مجدداً"، وذلك عن طريق تقليل القيود التنظيمية على الأعمال وتعديل الاتفاقيات التجارية ومنع فقدان الوظائف في مجال التصنيع.

بعض هذه السياسات ستفي بالغرض، ولكن من المستبعد أن تجابه بالكامل التحديات التي تواجهها الطبقة الوسطى.

تكمن المشكلة في أننا نعيش الآن داخل اقتصاد ثنائي القطب؛ على أحد طرفيه يوجد الاقتصاد التقليدي، وعلى الطرف الآخر يوجد الاقتصاد المستقل. وبينما يميل الاقتصاد التقليدي إلى التضخم، يميل الاقتصاد المستقل إلى الانكماش.

والكثير من أبناء الطبقة الوسطى الأمريكية يكسبون المال داخل اقتصاد انكماشي تنخفض فيه الأجور، وينفقونه داخل اقتصاد تقليدي ترتفع فيه الأسعار، وهؤلاء الأمريكيون العالقون بين قطبي ذلك الاقتصاد ثنائي القطب كانوا من بين أشد مناصري ترامب حماساً.

يقدم لنا الاقتصاد التقليدي أغلب ضروريات الحياة الأساسية: المأكل والمأوى والرعاية الصحية والملبس ووسائل النقل والمواصلات والطاقة. والمال المُنفَق على هذه الضروريات يمثل 70% من إجمالي نفقات الطبقة الوسطى، وغالبية أسعار هذه الضروريات آخذة في الارتفاع بصورة أسرع من التضخم.

تنبأ القائمون على إدارة العقارات بحدوث زيادة قدرها 8% في الإيجارات في عام 2016، وبين عامي 2012 و2016 ارتفع متوسط أسعار المنازل بنسبة 17.3%، وأفادت وزارة الزراعة الأميركية بأن أسعار الغذاء قد ارتفعت بنسبة 31% بين عامي 2005 و2014، كما ارتفعت تكاليف الرعاية الصحية بنسبة تزيد عن 44% في السنوات الخمس الماضية.

الاقتصاد المستقل هو ذلك الاقتصاد الذي تحرك فيه الآلات الذكية والروبوتات والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والاتصالات الرقمية عالية السرعة عملية الإنتاج. وتلك العمليات تنتج سلعاً وخدمات عالية الجودة، وكثيراً ما يكون ذلك مصحوباً بتدخل بشري محدود. والاقتصاد المستقل عالي الكفاءة من حيث العمالة ورأس المال، وأحياناً يكون الأمر كذلك لدرجة أن أسعار منتجاته تنخفض لتصل إلى الصفر تقريباً، وكثيراً ما تنكمش أسواق هذه المنتجات في الحجم، وأكثر ما يثير القلق هو أن قيمة العمل البشري تتراجع بينما يتنافس البشر مع الروبوتات على الوظائف.

ويعد التحول الذي شهدته شركات تأجير الأفلام وشركات الوسائط الإعلامية المادية مثالاً لما يحدث حين تنتقل الشركات من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المستقل.

في وقت ما من الماضي، كان يعمل في شركة بلوك باستر فيديو 60,000 موظف وكانت الشركة تمتلك 9,000 متجر. بعد ذلك دخلت الشركة عالم الاقتصاد الافتراضي، وحلت محلها شركة نتفليكس وأكشاك ريد بوكس. ويعمل في شركة نتفليكس حوالي 2,450 موظفاً.

كانت هذه الأخبار السارة في صالح المستهلكين؛ إذ يستطيع العديد من مشاهدي الأفلام الآن مشاهدة أفلامهم مجاناً على شبكات مدعومة إعلانياً مثل كراكل، التي تمتلكها شركة سوني بيكتشرز إنترتينمنت.

في الوقت الحالي، يعاني مصنّعو الوسائط الإعلامية المادية وموزعوها؛ فقد انخفضت مبيعات أقراص البلو راي والدي في دي بنسبة تزيد عن 10% على مدار العامين الماضيين. وحتى عوائد ريد بوكس انخفضت بنحو 19%.

إذا كنت تعمل في صناعة آخذة في الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المستقل – مثلاً إذا كنت تعمل حتى وقت قريب في شركة بلوك باستر – غير أن معظم ما تشتريه موجود في نطاق الاقتصاد التقليدي (الإيجارات، الطعام، الرعاية الصحية)، فأنت على الأرجح لا تبلي بلاء حسناً.

يحدث التحول نحو الاقتصاد المستقل في قطاع الخدمات أيضاً، ذلك القطاع الذي يشكل 80% من القوى العاملة. (فعلى الرغم من حديثنا عن وظائف قطاع التصنيع، إلا أنه يشكل أقل من 9% من إجمالي القوى العاملة). فالمزيد والمزيد من الخدمات تجريها حاسبات تتعامل مع حاسبات أخرى، كما يحدث عندما نجري حجوزات السفر، وعندما تدير الآلات محافظنا الاستثمارية عن طريق الإتجار في الأسهم على منصات التداول الإلكترونية، وعندما نتسوق عبر الإنترنت، وعندما تبث الأنظمة موجزات الأخبار التي تظهر أمامنا على الشاشات وتتفاوض مع الحاسبات الأخرى حول الإعلانات التي ستُقدَّم إلينا.

وعلى الرغم من أننا لا نمتلك وسيلة جيدة لنحدد بدقة حجم السلع والخدمات المُنتَجَة داخل الاقتصاد المستقل، إلا أننا نعرف أنه كبير جداً. وحسب تقديرات برايان آرثر الواردة في مقاله عن "الاقتصاد الثاني"، أو ما يسميه الآن الاقتصاد المستقل، فإنه بحلول عام 2025 سينتج الاقتصاد المستقل من السلع والخدمات ما يعادل الناتج القومي الإجمالي في عام 1995، أي حوالي 7.5 تريليون دولار أميركي.

ومن المرجح أن يزداد التحول نحو الاقتصاد المستقل وأن تتفاقم ضغوطه على العاملين. ومن أجل تكوين فكرة عن التأثيرات المحتملة للإنتاج المستقل، تدبر التأثير المحتمل للمركبة ذاتية القيادة من المستوى الرابع، وهي السيارة التي تقود نفسها ولا تحتاج مطلقاً إلى مساعدة بشرية.

تخيل أن العديد من المستهلكين تخلصوا من سياراتهم واختاروا الاشتراك في خدمة لمشاركة السيارات ذاتية القيادة؛ أيْ خدمة أوبر من دون سائق. إذا حل ذلك محل 20% من السيارات التي يمتلكها الأمريكيون والبالغ عددها 250 مليون سيارة، فسيوفر المستهلكون 150 مليار دولار، أي 3,000 دولار لكل سيارة يُستغنى عنها، وستختفي مليون وظيفة في الصناعات المرتبطة بقطاع السيارات – التصنيع، التأمين، التمويل، إلخ – بين عشية وضحاها.

يوجد 3.5 مليون سائق شاحنة محترف في أميركا ويعمل نحو 8.7 مليون شخص في مجال النقل بالشاحنات، وإذا حلت الشاحنات ذاتية القيادة محل 20% من هذا العدد فقط، فستختفي 1.75 مليون وظيفة أخرى.

يحيق الخطر كذلك بوظائف 200,000 سائق سيارة أجرة وليموزين، علاوة على 400,000 من سائقي أوبر الذين يعملون بدوام جزئي. وإذا أمكن الاستمرار بـ 100,000 سائق منهم وحسب، فهذا سيعادل فقدان قرابة 250,000 وظيفة بدوام كامل.

من شأن مركبات التوصيل المؤتمتة أن تسهل توصيل المنتجات من الشركات الكبرى، مثل شركة أمازون، حول العالم. فشركات البيع بالتجزئة، مثل أمازون، توظف حوالي ثلث عدد الموظفين لكل دولار من المبيعات مقارنة بشركات البيع بالتجزئة التقليدية. وإذا حصلت شركات البيع بالتجزئة العاملة عبر الإنترنت على حصة سوقية إضافية مقدارها 10%، فهذا سيعني فقدان مليون وظيفة أخرى.

