تابعنا على لينكد إن

أثار مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، انتقاداً كبيراً لشركة أوبر حول كيفية استخدامها لرؤى متنوعة من علم الاقتصاد السلوكي بهدف دفع سائقيها ليقلّوا مزيداً من الركاب على الرغم من قلة منفعتهم. وهذه واحدة من عدة قصص سلطت الضوء كذلك على الشركة بطريقة مسيئة.

تذكّرت بينما أقرأ المقال سؤالاً يطرحه علي المسؤولون التنفيذيون في كثير من الأحيان عندما أتحدث إليهم حول فوائد الاقتصاد السلوكي أو عندما أعطيهم أمثلة عن كيفية استخدامها ضمن مؤسساتهم الخاصة، ألا وهو: “ألا تخاف من استخدامها لنوايا سيئة؟”.

وأُجيب دوماً بأنها كغيرها من الأدوات التي يمكن أن تستخدم بطرق جيدة وسيئة على حد سواء. وقبل أن أخوض في الاختلافات بينهما، علي التأكد أولاً أنك على دراية بالمجال الجديد الذي يُدعى الاقتصاد السلوكي.

وفقاً للنظرة التقليدية في الاقتصاد، فإننا أناس عقلانيون نتطلع بشكل جيد في ما يخص الخيارات المستقرة ونتحكم ونهتم بذاتنا وقابلين للتحسن. إلا أنّ المنظور السلوكي لا يتفق مع هذه النظرة، ويشير إلى أننا موصوفون بحكم خاضع للخطأ وتفضيلات وسلوكيات مرنة، وأننا من الممكن أن نُخطئ في حساب المجازفات، أو أن نكون مندفعين أو ذوي نظرة محدودة أو منقادين برغبات اجتماعية ما، كأن نبدو بشكل جيد في أعين الآخرين، بعبارة أخرى، ببساطة إننا بشر.

ويبدأ الاقتصاد السلوكي من هذا الافتراض الأخير. إذ هو نظام يجمع بين عدة آراء من مجالات علم النفس والاقتصاد والقضاء وصنع القرار وعلم الأعصاب، وذلك لفهم وتوقع وتغيير السلوك البشري بطرق أكثر قوة مما يمكن أن يقدمها أياً من هذه المجالات وحده. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، طبقت المؤسسات في كل من القطاعين الخاص والعام بعض الأفكار من الاقتصاد السلوكي لمعالجة مجموعة كبيرة من المشاكل، بداية من الحد من الغش في الضرائب، وضغط العمل وصولاً إلى تشجيع العادات الصحية وزيادة المدخرات لما بعد التقاعد، كما أنها توجهت للتصويت (كما ذكرت سابقاً).

كما استخدمت أوبر رؤى مماثلة للتأثير على سلوك السائقين. وكما كتب نوام شيبر في مقالة التايمز، “بتوظيف مئات من علماء الاجتماع وعلماء البيانات، قامت أوبر بتجريب تقنيات ألعاب الفيديو والرسوميات والمكافآت غير النقدية ذات القيمة الصغيرة والتي يمكن أن تدفع السائقين للعمل لفترات أطول وأصعب، وأحياناً في أوقات وأماكن أقل ربحاً لهم”.

يُجبر هذا الأسلوب، وفقاً لشيبر، السائقين على جمع المزيد من الركاب فبناء على رأي العلوم السلوكية، يتأثر الناس بشكل كبير بالأهداف. ووفقاً لهذا المقال، فإنّ أوبر تنبه السائقين إلى قربهم الشديد من تحقيق هدف ثمين عند محاولتهم الإقلاع عن ذلك.

دعونا الآن نعود إلى السؤال: متى تكون الحوافز جيدة ومتى تكون سيئة. وخلال مناقشة هذا الموضوع مع المدراء التنفيذيين، أقوم بتقديم بضعة أمثلة أولاً. وأحد الأمثلة المفضلة لدي هو استخدام قوائم المراجعة في العمليات الجراحية للحد من المضاعفات التي تصيب المريض. إذ تصف هذه القوائم العديد من إجراءات الرعاية الحساسة المتعارف عليها والتي ينفذها العديد من الجراحين في غرف العمليات من ذاكرتهم. وقد فحص أليكس هاينز وزملاؤه في ورقة بحث نشرت في العام 2009 استخدام القوائم المرجعية وفعاليتها في ثمانية مستشفيات من ثماني مدن في الولايات المتحدة. ووجد الباحثون أنّ معدل وفيات المرضى الذين يخضعون لعملية جراحية انخفض من 1.6 في المئة إلى 0.8 في المئة بعد إدخال قوائم المراجعة. كما انخفضت معدلات المضاعفات التي تصيب المرضى من 11 في المئة إلى 7 في المئة.

وفي ورقة بحث ذات صلة بهذا الموضوع نُشرت في العام 2013، كان لدى ألكسندر أرياجا وزملاؤه 17 فريقاً لغرف العمليات، وقد شاركوا في 106 محاكاة لسيناريوهات الأزمة الجراحية، حيث تم تعيين الفرق عشوائياً للعمل مع قائمة مرجعية أو بدونها وتم إعطائهم التعليمات لتنفيذ عمليات الرعاية الحساسة.

وكانت النتائج مذهلة. إذ خفضت قوائم المراجعة الخطوات التي يتم تجاوزها في إجراءات الرعاية من 23 في المئة إلى 6 في المئة. كما كان أداء جميع الفرق التي تم تزويدها بقوائم المراجعة أفضل. ومن الجدير بالملاحظة أنّ 97 في المئة من الذين شاركوا في هذه الدراسة أفادوا أنهم يريدون استخدام قوائم المراجعة في حال حدوث إحدى الحالات الطارئة أثناء قيامهم بعملية ما.