وفق هذه الافتراضات، ستتسبب المركبات ذاتية القيادة من المستوى الرابع في فقدان 4 ملايين وظيفة.

إن هذه الوظائف المفقودة لها تأثير مضاعف؛ فإذا انخفض عدد الوظائف في صناعة السيارات، ستختفي الوظائف في سلسلة التوريد الخاصة بالسيارات. والأشخاص الذين يفقدون وظائفهم يشترون كميات أقل من سلع التجزئة ويتناولون الطعام بالخارج مرات أقل، وبهذا تُفقَد وظائف أخرى أيضاً.

تتفاوت التقديرات تفاوتاً كبيراً بشأن حجم التأثير المضاعف، غير أن العدد اثنان يمثل تخميناً متحفظاً بدرجة كبيرة. وإذا استخدمنا تأثيراً مضاعفاً مقداره اثنان في حالة المركبات ذاتية القيادة، فستختفي 12 مليون وظيفة في السيناريو الموضح أعلاه.

ربما تعترض على هذه الأرقام، ولكنك بهذا تفوِّت المغزى المقصود. فتأثيرات المركبات ذاتية القيادة من المستوى الرابع ستكون ضخمة للغاية، وأنا شخصياً أعتقد أن هذه التخمينات متحفظة.

يسبب الإنتاج المستقل ضغطاً يؤدي إلى تراجع الأجور، إذ يتنافس العاملون مع الآلات ومع التيار الجديد من الباحثين عن وظائف بعد أن حلت الآلات محلهم. وكما رأينا فإن هذه العملية تنقل العديد من وظائف الدوام الكامل إلى الاقتصاد المؤقت – شركات مثل أوبر، وتاسكرابيت وغيرها – يعمل فيها الأفراد باعتبارهم متعهدين مستقلين، من دون أي مزايا.

من السهل أن نخلص بناء على كل هذا إلى أنه سيكون هناك نقص في فرص العمل في المستقبل، وأننا سوف يتعين علينا التفكير في حلول لم يسبق التفكير فيها قط. وقد طرح محللون من مختلف الانتماءات السياسية حلاً محتملاً يتمثل في توفير دخول سنوية مضمونة، بينما اقترح آخرون أن ساعات العمل الأسبوعية الأقل من شأنها أن تخلق المزيد من فرص العمل. وإذا اجتمع هذا مع خصومات ضريبية قوية على الدخل المكتسب، فبإمكان هذه المقترحات أن تمكِّن العاملين من كسب دخل معقول. كما اقترح البعض تقديم خصومات ضريبية للأشخاص الذين يقومون بأعمال مفيدة للمجتمع ولا يتلقون عنها أجراً، مثل من يتقاعد من العمل ويمكث في البيت لكي يرعى طفلاً أو مسناً.

غالبية الناس، وأنا منهم، يشعرون بعدم ارتياح بالغ حيال هذا النوع من الأفكار. غير أن الاقتصاد المستقل يعيد كتابة القواعد الاقتصادية، ولذا ينبغي علينا ألا نقيد تفكيرنا.

من المريح الالتزام بالحلول القديمة، وتجاهل احتمالية كونها غير كافية مستقبلاً، والاكتفاء بالأمل. بيد أن الأمل ليس استراتيجية، وسيجعل المشكلات طويلة المدى أفدح فحسب.

إن الإنتاج المستقل آخذ بالفعل في إطلاق العنان لنظام اقتصادي ثنائي القطب، وستصاحبه تحديات شديدة الصعوبة. وإذا كنا جادين حقاً بشأن التغيير، فسيتعين علينا أخذ تدابير جذرية من أجل مواجهة التضخم في الاقتصاد التقليدي والانكماش في الاقتصاد المستقل، وذلك استجابةً إلى عالمنا الذي تعاني فيه قيمة العمل البشري من ضغط شديد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!