وأحد الأمثلة الأخرى الذي أحكيه غالباً ما يتعلق بتوفير استخدام الوقود والكربون في رحلات الطيران في قطاع الخطوط الجوية. فقد وجد جون ليست وزملاؤه في ورقة بحثية جديدة، أجريت باستخدام بيانات أكثر من 40,000 رحلة فريدة من نوعها، أنّ هناك توفيراً كبيراً في انبعاثات الكربون والتكاليف المالية عند تلقي طياري شركات الطيران معلومات شهرية مصممة خصيصاً لكفاءة الوقود إلى جانب أهداف وملاحظات فردية. وفي ميدان الدراسة، تم تعيين الطيارين عشوائياً في واحدة من أربع مجموعات بما في ذلك مجموعة مراقبة “العمل المعتاد” وثلاث مجموعات تدخل، وقد تم تزويدهم برسائل شهرية ابتداء من فبراير/شباط لعام 2014 وحتى سبتمبر/أيلول لعام 2014. تضمنت الرسائل واحداً أو أكثر مما يلي: ملاحظات شخصية عن ممارسات كفاءة استهلاك الوقود في الشهر السابق، والأهداف والملاحظات حول كفاءة الوقود في الشهر المقبل. وتبرع بمقدار 10 دولار لجمعية خيرية يختارها الطيار لكلّ من الأهداف التي تم تحقيقها.

بالنتيجة: زادت كل المجموعات الأربعة من تطبيق سلوكياتها من أجل توفير الوقود. وهكذا، فإنّ إبلاغ الطيارين حول مشاركتهم في دراسة غيرت بشكل كبير تصرفاتهم. (إنها نتيجة بحث موثقة جيداً في علم الاجتماع وتسمى تأثير هوثرون)، وقد كانت المعلومات المصممة خصيصاً مع الأهداف والملاحظات هي التدخل الأكثر فعالية من حيث التكلفة وتحسين دقة تزويد الوقود وفعالية التدابير المتخذة في رحلة الطيران وفعالية رحلات النقل بسيارات الأجرة وذلك بنسبة 9 في المئة إلى 20 في المئة. كما يبدو أنّ التدخل قد شجع على التقيد بهذه العادة الجديدة، حيث ظلت تدابير كفاءة استهلاك الوقود قيد الاستخدام حتى بعد انتهاء الدراسة.

ما الآثار المترتبة؟ توفير التكاليف بمقدار 5.37 مليون دولار من تكاليف وقود شركة الطيران وانبعاثات أقل بنسبة تزيد على 21,500 طن من ثنائي أكسيد الكربون خلال فترة الدراسة التي طالت لثمانية أشهر.

وكان أحد الأهداف الرئيسية للتدخل، سواء في استخدام الجراحين لقوائم المراجعة أو الطيارين الذين يتلقون ملاحظات حول كفاءة الوقود، هو تحفيز المشاركين على التصرف بطريقة معينة. لذا، فإنّ الباحثين كانوا بطريقة ما يحاولون تشجيع حدوث تغيير ما في السلوك بنفس الطريقة التي كان المدراء في أوبر يتبعونها لإحداث تغيير في سلوك سائقيهم.

ولكن مع وجود فارق مهم بين هذه الأمثلة الثلاثة. ويتمثل هذا الفارق في إجابة السؤال: هل تستخدم الحوافز لتحقيق الفائدة لكلا الطرفين المشاركين في التفاعل أم أنها تحقق الفائدة لجانب واحد وتزيد تكاليف الطرف الآخر؟ إذا كان الهدف منها هو الأول، فإذاً (كما يقول ريتشارد ثالير وكاس سونشتاين في كتابهم المؤثر الدفعة)، نحن “نعزز الخير”. فقد حدد ثالر وسونشتاين ثلاثة مبادئ توجيهية يجب أن تكون أول ما يتبادر بأذهاننا عند تصميم الحافز، وهي أن تكون الحوافز شفافة وليست مضللة، منتقاة بسهولة، ومدفوعة باعتقاد قوي بأنّ السلوك الذي يتم تحفيز الطرف الآخر لفعله من شأنه أن يحسن مصلحته.

وهنا يكمن الخط الفاصل بين تشجيع بعض السلوكيات والتلاعب بالأشخاص. وكذلك حيث أرى فرقاً ضئيلاً بين تطبيق الاقتصاد السلوكي أو أي استراتيجيات أو أُطر أخرى للقيادة وإدارة المواهب والمفاوضات التي أدرسها في صفوفي. فإننا نمتلك دوماً الفرصة لاستخدامها في الخير أو الشر.

وفي حال تعارضت مصالح الشركة مع مصالح موظفيها، يمكن للمؤسسة استغلال موظفيها كما يبدو أنّ أوبر فعلت. إلا أنّ هنالك الكثير من الحالات التي تكون فيها المصالح متوافقة بالفعل، فمن المؤكد أنّ الشركة تستفيد من المستويات الأعلى من الأداء والحماس، وكذلك أيضاً العمال لأنهم سيشعرون برضى أكبر عن عملهم.

وهنا أرى إمكانية كبيرة في تطبيق الاقتصاد السلوكي في المؤسسات، حيث تم تحقيق الفوز الحقيقي للطرفين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz